الطائفية بوصفها المعادل السياسي لليبرالية الاقتصادية!
يعالج البعض موضوع الطائفية من وجهة نظر أخلاقية وإنسانية عامة، وأحياناً من وجهة نظر وطنية... وهذا كله ضروري ومطلوب، وربما يساعد إلى هذا الحد أو ذاك في تطويق الظاهرة الطائفية، ولكنه بالتأكيد غير كافٍ لمعالجتها بشكل جذري؛ إذ إن الخطابات العامة الإنسانية والأخلاقية والوطنية، تبقى ذات طابع وعظي وشكلي إلى حد بعيد، حين لا تلامس الجوهر الاقتصادي الاجتماعي للمسألة.
فكرة التجمع البشري
الأصل في المسألة أن البشر، وخاصة في الأزمات والملمات الكبرى، يبحثون عن أسس يتجمعون حولها، لأنهم يعرفون بتجربتهم التاريخية الطويلة، أن الدفاع عن المصالح غير ممكن بشكل فردي، بل هنالك حاجة وجودية للتجمع لمواجهة الملمات والظروف الصعبة.
إذاً، وقبل كل شيء، حين نرى الناس يتجمعون على أسس طائفية، ينبغي أن نستنتج مباشرة أنهم يشعرون بالتهديد وبالخطر، ولذلك يبحثون عن طرق للتجمع بغرض الدفاع عن مصالحهم المهددة، وعن حياتهم التي يرون أنها مهددة.
وبالتالي، فإن المدخل لفهم المشكلة الطائفية ولعلاجها، هو تحديد الخطر الحقيقي الذي يهدد الناس، وتوضيحه، ومن ثم تحديد الطريق المناسب لمواجهته.
الخطر الأكثر إلحاحاً الذي يواجه السوريين، ليس اليوم فقط، بل وطوال عقود متتالية، يتمثل في ثلاثة جوانب متلازمة:
الأول: هو أوضاعهم المعيشية؛ حيث يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر، ويجري الهجوم على ما حققوه من مكتسبات عبر عقود طويلة، من التعليم والصحة المجانيين، إلى عمليات الدعم، إلى الحماية النسبية للإنتاج المحلي، ووصولاً إلى دعم الزراعة والصناعة الذي يتلاشى بشكل متسارع.
الثاني: هو التهديدات الخارجية، وعلى رأسها التهديد الصهيوني الذي دمر مقدرات سورية العسكرية، واستنزف قدراتها عبر عقود، ويعمل بشكل معلن ومتواصل على قسم السوريين على أسس طائفية ودينية وقومية، ويرفع هدفاً هو تقسيم سورية ويعمل كل ما يمكن عمله لتحقيقه.
الثالث: هو طبيعة السلطات والنخب التي تعاقبت على حكم سورية خلال العقود الأخيرة، والتي استثمرت في الموضوع الطائفي، وغطت من خلاله عمليات الفساد الكبير التي تصب ضد مصلحة القسم الأعظم من السوريين، بغض النظر عن طائفة أو دين أو قومية.
الطائفية معادلاً لليبرالية الاقتصادية
حين يكون البرنامج الاقتصادي هو برنامج يصب في مصلحة قلة اقتصادية ضد الأغلبية الساحقة من السوريين، أي حين يكون البرنامج هو الليبرالية المتوحشة المتماشية مع وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، والتي تدمر الزراعة والصناعة المحلية، وتدمر قطاع الدولة، وتزيد فقر السوريين، وتدمر إنتاجية الاقتصاد السوري، فإن المعادل السياسي الأنسب لها يكون الطائفية السياسية؛ لأن الطائفية السياسية بهذا المعنى، هي أداة أساسية في منع توحيد السوريين ضد النهب، وفي تكريس خوفهم وعزلتهم عن بعضهم البعض، وفي تحويل غضبهم ضد بعضهم البعض، بدل أن يتجمع الغضب ضد عمليات النهب التي يتعرضون لها من أمراء الحرب من مختلف الأطراف.
ما يجمع السوريين بغض النظر عن طوائفهم وقومياتهم وأديانهم، أكبر بكثير مما يجمعهم كطوائف وقوميات وأديان؛ تجمعهم مصلحة وجودية في بناء نظام جديد يقوم على التوزيع العادل للثروة، وعلى احترام الإنسان وحقوقه، وعلى المساواة الحقيقية بين السوريين، كإخوة وكأبناء بلد واحد.
إذا أردنا التخلص من الطائفية، فعلينا توجيه السهام نحو الوضع الاقتصادي الاجتماعي بالدرجة الأولى، فهذا هو الطريق الصحيح لتوحيد السوريين، ولمواجهة المشكلات الحقيقية التي يعيشونها...
ومن يعتقد أنه يمكن أن يحصل على شرعية ما، عبر توحيد أقسام من السوريين ضد بعضهم البعض، على أسس طائفية أو قومية أو دينية، فهو واهم وهماً قاتلاً؛ وعملية استقطاب السوريين بشكل طائفي أو قومي أو ديني، هي عملية مؤقتة بطبيعتها، ولا يمكن أن تصمد للزمن؛ فالناس بتجربتها العملية، وبنضالها اليومي من أجل لقمة العيش، تعرف أعداءها المباشرين، وتعرف أنهم متحدون ضدها في نهاية المطاف، مهما بلغ الصراع الشكلي بين الأطراف الطائفية المتناقضة...
برنامج في مصلحة الناس هو معادل الوطنية السياسية
والعكس بالعكس، فإن البحث عن توحيد السوريين، وعن معادل سياسي لوحدتهم، يعني البحث عن برنامج اقتصادي اجتماعي يجمع أبناء طبقة الـ90% من السوريين، المنهوبين والمفقرين من مختلف الأديان والقوميات والطوائف... بهذه الطريقة فقط يمكن توحيد البلاد فعلاً وقولاً، وتجنيبها أهوال أنهار جديدة من دماء الاقتتال الداخلي...
المدخل نحو عملية التوحيد هذه، كان وما يزال الحل السياسي الشامل على أساس الأهداف والتوجهات الأساسية للقرار 2254، الذي يعني في جوهره حق الشعب السوري في تقرير مصيره بنفسه، وفي كل المجالات، وعلى رأسها المجال الاقتصادي الاجتماعي...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254