حين تُستثمر المدينة وتُهمّش الحياة
في مدينةٍ مثل دمشق، لا يمكن الفصل بسهولة بين المكان وسكانه. فالعلاقة بينهما ليست علاقة عابرة بين شارعٍ وعابر سبيل، بل علاقة طويلة تشكّلت عبر الزمن، وصارت جزءاً من الذاكرة اليومية والوجدان العام. فدمشق ليست مجرد عمران، بل طبقات من الحياة، تاريخ يسكن الحجر، وناس يسكنون التاريخ في الوقت نفسه. لذلك فإن أي تغيير في فضائها العام لا يبقى مجرد تعديل عمراني، بل يتحول سريعاً إلى مساس بطريقة العيش نفسها، وإلى سؤال مباشر عمن يملك المدينة، وكيف تُدار، ولمن تُصاغ ملامحها.
هذا الإحساس لا يخص فئة واحدة دون أخرى، فهو يمس أهل دمشق في أحيائها القديمة التي تحمل ثقل التاريخ وعمق الذاكرة، كما يمس أحياءها الطرفية ومناطقها الأكثر هشاشة واكتظاظاً، حيث تتداخل الحاجة اليومية مع ضيق المكان. وهو أيضاً لا يقتصر على السكان الدائمين، بل يشمل زوار المدينة من باقي المحافظات، والوافدين إليها للعمل أو الدراسة، وحتى السياح الذين يبحثون عن دمشق كما عرفوها في صورتها الثقافية والتاريخية. الجميع، بدرجات مختلفة، يعيشون هذا التوتر بين المدينة كما هي في الذاكرة، والمدينة كما يُعاد تشكيلها في الواقع.
في هذا السياق العام، تأتي المشاريع الحديثة التي تُطرح في الحدائق العامة والمتنفسات والمواقع الحيوية، وكذلك في قلب دمشق القديمة وأسواقها التاريخية، كجزء من تحول أوسع في طريقة النظر إلى المدينة. فهي لا تُقدّم كمشاريع تطوير فقط، بل كمساحات استثمارية يُعاد فيها تعريف العلاقة بين المكان والإنسان، وبين التراث ووظيفته، وبين الذاكرة وما يُراد لها أن تصبح عليه. ومع اتساع هذا المسار، تتبدل ملامح المدينة تدريجياً، ليس في شكلها فقط، بل في معناها الاجتماعي والثقافي، وفي الطريقة التي يُعاد بها توزيع الحق في الوصول إليها والانتفاع منها.
في هذا التحول، يصبح الإبهار البصري جزءاً أساسياً من اللغة المستخدمة في تقديم المشاريع، واجهات لامعة، صور بانورامية، تجارب «حديثة»، ومساحات مصممة لتبدو أقرب إلى المشهد منها إلى الحياة. لا يُراد للمدينة أن تُعاش فقط، بل أن تُعرض أيضاً. لكن هذا العرض يحمل في داخله مفارقة واضحة، فهو يرفع من قيمة الصورة على حساب التجربة اليومية، ويضع الجمال في مواجهة الحاجة، ويقدّم المدينة كواجهة قابلة للتسويق أكثر من كونها فضاءً اجتماعياً مشتركاً.
ومع توسع هذا المنطق، تبدأ الحدائق العامة وما تبقى من المتنفسات في المدينة بالدخول في دائرة إعادة التوظيف نفسها. أماكن كانت تُستخدم ببساطة ومن دون كلفة، تتحول تدريجياً إلى فضاءات تُدار بمنطق الخدمة المدفوعة أو التجربة المنظمة. قد لا يُمنع الناس من الدخول، لكن تفاصيل الاستخدام تصبح مرتبطة بالقدرة على الدفع، وكأن الحق في المكان يُجزأ إلى مستويات. وهنا يظهر شكل هادئ من الإقصاء، إقصاء لا يقوم على المنع المباشر، بل على إعادة تعريف شروط الحضور نفسه.
لكن هذا التحول لا يتوقف عند الحدائق أو المشاريع الحديثة، بل يمتد إلى قلب دمشق التاريخي، حيث تتخذ المسألة بعداً أعمق وأكثر حساسية. ففي المدينة القديمة، لا يتعلق الأمر بمكان عادي، بل بذاكرة مادية حية، تشكلت عبر قرون من التفاعل بين الناس ومحيطهم. الأزقة الضيقة، البيوت الداخلية، الأفنية، الأقواس، والأسواق ليست عناصر معمارية فقط، بل أنماط حياة كاملة. هنا، كل حجر مرتبط بعلاقة اجتماعية، وكل تفصيل معماري مرتبط بطريقة عيش.
غير أن ما يحدث تدريجياً هو دخول منطق استثماري إلى هذا النسيج الدقيق. المطاعم الحديثة، الفنادق الصغيرة، الحمامات المُعاد تأهيلها، والخانات التي تتحول إلى فضاءات تجارية أو سياحية، كلها تُغير وظيفة المكان دون أن تُغير شكله بالكامل. في الأسواق التاريخية مثل الحميدية والبزورية ومدحت باشا، وفي الأسواق الحرفية مثل المناخلية وسوق النحاسين، لا يختفي الحجر ولا الممر، لكن يتغير المعنى، من سوق حي يعتمد على الحرفة والعلاقة اليومية، إلى فضاء يُعاد تقديمه كمنتج تراثي مهيأ للاستهلاك.
هذا التبدل لا يحدث بصوت عالٍ، لكنه يترك أثره العميق. فالحرفة التي كانت جزءاً من اقتصاد اجتماعي محلي تتحول إلى «مشهد»، والحياة اليومية في السوق تصبح جزءاً من تجربة موجهة. ومع ارتفاع القيمة الاستثمارية للمكان، يبدأ نوع آخر من التغيير، إعادة توزيع غير متوازنة للثروة داخل نفس الفضاء، حيث يستفيد من يملك القدرة على الاستثمار، بينما يتراجع حضور من شكّلوا هذا المكان تاريخياً.
الأخطر من ذلك أن هذا المسار يعيد تشكيل العلاقة بين الناس ومدينتهم على مستوى أعمق. فدمشق التي كانت تُعاش كامتداد طبيعي لحياة الناس اليومية، تتحول تدريجياً إلى طبقات، طبقة مُلمّعة موجهة للسياحة والاستهلاك، وطبقة استثمارية مغلقة نسبياً، وطبقة شعبية تضيق أكثر فأكثر. هذا التقسيم لا يُعلن بشكل مباشر، لكنه يُمارس عبر الأسعار، وأنماط الاستخدام، وشكل الخدمات، وطبيعة الوصول إلى المكان.
في النهاية، ما يتكشف ليس مجرد سلسلة مشاريع «استثمارية» و«سياحية» و«تجميلية» متفرقة، بل إعادة صياغة تدريجية لفكرة المدينة نفسها. من فضاء مشترك يحمل ذاكرة الناس وتاريخهم، إلى مساحة تُدار بمنطق الفرصة والربح. وبين هاتين الرؤيتين، يتسع شعور عام بأن المدينة تُعاد كتابتها بطريقة لا تعكس من يعيشون فيها، ولا تحفظ علاقتهم العميقة بها، بل تدفعهم شيئاً فشيئاً إلى موقع المراقب لمدينة لم تعد تشبههم كما كانت.