حوارٌ بين الحضارات، إلى حين: النشرة الإخبارية السابعة عشرة (2026)
فيجاي برشاد فيجاي برشاد

حوارٌ بين الحضارات، إلى حين: النشرة الإخبارية السابعة عشرة (2026)

تاريخ النشر الأصلي: 23 أبريل/نيسان 2026

المصدر: القارات الثلاث: معهد البحوث الاجتماعية

[عبد الحميد بعلبكي، (لبنان)، الحرب، 1977]

أصدقائي الأعزاء، تحية من مكتب «القارات الثلاث: معهد البحوث الاجتماعية».

خلال بعض من أسوأ أيام الحرب الأمريكية-الإسرائيلية غير القانونية على إيران، كنتُ أتحدث مع أصدقاء كانوا في المناطق المدنية التي تتعرض للقصف. بعضهم باحثون، وآخرون شعراء وفنانون، والبعض يعمل في الحكومة، والبعض الآخر في مؤسسات مختلفة. وكلهم، بغض النظر عن آرائهم في الحكومة، وقفوا متحدين. لم يشعر شخص واحد بأن عالمه تحت التهديد. لقد ظلوا ثابتين، تنبع شجاعتهم من إيمان هائل بقدرة الحضارة الإيرانية على الصمود.

لقد كان للفكر الماركسي وفكر التحرر الوطني تاريخٌ معقدٌ جداً مع مفهوم «الحضارة». فقد رفضتها الماركسية الكلاسيكية، لأنها قد تُسطّح الانقسام الاجتماعي تحت غطاء من التجانس الثقافي، وبالتالي تنفي ضرورة النضال الطبقي. لكن مع تحول الماركسية إلى إطار حاسم في نضالات عظيمة للتحرر من الاستعمار في حقبة ما بعد الحرب العالمية المناهضة للفاشية، عادت فكرة الحضارة بمعنى مختلف. فأصبحت الحضارة تُفهم على أنها أرضية قيّمة في النضال الثقافي ضد الإمبريالية. ويمكن أن تصبح أداة للاستمرارية الوطنية والشرعية السياسية، بدلاً من أن تكون مجرد قناع أيديولوجي للهيمنة الطبقية. ومع ذلك، كان لا بد من استعادة مفهوم الحضارة هذه من منظور مشروع تحرري مستعد للقطع مع بعض الموروثات الرجعية داخل تلك الحضارة نفسها.

في حالة الصين، على سبيل المثال، أصرت الماركسية الصينية—التي بلورها ماو تسي تونغ على أفضل وجه—على القطع مع أسوأ موروثات الصين ما قبل الثورة، مثل التسلسل الهرمي الكونفوشيوسي والتمييز الجنسي، وفي الوقت نفسه تبنت، من خلال النضال الطبقي والتحول الأيديولوجي، فكرة «الحضارة الصينية» ذاتها كحصن ضد الإمبريالية ومن أجل تطوير الوطنية القومية. 

لقد صنعت الثورة الإيرانية (1978-1979) بواسطة مجموعة من القوى السياسية، بما في ذلك الماركسيون، الذين تعرض العديد منهم لاحقاً للاضطهاد والقتل على يد الجمهورية الإسلامية التي أُنشئت حديثاً. ورغم خضوعهم، دخلت العديد من الأفكار الماركسية في الإطار الأيديولوجي للجمهورية الإسلامية، سواء من خلال عمل مجموعة من المفكرين الذين كانت لهم تاريخهم الخاص مع الماركسية، مثل إحسان طبري (1917-1989)، وجلال آل أحمد (1923-1969)، وعلي شريعتي (1933-1977)، وبيجن جزني (1938-1975)، أو خسرو غلصروخي (1944-1974). أتمنى لو كان بإمكاني الكتابة أكثر عن هؤلاء المفكرين، لكن ذلك سيتطلب كتاباً كاملاً. كان غلصروخي هو الأكثر إلهاماً، وقد قُتل في ريعان شبابه. قال لقاضٍ مرتبك خلال محاكمته:

 «أبدأ كلماتي بقول لمولانا [الإمام] الحسين، الشهيد العظيم لشعوب الشرق الأوسط. أنا، - الماركسي-اللينيني-، بحثتُ أولاً عن العدالة الاجتماعية في مدرسة الإسلام، ومن هناك وصلتُ إلى الاشتراكية. لن أساوم على حياتي في هذه المحكمة، ولا حتى على مدة حياتي. أنا قطرة تافهة من نضالات وحرمانات الشعوب المناضلة في إيران... نعم، لن أساوم على حياتي، لأني ابن شعب مناضل وشجاع. بدأتُ كلماتي بالإسلام. إن الإسلام الحقيقي في إيران لطالما سدد دَينه لحركات التحرر الإيرانية. إن السيد عبد الله البهبهاني، والشيخ محمد الخياباني، هما تجسيد حقيقي لهذه الحركات. واليوم أيضاً، يسدد الإسلام الحقيقي دينه لحركات التحرر الوطني الإيرانية. عندما يقول ماركس: «في مجتمع طبقي، تتراكم الثروة في جانب واحد، والفقر والجوع والبؤس في الجانب الآخر، بينما يُحرم أولئك الذين ينتجون الثروة أنفسهم»، ويقول مولانا [الإمام] علي: «لا يُشيد قصر إلا ويُفقر آلاف»، هناك تشابه عميق. وهكذا، يمكن تسمية مولانا [الإمام] علي كأول اشتراكي في التاريخ، وكذلك سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري».

بحلول وقت الثورة، كان اليسار الإيراني—المنقسم بين مقاتلي الفدائيين والحزب الشيوعي توده، والمجاهدين الثوريين الإسلاميين—قد أدرك أنه لا يمكنه الإطاحة بالشاه دون القوى الدينية. لكنهم قللوا من شأن قوة رجال الدين على المجتمع الإيراني، بما في ذلك على الطبقة العاملة. وكان هذا الحساب الخاطئ هو ما حوّل الثورة الإيرانية إلى جمهورية إسلامية خلال عام واحد. ومع ذلك، بدلاً من تشكيل ثيوقراطية عادية، استندت إيران ما بعد الثورة إلى إرث حضاري أقدم بكثير، يعود إلى حكم قورش الكبير (559-530 ق.م) والإمبراطورية الأخمينية (نحو 550-330 ق.م)—أي قبل نحو ألفي عام من وصول التشيع كدين للدولة في إيران خلال الإمبراطورية الصفوية (1501-1736). وهذا الإرث الحضاري الأقدم هو الذي يلعب دوراً تأسيسياً في المجتمع الإيراني، مما يمكنه من استيعاب الاختلافات الداخلية واستدعاء شرعية تاريخية أعمق في أوقات الأزمات الرهيبة كأساس للدفاع عن السيادة. في عام 1971، أقام الشاه حدثاً ضخماً في برسيبوليس (برسيبوليس Persepolis  من اليونانية وتعني «مدينة الفرس» وتعرف اليوم باسم «تَخْتِ جَمْشيد») للاحتفال بـ 2500 عام من الحضارة المستمرة منذ قورش الكبير. لاحقاً، خلال حرب العراق العدوانية على إيران من 1980 إلى 1988، عندما حاول صدام حسين إظهار الصراع على أنه حرب عرب ضد فرس، رفضت الجمهورية الإسلامية ذلك الإطار وأصرت على أن هذا كان بالأحرى «دفاعاً عن الوطن» (دفاع از وطن)، مستندة إلى فكرة أرضٍ لم تُقهر ولم تُستعمر يجب أن يدافع عنها شعبها بأي ثمن. 

من الصعب على أولئك الذين لا يأتون من مجتمعات مُستعمَرة أن يفهموا قوة مثل هذه العبارات «كالدفاع عن الوطن» وفكرة الإرث الحضاري. فالضرر الذي لحق بالعديد من التشكيلات الاجتماعية بسبب الاستعمار هائل. فالاستعمار يسرق الثروة ويعيد استثمارها في أماكن أخرى من أجل تطور شعوب أخرى؛ وهو يُهين ثقافات الشعوب المُستعمَرة وغالباً ما ينكر عليها لغتها الخاصة وإحساسها الخاص برسالتها التاريخية. لهذا السبب يذهل الكثير من الناس في الجنوب العالمي من قدرة إيران على الوقوف في وجه الولايات المتحدة والفوز في الصراع الحالي من الناحية الاستراتيجية.

بالنسبة لأولئك الذين يشتركون في تاريخ الطمس هذا، فإن مشاهدة الكرامة التي تظهرها مجتمعات مثل الصين أو إيران، حيث تكون هناك حاجة أقل لصياغة الفخر الثقافي من الأوهام (من خلال إنشاء ماضٍ متخيل) أو من خلال تشويه الآخرين (سواء كانوا أقليات أو أجانب)، فهو أمر ملهم بلا شك. إن عدم التدمير الاستعماري الكامل للثقافة في مثل هذه الأماكن يسمح بإعادة بناء تاريخها الخاص وإعادة تشكيله دون أن تنخرط كلياً في انعكاسات زائفة للغرب (غالباً ما تكون مزيجاً متساوياً من الرفض والتقليد). إنه نوع من الثقة التي تواجه القوة المدمرة للولايات المتحدة بكرامة وتملك الشجاعة لإرسال «ميمز» الليغو لترامب ورفاقه التي لا تتعلق بالسخرية الفارغة بل بالازدراء الحقيقي. 

في ديسمبر 1997، أصدرت منظمة المؤتمر الإسلامي إعلان طهران، الذي قدم فكرة «حوار الحضارات». كان هذا رداً مباشراً على مقالة صامويل هنتنغتون لعام 1993 وكتابه لعام 1996 «صدام الحضارات وإعادة صنع النظام العالمي». في تلك المقالة الأولية، المنشورة في مجلة «فورين أفيرز»، تنبأ هنتنغتون بأن «الصراع بين الحضارات سيكون أحدث مرحلة في تطور الصراع في العالم الحديث». بالنسبة لهنتنغتون، انتقل التاريخ من صدام الأيديولوجيات (الشيوعية مقابل الرأسمالية) إلى صدام الحضارات (التي حددها بمصطلحات دينية-ثقافية على أنها «الحضارة الغربية، الكونفوشيوسية، اليابانية، الإسلامية، الهندوسية، السلافية-الأرثوذكسية، اللاتينية الأمريكية، وربما الإفريقية»). وحذر هنتنغتون من أن خطوط الصدع الجديدة ستكون على طول هذه المحاور. وحذرت منظمة المؤتمر الإسلامي من أن هذه الطريقة في رؤية العالم قد تنتج الصراع نفسه الذي تدعي وصفه بدلاً من منعه، وأنه سيكون من الأفضل عقد حوار بين الحضارات بدلاً من انتظار الصراع بينها.

لاقى إعلان طهران صدى داخل الأمم المتحدة لكن ليس في أروقة العواصم الغربية، حيث تصاعد خطاب «الحرب على الإرهاب» — الذي سبق عام 2001— وغدا خارج السيطرة. أصبح الخوف من الإسلام أمراً روتينياً، وسرعان ما ارتبط بالخوف من المهاجرين، وهو خوف مزدوج لا يزال يشل أوروبا والأمريكيتين. في عام 1998، أعلنت الأمم المتحدة عام 2001 عاماً للحوار بين الحضارات، وفي المؤتمر العام الحادي والثلاثين لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، الذي عُقد في باريس من 15 أكتوبر إلى 3 نوفمبر 2001، اختارت الفيلسوف والدبلوماسي الإيراني أحمد جلالي رئيساً له، ودعت الرئيس الإيراني، سيد محمد خاتمي، لإلقاء كلمة أمام الهيئة. عُقد المؤتمر بعد شهر واحد فقط من الهجمات على الولايات المتحدة في سبتمبر وأثناء الغزو الأمريكي لأفغانستان كجزء من «حربها العالمية على الإرهاب». لا يزال خطاب خاتمي قوياً، حيث طلب من العالم ألا يستسلم «للاستقطابات والانقسامات السياسية الزائفة». فالإرهاب «هو نتاج الاتحاد المشين بين التعصب الأعمى والقوة الغاشمة، بهدف خدمة وهم، رغم كل دعايته، ليس إلا إسقاطاً للمحتويات الضارة لفقدان الوعي». 

عندما يحدث هجوم إرهابي، قال خاتمي، فإن أسوأ شيء هو الرد بالانتقام. «الانتقام مثل الماء المالح الذي، رغم أنه يبدو كالماء، يزيد العطش بدلاً من إشباعه، وبالتالي يورط العالم في تفجيرات دائمة من العنف والكراهية والانتقام». بدلاً من الانتقام، أصر خاتمي على أن الحوار «هو الحاجة الرئيسية للمجتمع الدولي».

إن الدعوة إلى الحوار مهمة وضرورية لأن البديل يقودنا نحو الإبادة—سواء من خلال نظام الرأسمالية الذي يعمق عدم المساواة ويقود إلى تدمير الكوكب، أو من خلال نظام الإمبريالية الذي يلتهم المجتمعات بالحرب. لكن لا الحضارة ولا الحوار وحدهما سيقودان التاريخ نحو التحرر الإنساني. فلهذا، في الوقت المناسب، سيتعين على النضال الطبقي أن يشتد، وسيتعين على الاحتياجات الإنسانية أن تتغلب على أوجه عدم المساواة المادية وعلاقات القوة، وسيتعين تحويل النظام العالمي ليخدم مصائرنا المعقدة بدلاً من أن يحولنا ضد بعضنا البعض. 

طور كارلوس غوتيريز كروز (1897-1930) حسه الشعري وسط التيارات الأدبية في المكسيك ما بعد الثورة، بما في ذلك المجموعة الوطنية «كونتيمبورانيوس» (المعاصرون)، لكنه انفصل عنهم لاحقاً مع تزايد راديكاليته. في عام 1923، نشر «كيف يفكر العامة: كتيب للدعاية التحررية في الهايكاي»، الذي حول شكل الهايكاي المرتبط في المكسيك بخوسيه خوان تابلادا (1871-1945) إلى وسيلة للشعر الشيوعي. أدرك غوتيريز كروز أنه لا معنى للدفاع عن الأمة إذا لم تحصل جماهير العمال على شيء منها. والنقطة تستحق التكرار هنا: لا يمكن الدفاع عن الحضارة كمجردة. إذا كان لها أن تعني شيئاً، فيجب الدفاع عنها كسجل حي لأولئك الذين يصنعون التاريخ. كما عبر عن ذلك في أحد هايكايه:

 

 Labriego, la tierra da ciento por uno

 y tú ganas uno por ciento.

 أيها الفلاح، الأرض تعطي مئة مقابل واحد

 وأنت تكسب واحداً مقابل مئة.

بحرارة،

فيجاي

نبذة عن فيجاي برشاد: فيجاي برشاد مؤرخ ومحرر وصحفي هندي. هو زميل كتابة ومراسل رئيسي في «جلوبتروتر». وهو محرّر في «ليفت وورد بوكس» ومدير «القارات الثلاث: معهد البحوث الاجتماعية». وهو زميل أقدم غير مقيم في معهد تشونغ يانغ للدراسات المالية، جامعة رنمين في الصين. ألّف أكثر من 20 كتاباً، منها «الأمم الأكثر ظلمة» و«الأمم الأكثر فقراً». أحدث كتبه هي «النضال يجعلنا بشراً: التعلم من حركات الاشتراكية» و(بالاشتراك مع نعوم تشومسكي) «الانسحاب: العراق، ليبيا، أفغانستان، وهشاشة القوة الأمريكية».

المرجعية الكاملة: برشاد، فيجاي. «حوار بين الحضارات، إلى حين: النشرة الإخبارية السابعة عشرة (2026)». القارات الثلاث: معهد البحوث الاجتماعية، 23 أبريل 2026. أُعيد نشره في «إم آر أونلاين»، 24 أبريل 2026.