الهيليوم ومضيق هرمز
تركز معظم وسائل الإعلام، في إطار الحديث عن التداعيات الاقتصادية والسياسية للحرب على إيران، على مضيق هرمز، وتحديداً على ما يمر عبره من نفط وغاز طبيعي. وهو أمر مفهوم بطبيعة الحال، لأن النفط والغاز الطبيعي هما عصب أساسي في كل عمليات الإنتاج العالمي، وعبر مضيق هرمز، يمر 34% من تجارة النفط الخام البحرية العالمية، و20-25% من تجارة المشتقات النفطية، وبالنسبة للغاز، فحوالي 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال، تمر عبر هرمز.
ويمتلك النفط والغاز أهمية إضافية بالمعنى الاقتصادي والسياسي بارتباطهما بالبترودلار، أي بتسعير النفط بالدولار المفروض على المنطقة منذ السبعينيات، والذي تحول إلى أداة أساسية في الهيمنة الأمريكية، ما يجعل إغلاق مضيق هرمز أو التحكم به بالضد من الإرادة الأمريكية، تهديداً مباشراً للهيمنة الأمريكية، وللنظام المالي العالمي بأسره.
ماذا عن الهيليوم؟
ولأن النفط والغاز لهما أهمية كبرى كما هو معروف، فإن نقاشهما قد غطى إلى حد ما على نقاش مسألتين أخريين شديدتي الخطورة والأهمية أيضاً: (الهيليوم والأسمدة)... وهنا سنتحدث عن الهيليوم.
ما هو الهيليوم؟
الهيليوم هو أخف الغازات على الإطلاق بعد الهيدروجين، رمزه الكيميائي He وهو غاز خامل (أي مستقر: مشبع إلكترونياً)، وله خصائص فيزيائية وكيميائية فريدة، تجعل منه واحداً من أهم العناصر في عدد كبير من الصناعات، وبالتحديد اجتماع 3 خواص فيه: 1- خامل= مستقر، 2- خفيف، وضمناً حجمه الذري الصغير يسمح باستخدامه في الصناعات الأكثر دقة، 3- درجة غليان -268.9 أي أنه أبرد العناصر المعروفة على الإطلاق.
هذه الخصائص مجتمعة، إضافة إلى عدة خواص أخرى، تجعل الهيليوم عنصراً أساسياً في عدد كبير من الصناعات، بينها:
1- صناعة الفضاء: هو أساسي لدرجة أنه لا يمكن لصناعة الفضاء أن تتم دونه، ويستخدم لتنظيف خزاوات وقود الصواريخ قبل الإطلاق، ويستخدم أيضاً لضغط الوقود، ولضمان احتراق مستقر في الفضاء.
2- المدافع الكهرومغنطيسية وقاذفات الطائرات: تستخدم هذه المدافع مغانط فائقة التوصيل تحتاج بالضرورة إلى الهيليوم المسال لتبريدها.
3- أجهزة الاستشعار في الأقمار الصناعية.
4- كل صناعة أنصاف الناقل والرقائق الإلكترونية، لأن ارتفاع الحرارة هو العدو الأول لهذه الصناعة، وهو العدو الأول لإمكانيات تصغير حجم الرقائق، والهيليوم هو العلاج.
5- الأجهزة الطبية المتطورة، ضمناً الرنين المغنطيسي وغيرها...
يمكن للقارئ أن يستنتج من السابق أن المجالات التي يدخل فيها الهيليوم كعنصر أساسي لا بديل له، تكاد لا تحصر، ويمكن التعبير بشكل مكثف عن المسألة بالقول إن الهيليوم عنصر أساسي في كل الصناعات المتطورة، العسكرية والطبية والمدنية، إضافة إلى دوره المهم في البحث العلمي المتقدم.
أين يتم إنتاجه وما هو خط سيره؟
الهيليوم هو بالدرجة الأولى منتج ثانوي لعملية استخراج وإسالة الغاز الطبيعي، ولذا فإن أماكن إنتاجه هي نفسها أماكن إنتاج الغاز الطبيعي. والأماكن الأساسية في العالم التي يتم إنتاجه فيها هي قطر، الولايات المتحدة، روسيا، الجزائر، إضافة إلى دول الخليج العربي ودول أخرى، بنسب أقل بكثير من الدول الأربعة الأضخم إنتاجاً له.
ويتم استيراده من قبل كل الدول ذات التصنيع والإنتاجية العالية، وبشكل خاص الصين باعتبارها مصنع العالم.
عبر هرمز يمر ما يزيد عن 35% من المعروض العالمي للهيليوم.
النتيجة؟
إذا كان تأثير أسعار النفط والغاز محسوساً ومباشراً عبر ما تعرضه وسائل الإعلام، فإن تأثير الهيليوم محسوس بشكل أكبر في الصناعة والإنتاج وأسواق المال، وتأثيره لا يقل خطورة عن النفط، وربما يتجاوزه في بعض القطاعات