واشنطن تخفض اللقاحات: صدمة للصحة العامة أم مراجعة ضرورية؟
في تطور صادم يثير القلق حول مستقبل الصحة العامة في الولايات المتحدة، أقدمت الإدارة الأمريكية في الخامس من كانون الثاني 2026 على خطوة غير مسبوقة بتقليص عدد اللقاحات الموصى بها لكل طفل، في تحول جذري يعيد تعريف علاقة الدولة بحماية أطفالها. هذه الخطوة، التي جاءت تنفيذاً لتوجيهات من البيت الأبيض، لا تمثل مجرد تعديل إداري، بل تشكل تحولاً أيديولوجياً عميقاً في نهج السياسات الصحية، حيث تختلط الاعتبارات الاقتصادية بالشكوك العلمية في مزيج قد ينذر بعواقب وخيمة.
التفاصيل الصادمة للقرارات الجديدة
التعديلات الأخيرة في جدول التطعيمات الاتحادي حملت عدة مفاجآت خطيرة. فبالإضافة إلى تقليص العدد الإجمالي للقاحات، ألغت اللجنة الاستشارية الفدرالية التابعة لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية، والمؤلفة بالكامل من أعضاء عينهم وزير الصحة روبرت كينيدي جونيور، التوصية التاريخية بلقاح التهاب الكبد الوبائي «ب» عند الولادة. هذه التوصية التي ظلت سارية لأكثر من ثلاثة عقود، ونجح من خلالها إنقاذ آلاف الأرواح ومنع انتشار الوباء، أصبحت الآن مقيدة فقط بحالات محددة: إما إذا كانت الأم مصابة بالمرض أو لم تُفحص، بينما يُترك القرار لباقي الحالات لتقدير الأهل والأطباء.
هذه الخطوة، التي لم تتم باستشارة اللجان الاستشارية العلمية المعتادة، أثارت سخطاً واسعاً في الأوساط الطبية. فكما يعلق الدكتور ويليام شافنر، خبير اللقاحات في جامعة فاندربيلت: «هذه مجموعة لا تتمكن من التصويب بدقة»، في إشارة إلى ضعف الكفاءة العلمية للجنة الحالية. الأدهى أن هذه التعديلات تأتي وسط غياب توجيهات واضحة للأسر فيما يتعلق بلقاحات أخرى أساسية مثل الإنفلونزا، مما يخلق حالة من الفوضى والارتباك في النظام الصحي.
الخلفية السياسية: كينيدي وحربه ضد اللقاحات
لفهم هذه التطورات، لا بد من العودة إلى روبرت كينيدي جونيور، وزير الصحة الحالي والمستثمر الوحيد لهذه السياسات. فقبل توليه المنصب، اشتهر كينيدي بمواقفه المعادية للتطعيمات، حيث عمل محامياً في قضايا ترفعها عائلات تدعي أن اللقاحات تسبب التوحد. وفي حزيران 2025، قام كينيدي بخطوة استثنائية حين أقال جميع أعضاء اللجنة الاستشارية لممارسات التحصين (17 عضواً) واستبدلهم بسبعة أعضاء من المشككين في اللقاحات، في عملية تسييس واضحة للعلم.
التطورات لم تتوقف عند هذا الحد، ففي آب 2025، أعلن كينيدي عن قرار مثير للجدل بإلغاء 22 عقداً بقيمة 500 مليون دولار لتطوير لقاحات الحمض النووي الريبي المرسال (mRNA)، زاعماً أن هذه التقنية «تشكل مخاطر أكثر من الفوائد». هذا القرار، الذي أتى رغم نجاح هذه اللقاحات في إنقاذ الملايين خلال جائحة كورونا، كشف عن أجندة أيديولوجية تعلو على الأولويات العلمية والصحية.
ردود الفعل: صراع العلم والسياسة
المجتمع العلمي لم يبقَ صامتاً أمام هذه الهجمة على اللقاحات. فالعديد من خبراء الصحة العامة حذروا من أن هذه السياسات ستعيد الولايات المتحدة عقوداً إلى الوراء في مكافحة الأمراض المعدية. الأطباء يشيرون إلى أن تقليص التطعيمات سيؤدي حتماً إلى ارتفاع معدلات الأمراض التي كانت على حافة الانقراض، مثل الحصبة والنكاف والتهاب الكبد الوبائي.
على الصعيد السياسي، تصاعدت الانتقادات حتى داخل الكونغس. ففي كانون الأول 2025، قدمت النائبة الديمقراطية هايلي ستيفنز مشروع قرار لعزل كينيدي بتهمة «إساءة استخدام السلطة وتقويض الصحة العامة»، متهمة إياه بنشر «نظريات المؤامرة والأكاذيب» وتعريض الأرواح للخطر. رغم أن فرص نجاح هذا المشروع ضئيلة بسبب هيمنة الجمهوريين على الكونغرس، إلا أنه يعكس الغضب الشعبي المتزايد تجاه هذه السياسات.
التداعيات المستقبلية: كارثة صحية قادمة؟
التساؤل الأهم الذي يطرح نفسه: ما هي العواقب طويلة المدى لهذه السياسات؟ التاريخ يحذرنا من مغبة التراجع عن برامج التطعيم. في العشرينيات من القرن الماضي، أدت الحركة المناهضة للقاحات في الولايات المتحدة إلى تفشي الحصبة بشكل وبائي، مما أسفر عن وفاة آلاف الأطفال. اليوم، مع وجود حركة منظمة ضد اللقاحات مدعومة من أعلى المستويات الحكومية، نشهد بداية مرحلة قد تكون أكثر خطورة.
الاقتصاديون يشيرون إلى أن تكلفة علاج الأمراض التي يمكن الوقاية منها باللقاحات قد تفوق بكثير التوفير في ميزانية اللقاحات. فوفقاً لدراسات سابقة، كل دولار يُستثمر في برامج التطعيم يوفر حتى 44 دولاراً في تكاليف الرعاية الصحية المستقبلية. بالتالي، فإن «الحلول الاقتصادية» التي تتبناها الإدارة الحالية قد تتحول إلى كابوس مالي وصحي في السنوات القادمة.
الخلاصة: بين الواقعية والانزلاق
هذه التطورات لا تمثل مجرد خلاف علمي حول فوائد اللقاحات، بل تعكس تحولاً خطيراً في العلاقة بين الدولة والمواطن، حيث تُقدم الاعتبارات السياسية وعلى حماية الحياة. صحيح أن أي نظام صحي يحتاج إلى مراجعة دورية وتقييم للتكاليف والفوائد، لكن هذه المراجعة يجب أن تكون قائمة على الأدلة العلمية الموضوعية، وليس على اعتقادات فردية.
الولايات المتحدة، التي كانت رائدة في تطوير ونشر اللقاحات، تجد نفسها اليوم في مفترق طرق خطير. التراجع عن اللقاحات ليس مجرد خطوة صحية، بل هو رسالة مقلقة حول أولويات الدولة وأخلاقياتها في حماية أضعف فئاتها: الأطفال. إذا لم يتم تصحيح هذا المسار سريعاً، فقد نشهد في السنوات القادمة تراجعاً حضارياً في الصحة العامة، حيث يدفع الأطفال ثمن الحسابات السياسية والاقتصادية القصيرة النظر. الكارثة ليست مؤكدة بعد، لكن المؤشرات الحالية تنذر بعواقب قد تكون أسوأ بكثير من التكلفة المالية التي تحاول الإدارة التهرب منها.