الاغتراب السياسي بين الأزمة و»الهزيمة» وتناقض الدراما والملحمة
من الضروري البناء على الجوانب التقدمية من الحدث المتفّجر من أجل إغناء محاولتنا فهم العمليات الكامنة والمؤثرة على تشكيل الوعي السياسي المُختَطَف والمغترِب في مرحلة شديدة التعقيد والدقة، مرحلة تتولّف فيها قضايا وتناقضات المجتمع الطبقي ككل. التناقضات التي تتطلب تجاوزها الضروري بحكم منطقها الداخلي نحو حالة حضارية جديدة، وإلا فأشكال من البربرية والإبادة ستحكم البشرية كمصير مؤكد. في صلب هذا الفهم يجب الإشارة إلى تصدّع آليات الاغتراب.
إشارة عامّة
في مواد سابقة أشرنا إلى أن الأزمات السياسية والعسكرية والأمنية التي تواجهها «قوى المواجهة» عالمياً دولاً كانت أم تنظيمات، تعكس ما كانت قاسيون مبكراً قد قالت به حول موت الفضاء السياسي القديم. موت الفضاء القديم لا يعني فقط قوى العالم الغربي والمركز الإمبريالي، بل مجمل القوى المعبرة عن التناقض الرئيسي عالمياً في المركز كما في الأطراف. وأساس هذا الشمول نابع من قاعدة أن الحكم على أزمة القوى محكوم بكيفية تعاملها مع التناقض المركزي في النظام الإمبريالي العالمي، أي تناقضات الرأسمالية نفسها في نسختها الراهنة. فكون اشتداد التناقضات وتكثفها وترابطها وتقاربها يضيّق هوامش القوى الفاعلة، ويفرض جدول أعمال جذري على الجميع لا يحتمل التأويل ولا المناورة، وهذا بدوره يفرض عقلاً محدداً، أي أدوات نظرية ومنهجية محددة لا تحتمل عدم استنادها إلى العلم التاريخي والفلسفة المرتبطة بتحويل الرأسمالية والتراث الإنساني في نقد المجتمع الطبقي المنقسم، ومفاعيله الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي صلبها من يقرر مصير الإنسانية ولصالح من يكون هذا المصير، ومن يشترك في هذه العملية. بكلمة، إنها قضية الانقسام بين الفرد والمجتمع التي حكمت المجتمع الطبقي تاريخياً والتي تحدد بدورها مجمل البناء الفكري والممارسي، وبشكل خاص السياسي، خلال مختلف نماذج المجتمع الطبقي. كلما كانت تلك القوى تتحرك ضمن إحداثيات هذا النظام المنقسم، كلّما تفاقمت أزمتها وجرى اعتبارها من الفضاء القديم، وكلّما تجاوزت هذه الإحداثيات، كلّما كانت تتقدم تاريخياً لدخول الفضاء الجديد من خلال صناعته بفعالية.
عن الاغتراب السياسي مجدداً
من الملامح الأساسية لهذا المجتمع المنقسم هي مسألة الاغتراب التي شكلّت قضية مركزية في الفلسفة والفكر الاقتصادي-السياسي. وقضية الاغتراب تلك ليس مسألة «خارجية» التأثير، أي إنها لا تشير فقط إلى مانع خارجي «صريح» بين الإنسان والعمليات السياسية التاريخية الحاصلة. إن الاغتراب عملية ممارسية تنعكس فيها طبيعة المجتمع الطبقي الذي يمنع الإنسان من أن يكون كائناً تاريخياً صانعاً لتاريخه ومستقبله لصالح الأقلية على حساب الأكثرية، واليوم على حساب البشرية ككل. الاغتراب يتمظهر إذاً في عقل الإنسان كعقل منقسم على ذاته، ويتمظهر في نظرة الإنسان لنفسه، ولعالمه وللظواهر المختلفة ولدوره. وعلى الرغم من أن مدى مشاركة الغالبية في صناعة التاريخ كانت تتوسّع خلال القرنين الأخيرين، إلا أنها اليوم تتطلب انتقالة إلى مرحلة أعلى، حيث تشترك فيها كل القوى ذات المصلحة في العمليات التاريخية الحاصلة، نتيجة أن الشكل السياسي للدولة لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية (في المركز كما في الأطراف) وصل إلى حدوده التاريخية، لكونه بالذات يستند إلى إحداثيات المجتمع الرأسمالي التي توسعت بشكل خاص في مرحلة النيوليبرالية، وتوقّف التطور الذي أطلقته ثورة أكتوبر في تغيير المجتمع الطبقي (وانعكاساته على دول المركز الرأسمالي في تلطيف تناقضاتها) لا من حيث طبيعة ملكية وسائل الإنتاج فقط، بل من حيث إدارة الجماهير للدولة والمجتمع. تجاوز الاغتراب هو في تحويل الإنسان من إنسان يتلقى بسلبية (نسبية) العمليات التاريخية إلى إنسان صانع لها.
عن مفاعيل الأزمة السياسية والعسكرية في منطقتنا خاصة
من نتائج الأزمة السياسية والعسكرية التي تعانيها دول وتنظيمات وشعوب منطقتنا بشكل خاص في صراعها مع الإمبريالية، وفي مواجهتها لأزمة مجتمعاتها على المستوى الداخلي (كجزء لا يتجزأ من أزمة النموذج الرأسمالية وامتداد له) لا يمكن أن يُرى فقط في جانبه السلبي لناحية «مشاعر الهزيمة والإحباط»، بل أيضاً في جانبه الإيجابي الذي لا ينفصل عن ذلك السلبي، بل هو في وحدة جدلية داخلية معه. الجانب الإيجابي هو أن الحدود الداخلية للقوى المواجهة تزداد انكشافاً، ومعها ينكشف جوهر المجتمع الطبقي نفسه، أي قضية الاغتراب بحد ذاتها. فعملية المواجهة في أشكالها السابقة كانت إلى حد ما محصورة في قوى منظمة، دولاً كانت أو تنظيمات حزبية، بينما الغالبية، حتى لو كانت داعمة لفعل المواجهة والمقاومة، فهي كانت نسبياً تتلقى من خارج عملية الفعل وصناعة الحدث. وكانت تراهن على أداء القوى التي تتصدر الحدث وكأنها مشاهد متفاعل عاطفياً مع الحدث «المسرحي» أكثر منها حاضر نقدياً لتقييم خلفيات مسرح الحدث التاريخية والاقتصادية والاجتماعية. فجاءت الأزمة السياسية والعسكرية والأمنية الأخيرة لتكسر حالة «الاعتماد» تلك، ولتعطّل حالة المشاهدة السلبية، فما اهتزاز الثقة إلا مؤشر على حالة الاعتماد تلك.
بريخت في تغريب التغريب وكسر الحائط الرابع
في نظريته المسرحية من أجل توظيف المسرح في الفعل التربوي السياسي وتعظيم انخراط «المشاهدين» في العمليات التاريخية والسياسية، قدم المسرحي والشاعر الماركسي بيرتولد بريخت نظريته في المسرح الملحمي في مقابل المسرح الدرامي القائم على العاطفة، بينما يقوم المسرح الملحمي البريختي على العقل الناقد والفاعل. وهذا الاختلاف يقوم على خلق مسافة بين المشاهد وبين المسرحية، وكسر الانغماس السلبي فيها، حيث يصير المشاهد فاعلاً إيجابياً في أحداث المسرحية. وقدم بريخت تقنيات مسرحية مختلفة، منها: التناقض في عناصر الأداء المسرحي، وفي إدخال عناصر اجتماعية وسياسية إلى سياق المسرحية، وأيضاً خروج الممثلين من حالة تجسيد الشخصية إلى حالة عرض الشخصية من موقع الشخص الثالث، أي الذي يبني مسافة بين الممثل وشخصيته ويقدمها بشكل «موضوعي». هذه التقنيات وغيرها تساعد في العملية التربوية لإشراك المشاهدين في العمل المسرحي. هذه التقنيات تستخدم اليوم في مختلف المجالات منها تصميم الألعاب لغايات تربوية، كما في تصميم سرديات عرض المعطيات، أو في تصميم التخصصات العلمية من أجل أهداف تربوية سياسية تحويلية للواقع كالعلوم السياسية مثلاً.
بين السياسة والمسرح
إذا ما ماثلنا هنا المسرح (المسرحية) مع العملية السياسية (والصراع ككل)، فإن الجماهير هنا تجسد المشاهدين في العمل المسرحي. وهذا الانكسار الذي أصاب سردية المسرحية القائمة (تكثيفاً نقول الصراع مع الكيان والغرب) التي لها بداية ونهاية وخاتمة، تعكس عقلاً خطياً هو ميزة المسرح الدرامي السلبي العاطفي حسب بريخت، نقول: إن هذا الانكسار في السردية نقل المشهد المسرحي إلى حالة من التفكك والتكسر والتناقض، والتي أكد بريخت أنها ميزات للمسرح الملحمي الذي يهدف إلى إشراك المشاهدين في الحدث، بل يصير الحدث نفسه مدخلاً للتفكير خارج المسرح نحو المجتمع والتاريخ ككل. هذا الانتقال يكثّف الانتقال من الجماهير المنفعلة العاطفية هو في جوهره كسر مع حالة احتكار (بغض النظر عن نسبة هذا الاحتكار) الفعل السياسي من قبل المؤسسات التاريخية، التي قلّلت من حالة إشراك القوى الاجتماعية، وربطت فعل تلك الجماهير من خلال آليات اعتماد عاطفية غالباً وغير نقدية وغير فاعلة. ما نحن في سياقه اليوم هو انتقال من هذا النموذج الدرامي الذي يشهد تعاظماً في بنية مجتمعاتنا التي لم تشهد انتقالة تاريخية نحو المجتمع السياسي الحديث نتيجة الكبح التاريخي الذي عاشته، انتقال نحو النموذج الملحمي.
هذا هو الجوهر الثوري للأزمة الحالية، والتي يجب تلمّسها من أجل التقاط اللحظة التاريخية بشكل أدق، حتى لا نسقط في مستنقع العدمية والسلبية والانهزامية المفرطة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254