نحن ونحن... والعيش المشترك

نحن ونحن... والعيش المشترك

في كل مرة تهدأ فيها الأمور إلى حد ما، وتبحث فيها نفوس السوريين عن بعض الهدوء، تعود الزوابع ثانية لتشعلها، ثمة ما هو أصعب من الحزن، في المعاناة التي تشاركها أغلبية السوريين، وهو بالضبط ما يحمّل هذه الأغلبية مسؤولية كبيرة وعميقة أمام أنفسهم وأمام البلاد، حتى لا يتكرر ما حدث ويعاد إنتاج المأساة ثانية.

 ليس هناك شك في محاولات قوى كثيرة داخلية وخارجية الاستثمار في مواجع السوريين واستغلال مأساتهم ومعاناتهم لغايات وأهداف كثيرة، لا تصب في مصلحة البلاد ولا الأغلبية الساحقة من أبنائها، ويكفي الدخول إلى بعض صفحات التواصل وتقليب ما فيها لمعرفة كمية وحجم الجهود والأموال المضخوخة فيها للتحريض والتجييش وتأليب السوريين على بعضهم. ولتفريغ شعارات مثل «الوحدة الوطنية» و«العيش المشترك» من محتواها.

ثمة مشكلة في التعامل مع هذه المفاهيم، خاصة في مرحلة مفصلية يعيشها العالم أجمع وسورية جزء منه. فغالباً ما يجري تصدير هذه المفاهيم في الخطاب السياسي والإعلامي وطرحها كمسلّمات وطنية فقط، بعيداً عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم والتناقضات والتحالفات الجديدة التي تتشكل إقليمياً ودولياً، لتبدو وكأنها ثوابت فقط، متعالية على الجغرافيا والتاريخ، وبغض النظر عن محتوى المشروع الذي تحمله، وتموضعه.

 

بين مشروعين!

يعيش العالم اليوم مواجهة كبرى بين مشروعين متناقضين؛ مشروع هيمنة إمبريالي تقوده الولايات المتحدة، ويشكل الكيان الصهيوني أداته العضوية في المنطقة، وتدعمه أنظمة مختلفة وقوى داخلية محلية متعددة أيضاً ومرتبطة به عضوياً، سياسياً واقتصادياً، ومشروع آخر مقاوم، مناهض لمختلف أشكال الهيمنة الأمريكية والصهيونية العالمية، وللاحتلال والعدوان بمختلف أشكاله، ومناهض للاستيطان والإبادة والحروب... إلخ. تقوده القوى الصاعدة في العالم وقوى المقاومة في المنطقة إضافة إلى كل القوى العالمية المناهضة للإمبريالية، سواء داخل المجتمعات الغربية نفسها أو في أمريكا اللاتينية وبقية شعوب العالم.

تفرض هذه الحقائق منطقاً آخر في التعامل مع فكرة «العيش المشترك» و«مفهوم الوحدة الوطنية»، إذ إنه ليس ثمة لحظة داخلية معزولة، ولا يمكن الحديث عن «هوية وطنية» بمعزل عن المواجهة والصراع القائم في المنطقة من جهة، إضافة إلى ما تحمله «كمشروع» من مضامين وأهداف وأدوات من جهة ثانية.

 

لمصلحة من؟؟

تستلزم معرفة ماهية أي مشروع، سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي طرح بعض الأسئلة. وفي مقدمتها السؤال حول من يخدم هذا المشروع ولمصلحة من؟ هل يصب في مصلحة الغالبية العظمى من الناس أم إنه يصب في مصلحة فئات وشرائح دون أخرى، وما يلحق ذلك من تفاصيل، لماذا وكيف ومتى... وغيرها؟ 

لا يمكن اليوم اختزال مفهوم «الوحدة الوطنية» والنظر إليه ف كشعار يُرفع فقط، فالناس لا يتوحدون لمجرد أنهم يحملون جنسية بلد ما فقط، يقتضي التفكير بهذا المفهوم كمشروع سياسي وطني جامع داخلياً، ومشروع نضالي يمكن له أن يجمع القوى الوطنية والاجتماعية والسياسية والغالبية العظمى من السوريين أصحاب المصلحة الواحدة على المستويات كافة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ووطنياً، مشروع عابر للطوائف والأديان والقوميات وغيرها من الانقسامات الفئوية. وأكثر من ذلك تكون إحدى مهماته قطع الطريق على ما يحمله المشروع الآخر المناقض من مضامين على رأسها إعادة إنتاج الانقسام الداخلي ومبرراته، التي أوجدتها وكرستها سياسات استمرت لعقود وما زالت، انقسام يستمر استغلاله اليوم أكثر من قبل قوى داخلية وخارجية على حساب آلام السوريين وأوجاعهم. 

 

شركاء في المصيبة... شركاء في الحل  

تقتضي مصلحة السوريين اليوم حواراً سياسياً وطنياً جامعاً لا يستثنى منه أحد، كما تقتضي مناقشة القضايا الوطنية والاقتصادية والاجتماعية العامة والمشتركة، وكما كان السوريون شركاء المصائب التي أنتجتها الأزمات المتلاحقة، فهم كذلك شركاء في وضع الحلول، في ضرورة البحث عن حلول واقعية وعقلانية ووطنية مفيدة وصادقة يتحملون من خلالها المسؤولية في تقرير مصيرهم اللاحق وتحديد موقعهم ومكانتهم التي يستحقونها في عالم يتغير.