نهر العاصي في حماة... الشريان يتحول إلى مستنقع مهدد للحياة

نهر العاصي في حماة... الشريان يتحول إلى مستنقع مهدد للحياة

لم يعد المشهد على ضفاف نهر العاصي في حماة يشبه ما اعتاده السكان عبر عقود طويلة. السرير الذي كان يحمل الماء والحياة بات في كثير من أجزائه مكشوفاً، تتخلله برك راكدة آسنة، تغطيها طبقات من الطحالب، وتطفو فوقها النفايات، بينما تنتشر روائح خانقة مع كل نسمة هواء. هذا التحول ليس مجرد تراجع في منسوب المياه، بل انهيار واضح في وظيفة النهر البيئية والصحية، وتحوله إلى مصدر خطر يومي على السكان.

في ظل غياب الجريان، تفقد المياه قدرتها على التجدد والتنقية الذاتية، فتتحول بسرعة إلى بيئة مثالية لنمو الطحالب والبكتيريا، ومع تحلل المواد العضوية في هذه البرك تنبعث غازات سامة ذات روائح نفاذة، لا تقتصر آثارها على الإزعاج، بل تمتد لتسبب تهيّج الجهاز التنفسي والصداع، خاصة لدى الأطفال وكبار السن. ومع ارتفاع درجات الحرارة، تصبح هذه البرك حواضن مثالية لتكاثر البعوض والحشرات، ما يفتح الباب أمام مخاطر صحية إضافية قد تتطور إلى انتشار أمراض مرتبطة بهذه البيئة الملوثة. هكذا، يتحول النهر من عنصر توازن بيئي إلى بؤرة تلوث مفتوحة، تتسلل آثارها إلى الهواء والتربة، وربما إلى المياه الجوفية.

ما يزيد من خطورة المشهد أن هذا الواقع يأتي رغم تحسن نسبي في الهطولات المطرية هذا العام، وهو ما يكشف أن المشكلة لم تعد مرتبطة بالمطر وحده، بل بطريقة إدارة الموارد المائية. فالمياه التي تُخزّن في سد الرستن تُوجه في المقام الأول لتأمين الري، وهو خيار مفهوم في ظل أهمية الزراعة والأمن الغذائي، لكنه يترك النهر داخل المدينة بلا حد أدنى من الجريان المستمر. وعندما تُطلق المياه، فإنها تأتي على شكل دفعات متقطعة، لا تلبث أن تختفي، لتعود البرك الراكدة إلى الظهور، ويستمر التدهور البيئي بوتيرة أسرع.

هذا التداخل بين الجفاف والتلوث وغياب الإدارة المتوازنة يجعل من الوضع الحالي مرحلة حرجة، خصوصاً مع اقتراب فصل الصيف. فمع ارتفاع الحرارة، سيتسارع التبخر، وستنكمش البرك أكثر، وتركيز الملوثات سيزداد، والروائح ستصبح أشد، والحشرات أكثر انتشاراً، وقد يتحول جزء كبير من مجرى النهر إلى مساحة مكشوفة تتراكم فيها النفايات، في مشهد لا يهدد البيئة فقط، بل ينعكس مباشرة على جودة حياة السكان وصحتهم.

إن خطورة ما يحدث لا تكمن في المشهد الحالي فحسب، بل في كونه مرشحاً للتحول إلى واقع دائم إذا لم يُعالج بسرعة. فالنهر الذي يفقد جريانه لفترات طويلة يفقد تدريجياً قدرته على التعافي، ويصبح استعادته أكثر صعوبة وكلفة. لذلك، لم يعد التعامل مع هذه الحالة ترفاً أو خياراً مؤجلاً، بل ضرورة عاجلة تتطلب إجراءات فورية، تبدأ بضمان حد أدنى من التدفق المستمر داخل المدينة، حتى لو كان محدوداً، لمنع تحول المياه إلى مستنقعات راكدة. كما أن تنظيف مجرى النهر من النفايات والرواسب لم يعد عملاً تجميلياً، بل خطوة أساسية لوقف مصادر التلوث المباشر، بالتوازي مع ضبط تصريف المياه الملوثة ومنع وصولها إلى النهر دون معالجة.

وفي الوقت نفسه، لا بد من إعادة التوازن بين متطلبات الزراعة والحاجة إلى الحفاظ على النهر كعنصر بيئي حي داخل المدينة، لأن استمرار استنزاف المياه دون مراعاة هذا التوازن سيؤدي في النهاية إلى خسارة الطرفين معاً. إن تخصيص تدفقات بيئية منتظمة من السد، ولو بكميات مدروسة، يمكن أن يشكل فرقاً حقيقياً في وقف التدهور، ويمنح النهر فرصة لاستعادة جزء من حيويته.

ما يجري اليوم في حماة هو إنذار مبكر، لكنه واضح وقاسٍ. فإما أن يُتخذ القرار السريع لمعالجة الأسباب قبل اشتداد حرارة الصيف، أو أن يتحول نهر العاصي إلى مجرى جاف ملوث بشكل شبه دائم، يحمل معه أعباء صحية وبيئية لن يكون من السهل احتواؤها لاحقاً.