أصبح للسعادة معايير ومقاييس أممية... فأين نحن منها؟

أصبح للسعادة معايير ومقاييس أممية... فأين نحن منها؟

تم تقديم أول تقرير أممي للسعادة في عام 2012، وفي العام نفسه تم تحديد يوم 20 آذار اليوم الدولي للسعادة، ومنذ ذلك الحين يتزامن صدور تقرير السعادة العالمي مع هذا اليوم.

فماذا تعني السعادة للسوريين... وهل يعلمون أن هناك يوماً دولياً للسعادة؟!
قد تكون الإجابة بسيطة، بقدر انعدام السعادة المكرس على مدى سنين وعقود!
فبالنسبة للسواد الأعظم من السوريين كلمة سعادة ربما تعني الحصول على بعض أساسيات الحياة، البديهية والمنسية في مجتمعات أخرى كحقوق مصونة، كوصول دور الغاز قبل انتهاء أسطوانة الغاز الحالية، أو رسالة المازوت قبل نهاية الشتاء، أو إنجاز معاملة حكومية في يوم واحد، ودون دفع «يلي فوقنا ويلي تحتنا» وربما في حالة حلم يقظة أن يكفي الأجر الشهري لتغطية تكاليف ومتطلبات الحياة، بعيداً عن أوجه الاستغلال والإذلال!
فماذا يعني مؤشر السعادة المعتمد أممياً، وأين نحن منه؟

معايير السعادة حسب تقرير السعادة العالمي

يعكس تقرير السعادة العالمي الاهتمام العالمي المتزايد بالسعادة والرفاهية كمعايير للسياسات الحكومية والتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ويستعرض حالة السعادة في العالم بالاعتماد على ستة متغيرات، وتقدير ارتباطها بتقييمات الحياة لتفسير التباين بين البلدان.
وعلى الرغم من اختلاف مفهوم السعادة من شخص لآخر ومن بلد لآخر، إلا أن الأمم المتحدة حددت مفهوم السعادة بمدى رضا الشخص عن حياته، ووضعت معايير لقياس السعادة في دول العالم، وهي:
– نصيب الفرد من الناتج المحلي.
– حرية اتخاذ القرارات.
– جودة الخدمات الصحية والتعليمية.
– متوسط عمر الفرد.
– انتشار العدل.
– انعدام الفساد وعدم انتشاره.
شمل تقرير هذا العام 143 دولة، حيث اعتمد الباحثون على استطلاعات رأي تطلب من المشاركين فيها الإجابة عن مقياس تدريجي من 1 إلى 10، بشأن مدى الدعم الاجتماعي الذي يشعرون به في حالة وقوع مشكلة ما، وحريتهم باتخاذ القرارات المرتبطة بحياتهم الخاصة، وشعورهم بمدى تفشّي الفساد في مجتمعاتهم، بالإضافة إلى باقي العوامل سابقة الذكر!
تصدرت فنلندا قائمة مؤشر السعادة العالمي، للعام السابع على التوالي، تلتها كل من: الدنمارك، وأيسلندا، فيما حلت الكويت في المرتبة الأولى عربياً وفي المركز 13 عالمياً.
أما عن سورية فاحتلت المرتبة الرابعة لأكثر الدول بؤساً في العالم!
وعلى الرغم من أن ذلك يبدو طبيعياً بناءً على العوامل السابقة، لكن دعونا ننظر إلى العوامل المعتمدة محلياً!

نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي

يقاس الناتج المحلي الإجمالي بقيمة السلع والخدمات المنتجة في البلاد، وكلنا نعرف أننا في سورية تقريباً لا ننتج إلا النزر اليسير من احتياجاتنا، بعد تقويض الإنتاج والاستعاضة عنه بالاستيراد!
فالمنشآت الصناعية الإنتاجية (العام أو الخاص)، أو ما تبقى منها، شبه متوقفة لأن توليد الكهرباء لا يكفي، والمشتقات النفطية ومستلزمات الإنتاج مرتفعة الأسعار، والزراعة أيضاً بتراجع مستمر، عدا بعض الزراعات المحلية التي لم تعد تكفي لتسد الاحتياجات وبدأت عمليات الاستيراد لها تتزايد عاماً بعد آخر، اعتباراً من محصول القمح، وليس انتهاء بالبصل والثوم والبقوليات!
وبالتالي فالناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من عدم توفر قياس دقيق رسمي له بانعكاسه على المستوى الفردي والحصة منه، فبإمكاننا توقع أنه بأدنى مستوياته تراجعاً مع تكريس هذا التراجع، ونصيب الفرد منه بأدنى مستوياته أيضاً استناداً إلى ذلك!
يكفي أن نذكر بأنه، وحسب الأمم المتحدة في عام 2014، احتلت سورية المرتبة 144 من أصل 194 دولة بنصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي!
ونستطيع أن نجزم أن تلك النسبة داعية للتفاؤل جداً، لأن نصيب بعض الأفراد المحظيين في سورية من كبار أصحاب الأرباح والناهبين، يختلف كلياً عن نصيب أغلبية الأفراد المفقرين والمنهوبين!

مؤشر الفساد

حسب مؤشر نشره موقع «ترادينغ إيكونوميكس» صنف فيه الدول بناءً على مدى تصورات الجهاز العام لفسادها، بدرجة من 0 (فساد عالٍ جداً) إلى 100 (نظيف جداً)، كانت نتيجة سورية في المرتبة الثانية بالأكثر فساداً، لتسبقنا الصومال بدرجتين، ربما نتيجة التكتم على الكثير من التقارير في بلادنا!
فالواقع السوري ربما هو الأجدر باحتلال المرتبة الأولى في مؤشر الفساد، والفضل بذلك طبعاً للناهبين والمفسدين، وداعميهم من الجهات الرسمية والنافذين!

انتشار العدل

أما فيما يتعلق بانتشار العدل، ورغم مساعي الفاسدين الكبيرة، إلا أننا لا نزال نحافظ على بقايا ثقة متواضعة بما يتعلق بعمل بعض مفاصل المؤسسة القضائية على مستوى محاسبة المذنبين وإعادة الحق إلى أصحابه!
هذا طبعاً في حال استطاع أصحاب الحق تحمّل التكاليف المادية للادّعاء، وتكاليف المحامي وغيره، بالإضافة إلى التكاليف المعنوية في حال كان المدعى عليه من المتنفّذين مثلاً!
أما عن مفهوم العدالة بحد ذاته فهو بأدنى درجاته، فالتباين والتمييز فاقع إلى درجة الفجور على مستوى مناحي الحياة كافة، وخاصة على مستوى الفرز الطبقي الذي تعمق خلال العقود الماضية، وازداد حدة خلال سنوات الحرب والأزمة، لتضاف إلى ذلك عوامل المحسوبية والوساطة والنفوذ!

متوسط عمر الفرد

ربما الصبر والأمل وحده هو ما يبقينا على قيد الحياة، وأي حياة؟! أما كل ما عدا ذلك بما يتعلق بهذا المؤشر، من المستوى المعيشي وتوفر الغذاء إلى المستوى الصحي والنفسي إلى الضمان الاجتماعي إلى الخدمات وغيرها، فقد استطاعت الحكومات المتعاقبة وضع الخطط وتنفيذها بدقة لتقليص متوسط أعمارنا تباعاً، استناداً إلى تكريس تراجع المؤشرات أعلاه، وبأسرع وقت!
ولعل ارتفاع معدلات أمراض القلب والجلطات محلياً خير مثال على ذلك، وخاصة بين أوساط الفئة الشابة عمرياً!

جودة الخدمة الصحية

جودة الخدمة الصحية تعني افتراضاً تقديم الرعاية والخدمة الصحية للمواطن على وجه تام وكامل، مع الحد من التكلفة التي قد يدفعها نظير تلقيه تلك الخدمة، دون تمييز وبشكل يحقق العدالة.
وهو ما نراه معكوساً بكل وضوح الآن، خاصة مع تزايد أعداد المواطنين المفقرين غير القادرين على تحمل تكلفة زيارة الطبيب، أو إجراء التحاليل الطبية، وحتى تكلفة الوصفة الطبية، بعد الزيادات الرسمية المتلاحقة لأسعار الأدوية وندرة العديد منها، وانتشار الهشاشة والفساد ليطال معظم نواحي خدمات القطاع الصحي (العام أو الخاص)!
فلا جودة في الخدمات الصحية، والتمييز بلغ أشده على المستوى الطبقي بين من يمتلك إمكانية تحمل تكاليف العلاج، ومن لا يملك هذه الإمكانية ليعاني من الأمراض وفتكها بصحته!

حرية اتخاذ القرارات

نمتلك في سورية، على العموم بما يخص حرية أي شيء، مستوى متميزاً من التدني في حرية الصحافة والإعلام والتعبير والمطبوعات والتجمع وغيرها!
بل وحتى قرار استكمال التعليم ليس فردياً، فهو مرتبط بمنعطفات مفروضة وغير متحكم بها غالباً، سواء للانتقال من مرحلة التعليم الأساسي إلى الثانوي، أو من مرحلة التعليم الثانوي إلى الجامعي، وصولاً إلى مرحلة الدراسات العليا!
وربما من الجدير بالتذكير هنا كمثال أنك إذا استطعت أن تخطط لإقامة احتفال خطوبة أو زواج في سورية، وهو الأمر الذي أصبح عسيراً على المفقرين طبعاً، فيجب أن تطلب موافقة المخفر القريب منك قبل اتخاذ قرارك النهائي والشخصي بذلك!
فما بالك أن تستطيع اتخاذ قرارات أكبر من ذلك، وأهم مصيرياً على المستوى الشخصي والفردي والأسري، أو على المستوى العام المجتمعي والسياسي والوطني؟!
وربما الحرية الجزئية المتاحة نسبياً، والتي لا تظهر غالباً على نموذج القرارات المعدة والمدروسة مسبقاً، هي تفريغ رب الأسرة جام غضبه المتراكم من صعوبات حياته اليومية وضغوطاتها على أفراد أسرته، أو تنمر الطلاب والتلاميذ بعضهم على بعض، وكذلك بعض أشكال الحريات الشبيهة بهذه الممارسات الشاذة ليس إلا، ودون قرارات مسبقة بل مدفوعة بالضغوط الاقتصادية والمعيشية والخدمية!
فحتى جرعات التهكم العفوي، التي أصبحت سمة عامة ومعممة، فهي مدفوعة بالضغوط اليومية المعاشة أيضاً، للتخفيف قدر الإمكان من آثارها ونتائجها على المستوى النفسي ليس إلا!
وربما لا غرابة بعد كل ما سبق أن تحتل سورية المرتبة الرابعة على المستوى العالمي في مؤشرات البؤس المعمم والمكرس على المواطنين غير الراضين عن حياتهم، بسبب سياسات الإفقار والتجويع والتمييز وقضم الحقوق، مع نهج إنهاء الدعم بكل أشكاله ومطارحه، وفي ظل غياب خطط التنمية الاقتصادية الاجتماعية الجدية والجادة التي من المفترض أن تنعكس على حياة المواطنين معيشياً وخدمياً إيجاباً، وصولاً إلى الرفاه الذي يسمعون عنه، ولا يعرفونه مع كل الأسف!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1168
آخر تعديل على الإثنين, 08 نيسان/أبريل 2024 12:31