العامل السوري في القطاع الخاص.. صكوك إذعان... حقوق غائبة.. ومصير مجهول
مات أبو قاسم في معمل البلوك، والسبب كما قال الطبيب الذي فحصه هو (الجلطة). كانت يده في قالب البلوك والزبد في فمه المعفر بالاسمنت، هكذا قضى المرحوم عمره بين الرمل والاسمنت، يدكّ قوالب البلوك والسيجارة الرخيصة في فمه، وقبل المغيب يعود إلى بيته مع بعض الحاجيات البسيطة، فمضت أيامه المتعبة على هذا المنوال، حتى القبر.
رمى المعلم ياسين 10 عشرة آلاف ليرة سورية في حضن أم قاسم وقال بحزن جليل: «الله يرحمه...». هذا ما تركه المرحوم مع ديون سامحه فيها أصحابها في المقبرة.. ببساطة رحل أبو قاسم بتعويض بخس وكثير من الديون وخمسة أولاد وأمهم التي عملت فيما بعد (لفاية) تنتظر المناسبات الروحية والأعطيات لكي تربي كوم اللحم الذي تركه العامل السوري بامتياز.. (أبو قاسم).
عمال المواسم
*في زاكية والكسوة بريف دمشق، الأرض المفروشة بجيوش العمال والعاملات وهن الأغلبية للخبرة والأجر الرخيص، وإمكانية استخدامها في جميع الأعمار، وهذه الحشود من العمال سببها موسم الثوم، حيث يتم تجميعه وتشبيكه، وكذلك نقله إلى الأسواق، في الموسم لا تشاهد في المنطقة سوى الشاحنات الصغيرة و(التراكتورات) المحملة بالنساء اللواتي بالكاد تظهر عيونهن.
عليا عاملة أربعينية: منذ كنت صغيرة وأنا أعمل في الأرض من موسم إلى آخر، أما الأجر فهو يومي مع بعض الإكراميات في آخر الموسم، وتستطيع أن تحصل على مؤونتك.
أبو محمد عامل: أحس أنني ولدت في حقل الثوم، أعمل منذ عشرين سنة، من مزرعة إلى أخرى فنحن على باب الله، أجري اليومي مع الإضافي يصل إلى 500 ليرة في اليوم.
-ماذا فعلت للأيام القادمة؟
- الأرزاق بيد الله، ثم من ينظر إليك يا بني؟
*في درعا والقنيطرة، عمال المواسم ينتقلون من موسم إلى آخر من القمح والشعير إلى البندورة ثم إلى كل خضار الموسم.... فالزيتون.
كذلك في إدلب واللاذقية وجبل الشيخ وعفرين.... ثمة مواسم الزيتون الوفيرة.
وثمة عمال يحتشدون لجمعها ووصولها إلينا دون تعب يذكر اللهم سوى موسم الغلاء الذي لا يرحم.
الورش
ورشات صغيرة تحولت مع الوقت إلى معامل يقل عدد عمالها عن 10 عمال، من معامل الخياطة التي تمارس عملاً مكملاً للمعامل الكبرى فينحصر دورها في إنجاز مرحلة معينة من التصنيع، بعضها يشكل تجمعاً والآخر يندس بين التجمعات السكنية ريثما يستقر ويكبر.
في الدويلعة أكثر من 50 ورشة لصناعة البشاكير والجوارب بعضها يعمل بنول واحد أو اثنين، لهم مشاكلهم مع الخيط المحلي والمستورد، وبعضها يحتاج إلى 3 عمال لإدارة الورشة (المعمل الصغير).
معامل الرخام
في أول بلدة معضمية الشام في ريف دمشق، هناك العشرات من المعامل التي تمارس قص الحجر الرخامي، ثم تحويله إلى قطع رخامية بأشكال متعددة وصالحة للاستعمال في الورش الأخرى المتخصصة في رخام المنازل والمزارع وسواها.
ونتيجة حتمية لاستنشاق الهواء المحمل بالغبار، ولعدم وجود وسائل الحماية والوقاية، فأغلب العاملين في هذه الورش مصابون بالربو. ورغم الشكاوى الكثيرة من العمال إلى التأمينات وزيارة مفتشيها، إلا أن النتيجة كانت في صالح رب العمل الذي بدوره يستفيد من المرور في القانون التـأميني... بدل أن يكون في مجموعه للعامل.
وبعد محادثات مطولة ومستفيضة بين المعلم والعمال وبواسطة من أحد مفتشي التأمينات، أعطى المعلم الرحيم كل عامل تزيد خدمته عن عشرين سنة 100 مائة ألف ليرة سورية، ثم وقع على استقالته مع عقد جديد واستقالة جديدة.
أحد العمال أصر على تسجيله بالتأمينات الاجتماعية وبراتبه الحقيقي، ما زال في انتظار رضا (الحجي) وأن تقوم التأمينات بدورها خارج الرشا والمصالح الشخصية لموظفيها.
سجون تدعى مصانع
سنمضي إلى الطامة الكبرى، معامل مقفلة، بمتاريس، ورجال أمن (مدنيون يقومون بالدور)، وسرية تامة، ومن يفتح فمه بكلمة فمصيره الشارع، وهنا أيضاً يبرز التناقض الصارخ بين رب العمل ومؤسسة التأمين، الحجي الذي يعرف الله يظن أنه يدفع للمؤسسة نسبة كبيرة، وأنه يعوض العامل أفضل من المؤسسة ومن الدولة، فهو لا يترك عيداً إلا وينفق على عامليه، كذلك زكاة أمواله، ويعالجهم، ويزوج البعض، ويدفع للبعض مقدم ثمن منزل.
بعض المعامل لا تفتح الباب لأحد، وعلى لسان موظف في التأمينات هناك مصانع لم يدخلها مفتش واحد ولا يجرؤ على دخولها مديره.
العامل في هذه السجون يقول: رزق أبنائي أهم، وعمل بلا تأمين، أفضل من الشارع، ويعزي نفسه أن المعلم لن يتخلى عنه إن كم فمه.
القطاع السياحي
وهم الفئة التي تعمل مع معلمي (البسط)، يقولون إن مشكلتهم ليست مع المعلمين أصحاب المزاج العالي فرواتبهم جيدة، ويعملون في وسط فرح، مشكلتهم في أن أجورهم عالية، ونقابة السياحة أكدت في حوار قديم مشكلتها مع التأمينات الاجتماعية، فمعلم مطبخ على سبيل المثال أجره في الشهر 100 ألف ليرة، والمؤسسة لا تقبل بذلك، أما الفئة صاحبة الأجر العادي (المقاهي، المطاعم، الكازينوهات البسيطة) فعمالها إما خارج التأمين، أو أنهم يعملون بأجر زهيد وبدوام طويل، وبلا أية حماية اجتماعية.
ورش البناء
وبينهم تحصل أكبر نسبة من الوفيات والإصابات، ويضيع حقهم في التأمين من أبسط وحدة إدارية التي تمنح رخص البناء، ولكن أغلب البلديات تمنح هذه الرخص دون الرجوع إلى التأمينات، وكذلك التأمينات فإن تدعي أنها وجهت الكتب والقرارات إلى هذه الوحدات الإدارية، لكنها لا تستجيب، وهي لا تملك الحق في التحصيل، فما هذه المسخرة؟؟!!
المرأة العاملة
إنها المقهورة، المستلبة، السلعة الأرخص في سوق العمل، في ورش الخياطة، معامل الأدوية، الجوارب، العلكة، المنظفات...خلقن كيفما اتفق على رأي الشاعر محمود درويش، ساعات عمل طويلة، أجور زهيدة، الفرصة بالنسبة لهن لا يعوضها شيء.
إحدى العاملات في شركة كبرى للأدوية سقطت عليها خزانة للقطع التبديلية أثناء نقلها، دخلت المشفى لأكثر من شهرين، دفعت الشركة أجور العملية والمشفى.. عادت بعد فترة النقاهة لتجد قرار فصلها في انتظارها.
سوق العمل
كل هذه المنغصات وواقع الفوضى، وعدم وجود فرصة عمل لائقة أو غير لائقة، لم تمنع الآلاف من الشباب السوري من محاولة دخول سوق العمل رغم العدد الكبير من العاطلين عن العمل والذين قدروا بأكثر من مليوني عاطل عن العمل، جلهم من العاملين في قطاع الزراعة، ووجود الكثير من الداخلين خلسة تحت عناوين الوظائف المؤقتة أو العقود الموسمية والسنوية، كما أن أرقام هيئة البطالة تشير إلى أن عدد العاطلين عن العمل بلغ نحو 15 % من عدد السكان، بينما تذهب إحصاءات أخرى إلى أن النسبة تفوق الـ20 %.
أرباب العمل
أرباب العمل هم الطرف الأقوى في المعادلة الثلاثية (العامل - الدولة-أرباب العمل)، لهم مطالبهم أيضاً، يعتقدون أن نسبة التأمينات مرتفعة، وأن إلزامهم بالعقود الدائمة مع العمال مجحف بحقهم، وهم مصرون أن يكون لهم حق إنهاء العقد عند اللزوم.
يرون أنهم مظلومون كالفريق الأول، والدولة هي الفريق المستفيد، وبعضهم ذهب إلى أن الدولة الضامنة للعلاقة هي المستفيد الوحيد من الطرفين، وأن تركهم في خلق المعادلة الصحيحة للتعامل مع العامل سينتج عنها نتائج أكثر إيجابية، فهم مع العامل أكثر مما للدولة من علاقة معه، وأن ما يدفعونه للعامل يفوق ما تدفعه الدولة لعامليها، وأن التأمين الذاهب من جيب العامل إلى خزينة الدولة لا تفعل به شيئاً، وليس صحيحاً أنهم يتركون عامليهم للمرض والجوع.
الشؤون الاجتماعية
فيما أعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل أكثر من مرة، عدم رضاها عن استمرار الجدل حول تعديل قانون العمل. وعلى لسان الوزيرة (ديالا حاج عارف) التي أكدت أن قانون العمل الجديد يناقش للمرة العاشرة مع الاتحاد العام لنقابات العمال من أجل الوصول إلى صيغة اتفاقية. لافتة النظر بقولها في أحد المؤتمرات الصحفية: نحن نمثل أطرافاً متشاركة، ونطبق التشاركية الحقيقية، ولا نود لطرف أن يكون مختلفاً مع طرف آخر.
وهنا لا بد من التوقف حول ما يشاع عن الدور الذي تقوم به الوزارة، من خلال السعي لإنجاز اتفاق لا يأخذ العمال كأولوية، وهو ما سيلغي المكاسب التي حققها العمال في نضالهم الطويل.
وكانت وزيرة الشؤون الاجتماعية قد أكدت على دور الوزارة التوافقي بين أطراف العمل، وحرصها على إنجاز عقد متوازن يضمن حقوق ومصالح الأطراف الثلاثة.
وهنا يبدو أن الوزارة تحاول بشكل أو بآخر أن تأخذ دور الوسيط بين ممثلي العمال وأصحاب العمل، وهو عكس الدور الاعتيادي الذي كان يناط بالحكومة بأن تكون راعية لحقوق العمال بالدرجة الأولى ومدافعة عنها، التزاماً بقوانين العمل. لكنها التشاركية التي تحاول الحكومة تأسيسها والانتقال من حالة إلى أخرى لا بد من آلام مرافقة.
عقود الإذعان
ماذا يعني أن تكون بلا حقوق، بلا تعويض أو تقاعد، أو تأمين صحي، إجازة غير مأجورة، ساعات عمل غير نظامية، هذا ما يمكن تعريفه بعقد الإذعان.
الطرفان العامل وأصحاب العمل، في صراع أبدي بين اليد التي تعمل واليد التي تقبض، العبد والمستعبد.
التأمينات الاجتماعية
الدور الإيجابي لها في كونها أريد لها أن تلعب دور الحامي والراعي للطرف الأضعف العامل.
الدور السلبي في الأداء المتعثر وضعف المبادرة في استثمار أموالها لتعود على العامل، لتحقيق نظام تأميني ذي مستوى جيد على صعيد التأمين الصحي، التقاعد المحترم، والضرب على يد المنتفعين من موظفيها، وخصوصاً قطاع التفتيش الذي يساهم في ظلم العمال عندما لا يقوم بتسجيلهم من أجل مصلحة شخصية مبتذلة.
النقابات
وهي رغم تاريخها العريق، لكن لم تثمر ضغوطها على الجهات الوصائية والتنفيذية، لتوفير ظروف أفضل للطبقة العاملة والحركة العمالية، لكنها مع ذلك ما تزال هي الجهة الأقدر على خوض المعارك من أجل المصالح العمالية ومصالح الوطن بشكل عام.. وهي من الجهات القليلة حالياً التي تقف في وجه طروحات وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل المجحفة بحق العمال.. وكما قال أحد أعضائها: «النقابة التي لا تستطيع الدفاع عن نفسها، لا تستطيع بالضرورة الدفاع عن أعضائها».
القانون الجديد والحلم
في العام 1985 هلل العاملون السوريون في القطاعين العام والخاص للقانون الجديد، واعتبر انتصاراً للطبقة العاملة، لكن الإجحاف كان فيما حملته البنود التنفيذية لهذا القانون، فهو جاء على شاكلة واحدة، وحد الرواتب، وبسقف واحد، وأسقط روح الإبداع والحوافز والابتكار، وخلط الحابل بالنابل، وصار الآذن أكثر أجراً من مديره الجامعي.
ورغم التعديلات الأخيرة بقيت اللوائح التنفيذية العقبة الصخرة في وجه شفافية القانون، لكن يبقى السؤال هل العامل السوري في أمان؟
الواقع يؤكد أن العامل في القطاع الخاص ما زال يعيش في عصر الظلام الإنساني، فهو يوقع صك التنازل عن حقه في العمل في عقد العمل نفسه، وفي اللحظة نفسها!!