مسيرة صعوبات قطاع التعليم من تخفيض الإنفاق العام إلى إنهاء مجانيته!

مسيرة صعوبات قطاع التعليم من تخفيض الإنفاق العام إلى إنهاء مجانيته!

نظمت جامعة دمشق بتاريخ 24/3/2024 ندوة حوارية تحت عنوان «الاستثمار في التعليم» بمشاركة ممثلين عن الكليات والوزارات المختصة بهدف تبادل الأفكار والآراء، والوصول إلى مقترحات تسهم برسم خطة طريق لمشروع الاستثمار في هذا القطاع.

حضر الندوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي ووزير التربية ورئيس الاتحاد الوطني لطلبة سورية ورئيس جامعة دمشق، وممثلون عن الكليات والوزارات والجهات المختصة، وأدارها عميد المعهد العالي للدراسات والبحوث السكانية.
لا شك أن قطاع التعليم بمراحله كافة بحاجة إلى مزيد من الاهتمام الرسمي على مستوى بحث معيقاته وصعوباته بغاية تذليلها، خاصة بعد التراجع الكبير الذي أصاب هذا القطاع الهام!
فهل عنوان «الاستثمار في التعليم» هو البوابة لتذليل صعوبات ومعيقات عمل هذا القطاع، أم بوابة لمزيد من الخصخصة فيه؟!
فممّا لا شك فيه أن الاستثمار الخاص في التعليم مربح ومستقطب، بدليل تزايد المنشآت التعليمة الخاصة، سواء لمرحلة التعليم ما قبل الجامعي، أو لمرحلة التعليم الجامعي!

بوابات الخصخصة تحت عنوان التشاركية!

تركزت موضوعات الندوة حول العناوين الرئيسية التالية:
الاستثمار في التعليم ما قبل الجامعي ومحدداته.
التحديات التي تواجه الاستثمار في كل من وزارة التربية والتعليم العالي.
معيقات استثمار القدرات البشرية.
القوانين الناظمة للاستثمار في التعليم الموجودة في كلتا الوزارتين، وفرص التشاركية بين القطاع العام والخاص.
كما تناولت بعض المداخلات العناوين الفرعية التالية:
آلية القبول الجامعي.
الصعوبات التي تواجه الخريج في دخول سوق العمل.
الوضع المعاشي للأستاذ الجامعي ومعلم المدرسة.
بعض القوانين والأنظمة في الوزارتين مثل قانون تنظيم الجامعات، وبعض قوانين وزارة التربية.
دور المجتمع الأهلي في دعم المدارس.
دور نقابة المعلمين في دعم المعلم.
إيجاد موارد إضافية لتحسين الوضع المعاشي لمعلم المدرسة.
من الواضح أن المحاور الرئيسية أعلاه تركز على موضوعة الاستثمار في التعليم (ما قبل الجامعي والجامعي) من خلال بوابة التشاركية مع القطاع الخاص، بما في ذلك تعديل بعض القوانين الناظمة لعمل هذا القطاع بما يلبي تحقيق هذا الهدف!

تفاصيل وطروحات إضافية!

أكد وزير التربية في تصريح لـ«الوطن» عقب الندوة أن مجانية التعليم شيء ضروري وخاصة في مرحلة التعليم الأساسي، والدولة تتحمل عبئاً كبيراً جداً على الرغم من الصعوبات... في حال تحدثنا عن «الاستثمار» فيجب أن تضخ الاستثمارات التي قد تلجأ إليها «التربية» إلى قلب الوزارة نفسها، وألا تذهب إلى الخزينة العامة، ما ينعكس على تحسين الأداء، علماً أن هذه المواضيع بحاجة إلى قوننة على أن تكون التشاركية لمصلحة المؤسسة كاملةً وليس الخزينة العامة... من واجب المجتمع المحلي وليس «منيّة» أن يطور التربية ويساعد مؤسساتها، مشدداً على ضرورة تحقيق التشاركية في مختلف القطاعات!
واللافت في حديث وزير التربية كان حول الاعتمادات المخصصة للوزارة في الموازنة الاستثمارية، حيث قال كنا قد طلبنا للموازنة الاستثمارية 550 مليار ليرة وحصلنا على 175 مليار ليرة وهذا رقم يعتبر قليلاً جداً، بالمقابل تم رصد 72 ملياراً لطباعة الكتب المدرسية العام الماضي ما يشكل رقماً كبيراً على الدولة وذلك يستوجب أشكالاً وطرقاً جديدة، العمل جارٍ عليها لتحسين عدد من القوانين مع تحسين الواقع المعيشي للمعلم، ولكن هذا يتطلب حصة من الاستثمار تعود إلى لوزارة للقيام بنهضتها.
بالمقابل اعتبرت رئيسة الاتحاد الوطني لطلبة سورية في تصريح لـ«الوطن» أن قطاعي التعليم والتربية ليسا بخير في ظل الظروف الراهنة، وسط تحديات ترتبط بالحاجة إلى توفر الموارد المالية بما ينعكس على جودة الخدمات المقدمة للطلاب، ما يتطلب آليات لتحسين وزيادة هذه الموارد لتحسينها وأن تتمتع الجامعات بالمرونة والاستقلالية!
أشار معاون وزير التربية إلى وجود عدد من التحديات التي تواجه الاستثمار في التربية، أصعبها خروج أكثر من 10 آلاف مدرسة من الخدمة، تم ترميم أكثر من 2200 مدرسة وبقي نحو 8 آلاف مدرسة، وتسرب عدد من الكوادر البشرية، ووجود قوانين قديمة مثل قانون وزارة التربية منذ عام 1944!
ونقل عن رئيس جامعة دمشق الأسبق قوله: أصبح متعارفاً عليه أن توفير التعليم العالي بشكل مجاني خاصة بالنسبة للدول ذات الإمكانية والموارد المالية المحدودة، سيؤدي إلى انخفاض نوعية هذا التعليم. وركز على أساليب تمويل التعليم العالي وتوفير الدعم اللازم، بما فيه تشجيع القطاع الخاص على دعم التعليم العالي ضمن طرق وصيغ من الممكن طرحها!
الطروحات أعلاه لا تبين ما وصل إليه واقع قطاع التعليم من تراجع وتردٍّ فقط، بل تشير بكل وضوح إلى نتائج سياسات تخفيض الإنفاق على هذا القطاع، الذي أصبح التراجع فيه سمة غالبة!
كذلك يتبين من كل ما سبق من عناوين وطروحات أنها تعزز مسيرة الخصخصة في التعليم، مع فتح بوابات إضافية فيها تحت عناوين التشاركية!

تمهيد ترويجي لزيادة الخاص على حساب العام!

الندوة تحت عنوان الاستثمار هي بكل وضوح تمهيد إعلامي وترويجي وتسويقي لزيادة جرعة الخصخصة في قطاع التعليم بمراحله كافة!
فالصعوبات والمعيقات التي تم طرحها خلال الندوة، على الرغم من أهمية التوقف عندها للبحث المعمق بها بغاية تذليلها، تم تجييرها لخدمة هذه الغاية، كعناوين محقة يراد بها تعزيز الباطل ليس إلا!
فالحديث عن تعزيز مسيرة الخصخصة وفق سياق عناوين الندوة أعلاه لم يعد يقتصر على الاستثمار الخاص والمستقل بهذا القطاع وزيادته فقط، بل في فسح المجال للاستثمار الخاص تحت عناوين التشاركية في التعليم العام «المجاني» افتراضاً، وفي منشآته وأبنيته!
وربما هذا الأمر غير مفاجئ، فقد سبق لوزارة التربية أن وضعت بعض المدارس العامة في الاستثمار الخاص وبعهدته، بغاية جني بعض الكاسب بذريعة تغطية بعض النفقات والأعباء المتزايدة!
فبعد أن تزايد نشاط القطاع الخاص الاستثماري في التعليم عبر المدارس والمعاهد الخاصة، ومن خلال الجامعات الخاصة، يسعى إلى التغول الإضافي على حساب منشآت ومباني التعليم العام (ما قبل الجامعي والجامعي)، ومن داخلها!

السير نحو إنهاء مجانية التعليم!

وزارة التعليم العالي كانت سبّاقة بإبداع بوابات إنهاء مجانية التعليم من خلال أنظمة التعليم المأجورة التي أدخلتها على التعليم الجامعي (الموازي- المفتوح- الافتراضي)، على حساب التعليم العام المجاني، بالإضافة إلى تزايد أعداد الجامعات الخاصة التي تتزايد فيها الكليات والاختصاصات!
فعدد المقبولين من طلاب الثانوية العامة بفروعها المختلفة في التعليم العام المجاني في المرحلة الجامعية يتراجع عاماً بعد آخر على حساب زيادة أعداد المقبولين في أنظمة التعليم المأجورة، وخاصة التعليم الموازي، الذي ارتفعت نسبة القبول فيه إلى 50% في العام الدراسي 2022-2023، ولم يتم الإعلان عن هذه النسبة في العام الدراسي 2023-2024، وهي لا شك أصبحت أكبر من 50%، والغطاء لذلك الإجراء الظالم بحق الطلاب هي سياسات القبول الجامعي المجحفة!
وكذلك تتزايد أعداد الطلاب المتسربين من المدارس العامة المجانية بمرحلة التعليم الأساسي والثانوي، بسبب تراجع العملية التعليمية فيها إلى المدارس والمعاهد الخاصة، التي تزايدت أعدادها بمراحل التعليم ما قبل الجامعي، الأساسي بحلقاته الأولى والثانية، والثانوي!
الأكثر من ذلك أن التعليم العام بمراحله كافة لم تعد مفردة «مجاني» تنطبق عليه!
فعلى سبيل المثال بات طلاب وتلاميذ مرحلة التعليم الأساسي والثانوي في الكثير من المدارس يتحملون قيمة أوراق المذاكرات والامتحانات، بالإضافة إلى التكاليف الكبيرة الأخرى التي لا تقف عند الهندام والكتب والدفاتر والقرطاسية فقط، بل تتعداها إلى تكاليف بعض مستلزمات العملية التعليمية مثل أقلام السبورة ومازوت التدفئة وغيرها، ولا ننسى ما يتم تكبده من تكاليف على الدروس الخصوصية المكلفة، وخاصة لطلاب شهادتي التعليم الأساسي والثانوي!
أما عن التكاليف التي يتكبدها طلاب مرحلة التعليم الجامعي فحدث بلا حرج عن ضخامتها، والتي لا تقف عند الرسوم السنوية المتزايدة التي يتم تسديدها فقط، بل تشمل قيمة الكتب والمحاضرات ومستلزمات التعلّم التي باتت كثيرة ومكلفة، وخاصة للفروع العلمية، اعتباراً من جهاز الحاسوب الذي بات ضرورة للطلاب، وليس انتهاء بالمستلزمات المخبرية ومستلزمات مشاريع التخرج!
والأمر على هذا النحو لم يعد مرتبطاً بقضية تخفيض الإنفاق العام وذرائعه غير المبررة، بل بالسير نحو التفريط بمجانية التعليم المصونة دستوراً، بحسب ما هو مفترض، أي مزيد من الفرز الطبقي، ونبذ المفقرين عبر إغلاق المنافذ أمامهم لاستكمال مسيرة تعلمهم!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1168
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2024 12:35