السباق على معادن آسيا الوسطى وعدم القدرة على الانعطاف غرباً
في قمّة البيت الأبيض في 6 تشرين الثاني 2025، أعلن الرئيسان الأمريكي والأوزبكي التوصل إلى اتفاق اقتصادي واسع النطاق بلغت قيمته نحو 35 مليار دولار من التزامات التجارة والاستثمار الجديدة. وبموجب هذه التفاهمات، ستنفّذ الشركات الأمريكية مشاريع داخل أوزبكستان في قطاعات حيوية، من المعادن والطاقة إلى الطيران والزراعة وقطع غيار السيارات وتقنيات المعلومات والبنية التحتية. على سبيل المثال: وقّعت الخطوط الجوية الأوزبكية عقداً لشراء طائرات «بوينغ»، كما أُبرمت صفقات زراعية لصادرات، مثل: الصويا والقطن مع شركات أمريكية كبرى.
أثنى ترامب على الحزمة بوصفها «صفقة تجارية واقتصادية مذهلة»، مشيراً إلى أنّ أوزبكستان «ستشتري وتستثمر ما يقارب 35 مليار دولار… وفي السنوات العشر المقبلة، أكثر من 100 مليار دولار» في قطاعات أمريكية. سوّقت البيانات الرسمية الأوزبكية الاتفاقيات على أنها دفعة تاريخية نحو تعزيز الشراكة الأمريكية– الأوزبكية، مع تأكيد خطط لعقد مجالس استثمار لاحقة، بل واقتراح إنشاء صندوق استثمار مشترك خاص بآسيا الوسطى لضمان تنفيذ المشاريع. ويُعد ما حدث أحد أكبر المبادرات الاقتصادية الأمريكية في تاريخ أوزبكستان، ما يشير إلى تجدّد اهتمام واشنطن بالبلاد وبمنطقة آسيا الوسطى.
يتمحور الطرح الرئيس حول أنّ اندفاعة واشنطن الجديدة نحو «قلب العالم» – وإن كانت مغلّفة بخطاب الشراكة والتنمية– تكشف من جديد منطق الإمبريالية الرأسمالية المستمر: سباق على الموارد والأسواق وأوراق النفوذ الجيوسياسي في لحظة تراجع للهيمنة الغربية. علاوة على ذلك، تجعل العوامل البنيوية احتمال أن تتمكّن كازاخستان وأوزبكستان من التحوّل الاستراتيجي الحاسم نحو أمريكا ضعيفاً، من دون أن تقوّضا في الوقت ذاته تبعيتهما الراسخة لمبادرة «الحزام والطريق» الصينية BRI وأطر الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ومنظمة شنغهاي للتعاون التي تقودها روسيا والصين.
سعي الولايات المتحدة للمعادن النادرة والتنغستين
يدور أحد المحرّكات الأساسية لاندفاعة الأمريكيين في آسيا الوسطى عام 2025 حول تأمين المعادن الحرجة– خصوصاً العناصر الأرضية النادرة والتنغستين– بهدف تنويع سلاسل التوريد بعيداً من الصين وروسيا. وخلال قمّة واشنطن، شدّد ترامب على أنّ «المعادن الحرجة» تشكّل أولوية رئيسية، وأبرم اتفاقيات لتوسيع وصول الشركات الأمريكية إلى ثروات آسيا الوسطى المعدنية. ومن أبرز هذه المشاريع إطلاق مشروع مشترك أمريكي– كازاخي بقيمة 1.1 مليار دولار لتطوير اثنين من أكبر مكامن التنغستين في العالم (سيفيرني كاتبّار وفيرخنيه كايراكتّي في منطقة قراغندي الكازاخية).
ستتعاون شركة «كوف كابيتال» الأمريكية مع شركة التعدين الكازاخية الحكومية «تاو–كن سامروك» على استخراج ومعالجة التنغستين «مع وعد ببحث بنك التصدير والاستيراد الأمريكي منح تمويل يصل إلى 900 مليون دولار». تقدّر هذه المكامن بحوالي 410 آلاف طن من التنغستين، وهي من الأغنى عالمياً، وسيُنشأ عبر المشروع مرافق جديدة لإنتاج منتجات تنغستين عالية القيمة.
في أوزبكستان، تستهدف الجهود الموازية العناصر الأرضية النادرة. فقد وقّعت السلطات الأوزبكية اتفاقيات مع «دينالي إكسبلوريشن غروب» و«ري إليمنت تكنولوجيز» لاستكشاف وتطوير مشاريع المعادن النادرة. وبموجب هذه الصفقات حصلت أمريكا على «حقوق الرفض الأول Rights of first refusal: الحقّ في أن تُعرض عليك الصفقة أولاً قبل أن تُعرض على أي طرف آخر» في المكامن الأوزبكية المطوّرة بشكل مشترك، وتعهدت بما يصل إلى 400 مليون دولار لتعزيز سلاسل توريد المعادن الحرجة بين البلدين. كما سيعمل الطرفان على رسم خرائط جيولوجية لموارد العناصر الأرضية النادرة والمعادن الحرجة.
تُعد هذه الخطوات أوّل دخول أمريكي واسع إلى قطاع التعدين غير النفطي في آسيا
الوسطى– الذي تهيمن عليه الصين وروسيا منذ عقود– وتندرج ضمن ما يُوصف في الإعلام الأمريكي بـ«دبلوماسية المناجم» لمواجهة سيطرة بكين التي تنتج نحو 70% من العناصر النادرة عالمياً وتتحكم بـ 90% من عمليات معالجتها، عبر تأمين مصادر بديلة من الأراضي الغنية في آسيا الوسطى، تسعى واشنطن إلى تعزيز أمنها الاقتصادي وسلاسل توريدها في التكنولوجيا المتطورة، والحدّ من نفوذ منافسيها.
تعميق الانخراط الأمريكي مع كازاخستان
امتدّ تحرّك الأمريكيين نحو كازاخستان، أكبر اقتصاد في آسيا الوسطى. ففي واشنطن التقى الرئيس الأمريكي الرئيس الكازاخي توكاييف، وكشفا عن «شراكة استراتيجية معزّزة» ترتكز على 29 اتفاقية تجارية بقيمة تتجاوز 17 مليار دولار. امتدّت هذه الصفقات إلى الاستثمار الصناعي والتعاون التكنولوجي والتعليم. فعلى سبيل المثال: وقّعت شركة «جون دير» اتفاقاً بقيمة 2.5 مليار دولار لإنتاج 3000 آلة زراعية داخل كازاخستان، متضمّناً إقامة مصانع جديدة ومراكز خدمات ومستودع إقليمي لقطع الغيار. وفي قطاع التعدين، شكّل المشروع المشترك
الخاص بالتنغستين محوراً رئيسياً في الاتفاقيات الكازاخية.
كما تمّ تعزيز الروابط في مجالي الطاقة والبنى التحتية: إذ أيّد توكاييف مبادرة ترامب «طريق ترامب للسلام والازدهار الدولي TRIPP» – وهو مشروع لتطوير ممر النقل العابر لبحر قزوين، الرابط بين آسيا الوسطى وأوروبا– باعتباره جزءاً من دعم كازاخستان لمشاريع الربط الأمريكية. دبلوماسياً: اتخذت كازاخستان خطوة جيوسياسية لافتة بانضمامها إلى «اتفاقات أبراهام» خلال زيارة توكاييف إلى أمريكا. وفي اتصال مشترك مع رئيس وزراء «إسرائيل»، وافق توكاييف على الانضمام إلى إطار السلام الأمريكي– الشرق أوسطي، وهي خطوة أثنى عليها ترامب بوصفها إنجازاً كبيراً للسلام العالمي. وأكّد توكاييف أنّ انضمام كازاخستان «يهدف إلى تعزيز الحوار ودعم القانون الدولي»، ولا يتعارض مع التزاماتها الثنائية مع أي دولة أخرى. وفي السياق ذاته، جدد ترامب التزام بلاده بالشراكة الاستراتيجية مع كازاخستان، بما في ذلك مذكرة تفاهم جديدة حول المعادن الحرجة لتطوير موارد البلاد، مثل: اليورانيوم والمعادن النادرة.
اقتصادياً: تتسارع الروابط التجارية والاستثمارية: إضافة إلى صفقات الـ 17 مليار دولار، وقّعت «إير أستانا» اتفاقاً لشراء 18 طائرة «بوينغ 787 دريملاينر» لتوسيع أسطول الرحلات الطويلة، كما تعاونت الحكومة الكازاخية مع «سبيس إكس– ستارلينك» لتحسين الاتصال الفضائي عبر البلاد. ونتيجة لذلك، شهد عام 2025 تقارباً أمريكياً– كازاخياً غير مسبوق، يمزج اتفاقيات تجارية مع اصطفاف استراتيجي «خصوصاً في قضايا المعادن وسلاسل التوريد) لرفع مستوى العلاقات الثنائية.
احتضنت الأنظمة في آسيا الوسطى– خصوصاً أوزبكستان وكازاخستان– مبادرات الأمريكيين، مع طمأنة الجيران بأنّ هذه التحركات لن تُخلّ بالتوازن التقليدي في سياساتها الخارجية. ففي قمّة البيت الأبيض، وصف توكاييف اللقاء بأنه «بداية عصر جديد للتفاعل بين الولايات المتحدة وآسيا الوسطى». واتخذ الخطوة الرمزية بالارتباط بـ«اتفاقات أبراهام»، مؤكداً تقارباً تجاه واشنطن. كما كان رئيس أوزبكستان حماسياً، إذ نُقل عنه وصفه ترامب بأنه «رئيس العالم»، واقتراحه إنشاء أمانة دائمة لصيغة «C5+1» داخل المنطقة لتعزيز العلاقات المؤسسية مع أمريكا.
في الوقت ذاته، شدّد القادة على أنّ استراتيجياتهم متعدّدة الاتجاهات باقية. فقد أكّد توكاييف أنّ الانضمام إلى اتفاقات أبراهام «يعكس دبلوماسية متعددة الأطراف» ولا يمسّ بالتزامات كازاخستان الأخرى. هذه الرسائل تلمح إلى الخيط الرفيع الذي يسير عليه قادة آسيا الوسطى: الاستفادة من الانخراط الأمريكي اقتصادياً واستراتيجياً، دون إثارة حساسية الصين وروسيا.
من جانبها، جاءت ردود الصين هادئة، ولكن حازمة. فقد أكدت وسائل إعلامها الرسمية أنّ دول آسيا الوسطى لن «تتخلّى» عن روابطها العميقة مع الصين لمجرّد تعاونها مع أمريكا. وأشار الخبير الصيني تشو يونغبياو إلى أنّ دول المنطقة «لا تغيب عن نظرها روابطها التاريخية والجغرافية والاقتصادية العميقة مع الصين وروسيا»، في تلميح إلى محدودية نفوذ أمريكا. وأوضحت صحيفة «غلوبال تايمز» أنّ التركيز الأمريكي على المعادن الحرجة مفهوم، لكن «أساس الصين في آسيا الوسطى متين، ولا يمكن لأي قوة خارجية زعزعته بسهولة».
وتشير الصين إلى قمتها الخاصة بـ«الصين – آسيا الوسطى» في أستانا في حزيران 2025، حيث وقّع الرئيس شي جين بينغ معاهدات «الصداقة الأبدية». وتُفاخر أيضاً بأنّ تجارتها مع دول آسيا الوسطى بلغت 674 مليار يوان - 95 مليار دولار في 2024، أي أكثر من ضعف ما كانت عليه عام 2013.
لماذا يبقى التحوّل نحو واشنطن مستبعداً بنيوياً؟
إنّ أي تحوّل جذري لدى كازاخستان وأوزبكستان نحو الولايات المتحدة محكومٌ بقيود بنيوية تجعله احتمالاً ضعيفاً. قد تفتح مغازلة إدارة ترامب لآسيا الوسطى طرقاً جديدة، لكنها لا تستطيع إلغاء الجغرافيا، ولا التشابكات الاقتصادية، ولا الضرورات الأمنية التي تربط هذه الدول بالصين وروسيا. بعبارة أخرى، تبقى قوة «المرتكزات» القائمة في قلب أوراسيا– أي بكين وموسكو– أقوى بكثير من «جاذبية» واشنطن الناشئة.
أولاً: من زاوية العلاقات الاقتصادية، الصين هي بالفعل الشريك الاقتصادي المهيمن في آسيا الوسطى. بحلول 2025، وصلت استثمارات «الحزام والطريق» الصينية في المنطقة إلى مستويات قياسية. ففي النصف الأول من 2025 وحده، تلقّت كازاخستان نحو 23 مليار دولار من استثمارات BRI الصينية– أكثر من أي دولة أخرى في العالم– لتمويل مشاريع عملاقة في الألمنيوم والنحاس وغيرهما.
تشير البيانات التجارية إلى عمق هذه العلاقة: أصبحت الصين اليوم أكبر شريك تجاري منفرد لكازاخستان، إذ تشكّل أكثر من 20% من تجارتها الخارجية، تجاوزت التجارة الكازاخية–الصينية 30 مليار دولار في 2025، وهي أضعاف التجارة الكازاخية مع أمريكا التي تبقى في معظم السنوات عند بضعة مليارات فحسب.
تُظهر أوزبكستان النمط ذاته تقريباً: الصين وروسيا معاً تشكّلان نحو 35% من تجارة أوزبكستان، مع تجاوز الصين روسيا بوصفها الشريك الأول مؤخراً. هذه الأرقام ليست عرضية، بل تعبّر عن تشابكات عميقة: الطلب الصيني على
النفط والغاز والمعادن من آسيا الوسطى، وكونها سوقاً لبضائع الصين، والطلب الروسي على العمالة والسلع. حتى لو ساهمت مبادرة ترامب في رفع مستوى التجارة والاستثمار بين أمريكا وآسيا الوسطى، فمن غير المرجّح أن تتمكّن من إزاحة الصين أو روسيا عن مكانتهما في المجال التجاري. فمن غير المتوقع أن تشتري واشنطن موارد آسيا الوسطى الهيدروكربونية أو المعدنية بالكمّيات التي تشتريها الصين، كما أنّ إعادة توجيه مسارات السلع نحو الغرب ليست عملية بسيطة أو قليلة الكلفة.
ثانياً: تعمل الجغرافيا والبنى التحتية لصالح الصين وروسيا. فكازاخستان وأوزبكستان دولتان حبيستان في قلب أوراسيا، وأسهل منافذهما إلى الأسواق العالمية تمرّ عبر مسارات برّية في الصين وروسيا، أو عبر ممرّات بحر قزوين والبحر الأسود الخاضعة لنفوذ روسيا. معظم السكك الحديدية وخطوط الأنابيب والطرق التي بُنيت في العقود الماضية تتجه جنوباً وشرقاً نحو الصين أو شمالاً نحو روسيا. على سبيل المثال: يتّجه خطّ التصدير النفطي الرئيس لكازاخستان نحو ميناء روسي على البحر الأسود، فيما تذهب خطوط السكك الحديدية المتنامية إلى إقليم شينجيانغ الصيني. أمّا أوزبكستان، بوصفها «دولة حبيسة مضاعفة»، فتتّكل على العبور عبر كازاخستان أو روسيا «أو عبر خط سكك حديدية محتمل بين الصين وقرغيزستان مستقبلاً».
في الوقت الذي تتحدّث فيه أمريكا عن تطوير «الممر الأوسط» إلى أوروبا متجاوزاً روسيا «عبر القوقاز»، تبقى هذه المشاريع في مراحلها الأولى، وتواجه تحدّيات لوجستية وتمويلية. سيتطلّب بناء ممرات موثوقة غرباً سنوات طويلة ومؤشرات ثابتة من الالتزام، قبل أن تضاهي الممرات الراسخة شرقاً وشمالاً. إلى ذلك الحين، سيظل الجزء الأكبر من التجارة في آسيا الوسطى يمرّ عبر القنوات القائمة.
يعني هذا، أنّ محوراً اقتصادياً نحو واشنطن سيشبه حرفياً إدارة الظهر لمنافذ قائمة وواسعة، ومحاولة سلك طريق أطول وأكثر وعورةً عبر دول عبور متعدّدة. الحافز البنيوي إذاً، هو الاستمرار في تعميق الروابط مع «الحزام والطريق» «الذي يوفّر سككاً جديدة وطرقات وبنى تحتية للطاقة في المنطقة» ومع سوق الاتحاد الاقتصادي الأوراسي «الذي يقدّم امتيازات للسلع الكازاخية والأوزبكية في روسيا وجيرانها». بالفعل، عبّر مسؤولون أوزبك عن اهتمامهم بوضع «مراقب» أو عضوية جزئية في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي تيسيراً للتجارة، على الرغم من سعيهم بالتوازي وراء روابط مع أمريكا– في إشارة إلى أنّهم لا يستطيعون تحمّل خسارة منافع الاندماج الإقليمي.
ثالثاً: ترتبط هاتان الدولتان بروابط أمنية وسياسية مع روسيا «وإلى حدّ ما الصين»، لا تستطيع واشنطن بسهولة إحلال نفسها محلّها. تمتلك كازاخستان حدوداً طويلة بطول 7000 كيلومتر مع روسيا، وأقلية روسية كبيرة في شمالها، وهي حليفة رسمية لموسكو عبر منظمة معاهدة الأمن الجماعي CSTO. كما أنّ ترسانتها العسكرية وتدريب قواتها يستندان إلى الإرث السوفييتي–الروسي. في كانون الثاني 2022، حين تحوّل احتجاج اجتماعي إلى اضطرابات واسعة، لجأ الرئيس قاسم جومارت توكاييف إلى CSTO لاستدعاء قوات روسية بقيادة موسكو لاستعادة الاستقرار. مثّلت هذه الخطوة تذكيراً صارخاً بدور روسيا كـ «ضامن أمن»، وباعتماد النظام الكازاخي عليها في لحظات الأزمات.
أما أوزبكستان، فرغم أنها ليست عضوٌاً في CSTO، إلا أنّها محاطة بأعضاء في المنظمة، واستندت إلى التعاون الروسي في أمن الحدود والمعلومات الاستخبارية حول أفغانستان، وغير ذلك. كما أنّ كلا البلدين عضوان في منظمة شنغهاي للتعاون، ويتعاونان مع روسيا والصين في مكافحة «الإرهاب» وقضايا الأمن الإقليمي.

في المقابل، لا تمتلك الولايات المتحدة حضوراً أمنياً يُذكر اليوم في آسيا الوسطى بعد الانسحاب من أفغانستان. صحيح أنّ واشنطن تقدّم تدريباً عسكرياً ومعدات محدودة، لكنها حذرة من إثارة موسكو، ودول آسيا الوسطى نفسها تحد من التعاون كي لا تغضب روسيا. باختصار، أمريكا قوّة بعيدة، لا تستطيع فعلياً ضمان أمن آسيا الوسطى في مواجهة أي تهديد مفترض بالقدر نفسه الذي تستطيع به روسيا ذلك، أو حتى الصين. هذا التفاوت حقيقة بنيوية: تجعل الجغرافيا من روسيا- وإلى حدّ ما الصين- الشريك الأمني «الطبيعي». ومهما بلغت قيمة الصفقات مع أمريكا، لن تقطع كازاخستان وأوزبكستان روابطهما الدفاعية مع موسكو، لأنّ ذلك سيجعلهما عرضةً للخطر في تصوّرهما الأمني.
أخيراً: هناك الأطر المؤسساتية للاندماج الإقليمي التي تعمل كشبكات تسحب الدول إلى الداخل. يربط الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي تقوده روسيا كازاخستان «وقرغيزستان، وغيرها» ضمن سوق مشتركة مع موسكو– ما يسهّل التجارة، وحركة العمالة، والمواءمة التنظيمية داخل الفضاء ما بعد السوفييتي. أي محور حاد لكازاخستان نحو الغرب قد يعرّض منافعها في الاتحاد للخطر «مثل الوصول المفضّل إلى خطوط أنابيب روسية أو تجارة معفاة من الرسوم مع روسيا وبيلاروسيا»، وهي كلفة لا يحتمل اقتصادها تحمّلها في الأمد القصير.
أمّا أوزبكستان، رغم عدم عضويتها في الاتحاد، فأكثر من مليون من عمالتها المهاجرة يعملون في روسيا، وتحويلاتهم «بمليارات الدولارات سنوياً» ضرورية لاقتصادها. أي توتّر كبير مع موسكو قد يقابل بطرد العمال أو عرقلة التجارة، ما يشكّل تهديداً لا ترغب طشقند في تحمّله. من الجانب الصيني، تموّل مبادرة «الحزام
والطريق» محطات طاقة وسككاً ومصانع، وتُعتبر الصين مستثمراً رئيساً في الاتصالات والتعدين وغيرهما. أي ميل مفرط نحو أمريكا قد يُقابَل بتحويل الاستثمارات نحو جيران أقل إشكالاً، أو بتوظيف الديون والعقود للضغط على الدولة المخالفة.
باختصار، تنغمس كازاخستان وأوزبكستان في شبكة كثيفة من الترتيبات الاقتصادية والسياسية الإقليمية تجعل إعادة توجيه البوصلة بالكامل نحو أمريكا عملاً مكلفاً وربما مزعزعاً للاستقرار. وقد لخّص أحد التقييمات الجيوسياسية الوضع بعد القمّة بقوله: «لا تزال روسيا والصين مهيمنتين عندما يتعلّق الأمر بالأمن والتجارة والبنى التحتية في المنطقة، كما يؤكّده مجرّد إلقاء نظرة على الخريطة». ربحت
أمريكا «لحظة زخم»، لكنها تواجه «حدوداً كبيرة لما يمكنها تحقيقه».
أقرّ «مجلس العلاقات الخارجية CFR» بصراحة، بأنّ اتفاقيات القمّة خطوة نحو «منافسة الصين وروسيا» في قطاع المعادن الحرجة في المنطقة. يمكن النظر إلى التنافس الجيوسياسي في آسيا الوسطى اليوم كمرآة مصغّرة لأزمة الهيمنة الغربية في النظام الدولي. يواجه الغرب بقيادة أمريكا، الذي حظي بسيطرة شبه أحادية بعد الحرب الباردة، تحدّيات متزايدة من صعود الصين، وموسكو المتجدّدة، وفاعلين أكثر جرأة في «الجنوب العالمي». في هذا السياق، تبدو اندفاعة ترامب في آسيا الوسطى محاولةً تفاعلية– محاولة متأخّرة لاستعادة نفوذ في منطقة تجاهلتها أمريكا، بينما كانت الصين ترسّخ حضورها.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254
عروة درويش