إعمار القابون وجوبر... الشركات الخاصة بوابة لمصادرة الحقوق؛ والدولة «شريكٌ تجاري»!
فرح شرف فرح شرف

إعمار القابون وجوبر... الشركات الخاصة بوابة لمصادرة الحقوق؛ والدولة «شريكٌ تجاري»!

يكشف الاجتماع الذي عقدته محافظة دمشق مع لجان وممثلين عن أهالي القابون وجوبر في 14 من آذار عن تحول جوهري في «خطط» إعادة الإعمار في هذه المناطق.

فما جرى ليس عرض خيارات متعددة، بقدر ما هو إعلان مباشر للسياسة الاقتصادية الجديدة، التي تضع الدولة في موقع «الشريك المستثمر» بدلاً من كونها الداعم والضامن للحقوق.
فالطرح الرسمي الذي استبعد القروض الدولية والمنح والإعمار الأهلي بحجج موضوعية (شروط سياسية، بطء، عجز مالي)، لم يترك مجالاً أمام الحضور سوى الموافقة على مسار الشركات الاستثمارية، ما يؤكد أن «الخيار الأوحد» كان محسوماً سلفاً، والاجتماع جاء لتسويغه لا لمناقشته.


العجز المالي وجاذبية الاستثمار


اللافت في خطاب المحافظ هو الجمع بين خطاب العجز وخطاب الإغراء، مع لهجة تهديدية أيضاً. فمن جهة أكد أن ميزانيات إعادة الإعمار «خيالية» وتفوق قدرة الدولة. ومن جهة أخرى، كشف عن عروض استثمارية بقيمة 21 مليار دولار، تقدمها شركات تبدو مستعدة بالكامل.
أي إن الدولة بدل حماية المواطنين وتوفير التمويل، تحولت إلى وسيط عقاري ضخم، يتفاوض بالنيابة عن آلاف المُلّاك، ويقرر نسب الأرباح والحصص.
فالشركات ستحصل على 50% من المساحات المبنية، وهي نسبة مرتفعة بمعايير شراكات التطوير العقاري، خاصة أن الأرض مؤمّنة، وهي أغلى عنصر في التكلفة.
والطلب من المالك دفع نصف قيمة الشقة، يعني أن قيمة الأرض قد استُخدمت لتمويل حصة الشركة، ولكن مع تحميل المالك عبئاً مالياً إضافياً، ليستعيد أقل من نصف ما كان يملكه فقط!
يحوّل هذا النموذج إعادة الإعمار من آلية تعويض إلى عملية تمويلية تستنزف مدخرات المتضررين وتصب في جيوب مستثمرين خارجيين. وبالتالي المطروح لا يبني مدينة، بل يخلق سوقاً عقارية جديدة، حيث الأولوية للكثافة العالية (كالحديث عن أبراج بارتفاع 14 طابقاً) لتعظيم الربح.
كما كشف الاجتماع عن غياب آليات واضحة للإجابة عن أسئلة مصيرية: من سيقيّم الملكيات؟ بأية معايير؟ كيف ستُحسب الحصص في العقارات متعددة المُلّاك؟ من يحدد الكثافة السكانية؟ ماذا عن الخدمات والغطاء الأخضر؟
غياب هذه التفاصيل يفتح الباب أمام اجتهادات نتائجها كارثية!

فخ الطابو الزراعي


الإشكالية الاجتماعية تكمن في تصنيف الممتلكات إلى درجات، فتم تهميش الفئة الأكثر ضعفاً، أي أصحاب الطابو الزراعي والمناطق العشوائية، وهم الشريحة الأكبر في جوبر والقابون.
ولكن المشكلة ليست في التمييز القانوني بين الملكية النظامية والزراعية، بل في استخدام هذا التمييز لمعاقبة مجموعات سكنت هذه المناطق لعقود في ظروف سياسية وقانونية معينة.
فالطابو الزراعي في عهد السلطة الساقطة كان أداة للتحكم بالسكان وترسيخ العشوائيات، واليوم يتحول إلى سبب «قانوني» لحرمانهم من الحق المتساوي في السكن.
فالسيناريو المتوقع لصاحب 100 متر، هو أن يصبح مالكاً لـ 25 أو 30 متراً فقط، ولا سيما بوجود عدة ملاك. وهذه المساحة لا تكفي لتأمين غرفة، ما يعني أن التعويض يصبح بلا جدوى، ويدفع بالمالك إلى بيع حصته الضئيلة للشركة.
وهذا هو «التهجير القسري الثاني» الذي يتخوف منه الأهالي، ولكن هذه المرة تحت غطاء التنظيم وإعادة الإعمار.
ومن هنا تصبح المقارنة مع مشروع «ماروتا سيتي» ليس أكثر من تعمية وتشويش على ما يُخطط لباقي المناطق؛ فهناك حصل المتضررون على تعويضات اسمية وصلت إلى 80%!


لِمن يُعاد الإعمار؟


تهديد المحافظ بنقل «المشروع» إلى مناطق كالقدم والعسالي في حال رفض الأهالي هو أسلوب تفاوضي غير معهود مع مواطنين فقدوا منازلهم!
ويحول السكّان من شركاء في الإعمار إلى عائق يجب تجاوزه، ويعكس رؤية ترى أن الأرض الفارغة، حتى مع وجود مالكيها، هي فرصة استثمارية يجب استغلالها سواء وافق الأهالي أم لا.
إذاً، لمن هذه المشاريع؟
إذا كانت الإجابة للمواطنين فكان يجب أن تبدأ العملية بحصر الملكيات، وتثبيت الحقوق، ثم تقديم مخطط تنظيمي معاصر، يحافظ على حقوق الجميع، مع توفير تمويل حكومي وقروض ميّسرة.
أما إذا كان الجواب لسوق العقارات والشركات، فالنموذج «الكارثي» المطروح هو الأنسب فعلاً!
وبالتالي الدولة لا تؤدي وظيفتها الاجتماعية في حماية المواطن، بل تؤدي وظيفة تيسير لرأس المال، حتى لو كان الثمن تكريس تهجير آلاف العائلات!


ما الحل؟


البديل الجذري يبدأ من مسلّمة بسيطة، «السكن حق وليس استثماراً». والمناطق المنكوبة ليست قِطَع أرض تصلح لمشروع عقاري مُربح لقلّة من المستثمرين.
والبديل ليس تفاوضاً «أفضل»، بل رفض لمنطق التفاوض على الحقوق. والمطلوب اليوم هو تحويل رفض الأهالي إلى تغيير شامل يرى في السكن حق، تكون فيه الدولة ضامنة، وقادرة على تمويل إعادة الإعمار عبر مشاريع إنتاجية (صناعية وزراعية)، عندها فقط يمكن الحديث عن «إعادة إعمار» يعيد الحقوق لأصحابها.
فهل ستتحول الدولة إلى «شركة عقارية كبرى» تتعامل مع المواطنين كمساهمين يمكن تهميشهم؟ أم ستعيد تعريف نفسها كضامن للحقوق الاجتماعية والاقتصادية؟
فما جرى في الاجتماع أشبه بإعلان حرب على المُهجّرين قسراً لصالح رأس المال الكبير باسم إعادة الإعمار. فالمحافظة لم تكن حتى حَكماً محايداً، بل باتت الطرف الذي يصوغ القانون والمخططات التنظيمية لصالح «المستثمر» تحت غطاء العجز المالي!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270