تجدد التصريحات التصعيدية «الإسرائيلية» حول إيران

تجدد التصريحات التصعيدية «الإسرائيلية» حول إيران

عادت التصريحات «الإسرائيلية» التصعيدية مؤخراً تدق طبولها تجاه إمكانية شن ضربات عسكرية جديدة أو تصعيد أوسع في المنطقة ضدّ إيران. فيما يلي أبرز هذه التصريحات، مع محاولة لتفسيرها في ضوء إمكانية علاقتها بمستجدات ميزان القوى الدولي الذي يبدو أنه سيشهد انعطافة كبيرة مع اقتراب محتمل لتثمير وتثبيت النتائج السياسية والجيواستراتيجية العالمية لهزيمة الغرب الجماعي في الحرب بأوكرانيا.

بناءً على التطورات الأخيرة في شهر كانون الأول 2025، ركزت التصريحات «الإسرائيلية» على مخاوف من إعادة بناء البرنامج النووي الإيراني، مع دعوات صريحة لما يسمى «ضربات وقائية» أو حتى «تغيير النظام» في إيران.

في 21 كانون الأول 2025 قال دبلوماسي «إسرائيلي» سابق إنّ المسؤولين في الكيان يعدّون إحاطات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول خيارات عسكرية جديدة ضد إيران، بما في ذلك إمكانية «تغيير النظام» في طهران، مستشهدين بمخاوف من استعادة إيران لبرامجها النووية.

بعد ذلك بيومين أعربت مصادر «إسرائيلية» عن مخاوف من هجمات إيرانية محتملة، مشيرة إلى أن الرسائل الإيرانية تدل على قلق طهران من ضربات «إسرائيلية» قادمة. وظهرت سرديات داخل الكيان تقول إن هذا إشارة إلى جاهزية الكيان للتصعيد، مع التركيز على تعزيز الدفاعات الجوية استعداداً لجولة جديدة من الحرب.

وفي 26 كانون الأول الجاري، دفع رئيس الوزراء «الإسرائيلي» بنيامين نتنياهو لشن المزيد من الضربات على إيران، فيما يبدو تعارضاً مع أولويات ترامب المعلنة التي تركز على قضايا داخلية أمريكية.

ويوم الثلاثاء في 30 كانون الأول 2025 خلال لقاء مع ترامب، ألمح نتنياهو إلى أن إيران تعمل على استعادة برامجها التسليحية، مما دفع ترامب إلى الإشارة إلى إمكانية دعم أمريكي لضربة «إسرائيلية» جديدة. هذا التصريح أثار ردود فعل دولية، بما في ذلك دعوات روسيّة للتهدئة.

كما أكد ترامب في اليوم نفسه أن «إسرائيل» ملتزمة بخططها بنسبة 100%، مما يعزز الإيحاء بتصعيد عسكري محتمل.

وصف مراقبون هذا الدفع عبر التصريحات المتتالية بأنه محاولة دورية لإقناع واشنطن بضرورة التصعيد، مع اقتراح خطط لقصف إيران كل ستة أشهر إذا لزم الأمر. وهذه التصريحات تعكس نمطاً تصعيدياً متزايداً، مع التركيز على الجانب النووي الإيراني كذريعة. بالمقابل حذرت طهران من رد قاسٍ على أي عدوان.

ربط التصعيد «الإسرائيلي» بهزيمة الغرب في أوكرانيا

بما أنّ «إسرائيل»  معبّر أساسي عن الحركة الصهيونية العالمية التي هي جزء من المعسكر الفاشي الرأسمالي المتورط تقريباً في جميع الصراعات والحروب المشتعلة في العالم اليوم، يمكن قراءة «دق طبول الحرب» الصهيونية هذه، ليس بالضرورة كمقدمة مؤكدة لحرب جديدة، بل ربما كمحاكاة لحرب باتت حساباتها أعقد وأصعب للإقدام عليها، نظراً لنتائج الجولات السابقة، وبالتالي قد يكون التصعيد الإعلامي-السياسي هذا أشبه بمحاكاة حرب لصرف الانتباه عن الهزيمة الجماعية للغرب في الصراع الأوكراني، حيث يقترب الوضع العسكري من تثمير سياسي يميل لصالح روسيا ويضر بمصالح غربية وصهيونية، وخاصة إذا أضيف للهزائم السياسية التي تكبدها الكيان الصهيوني وداعموه وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية، في حرب غزة، بعد السابع من أكتوبر مروراً بكل ما حصل على جبهات الإسناد من اليمن إلى لبنان وخاصة جولات الصراع العسكري المباشر غير المسبوقة مع إيران والقصف والتدمير غير المسبوق الذي تعرضت له «إسرائيل» أيضاً،ـ حيث تعرّضت هيبة كل من الكيان الصهيوني والولايات المتحدة الأمريكية لهزة كبرى، وعواقب اقتصادية وجيوسياسية ما تزال تأثيراتها مستمرة حتى اليوم، ولم تترجم نتائجها الكاملة بعد.

وخاصة أن هذا يتزامن مع تطورات متدحرجة بسرعة في الوضع في أوكرانيا حيث شهدت مزيداً من التقدم الروسي عسكرياً، وسجلت القوات الروسية مكاسب على الأرض تصل إلى 176 كيلومتر مربع شهرياً في المتوسط خلال العام 2025 مما يجعل الاستيلاء الروسي الكامل على الأقاليم الأربعة المستهدفة أمراً واقعياً اليوم أكثر من أي وقت مضى.

هذا التقدم يعزز من موقف موسكو في المفاوضات، والضغط على ترامب لصياغة تسوية سلام فيها نصيب أكبر من المكاسب لروسيا. بالإضافة إلى ذلك، نقل روسيا لصواريخ نووية قادرة مثل «أوريشنيك» إلى بيلاروسيا يعزز من نفوذها الاستراتيجي، مما يعمق الشعور بالهزيمة الغربية.

في هذا السياق، يبدو التصعيد «الإسرائيلي» تجاه إيران – بدعم من معسكر داخل الولايات المتحدة له مصلحة في ذلك – كمحاولة لإعادة توجيه التركيز الدولي نحو الشرق الأوسط، حيث تتقاطع مصالح «إسرائيل» والولايات المتحدة في مواجهة مشاريع الاستقرار في المنطقة التي تعمل عليها القوى الواعية لخطر التقسيم والتفتيت والتفجير الصهيوني-الأمريكي من قزوين إلى المتوسط، بما في ذلك ضمن دول كبيرة كإيران وتركيا والسعودية ومصر، مستغلين هشاشة دول أخرى طحنتها الحروب بالوكالة، وتمثل خاصرات للدول المذكورة آنفاً، كسوريا ولبنان واليمن والسودان.

الانتصار الروسي في أوكرانيا إذا نجحت ترجمته إلى فاتورة دفع مستحقة للحسابات السياسية والدولية المتراكمة والمؤجّلة، فلا يمكن إلا أن تضعف المصالح الصهيونية والأمريكية والغربية. لذلك فإنّ محاولة نتنياهو للدفع إلى ضربات متكررة يمكن أن ترى كتكتيك لإثارة صراع جديد أو على الأقل «صراخ في مكبّر الصوت» في محاولة لاستباق أو تعويض نسبي عن التراجع المؤكّد.