د.أسامة دليقان
email عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
صدرت في الأيام القليلة الماضية مقالات وتصريحات تحمل رسائل طائفية ولاوطنية عن بعض المنابر والشخصيات العَلمانية السورية تتناول الأشقاء من أبناء الشعب الفلسطيني بأوصاف ونعوت لو قرأناها قبل معرفة اسم الكاتب لقلنا بأنها صادرة عن أحد جنرالات الحرب الصهاينة. وربما لا تستحق تلك المواد تعليقاً أو الإضاءة عليها بالنقد لولا الظرف والتوقيت والسياق والجهة التي صدرت منها. إذ تأتي تزامناً مع بدء تغييرات سياسية وميدانية في الأزمة السورية تتجه نحو حلّ سياسي سلمي مع تمهيد وتحضير لطرف هام في الحوار الوطني الشامل, طرف المعارضة الوطنية السياسية, ومؤتمرها المرتقب على أرض الوطن السوري..
أفرز غياب جهاز الدولة السورية كوظيفة وحتى كتواجد مادي على الأرض في كثير من المناطق والأحياء عدداً من الظواهر السلبية، من بينها ظاهرة ما يسمى «اللجان الشعبية» بوصفها مجموعات مسلحة غالباً، جُنّدَت أو تطوّعت كرديف أو بديل عن الأجهزة الأمنية الرسمية في مهامها ودورها، وبالتالي فإنّ وظيفتها هذه جعلت تركيبتها تتألف من عناصر مشابهة من ناحية الوضع الاجتماعي-الطبقي لتركيبة أجهزة الأمن، أي من فئات المهمشين اقتصادياً واجتماعياً مما يضعها في أزمة بنيوية ووظيفية تنفي عنها صفة «الشعبية».
إنّ الحرص على الحراك الشعبي يتطلب بالضرورة نقده, والإضاءة على أخطائه التي هي أمر طبيعي موضوعياً لأنّه كتعبير عن المجتمع يحمل كلّ ما في هذا المجتمع من خصائص تاريخية موروثة بحسناتها وسيئاتها, ويختلط كثيراً ما هو تقدمي مع ما هو رجعي. وبالتالي لا بدّ من أي ناقد تقدمي أن يواجه أبناء الحركة الشعبية ويناقشهم بصراحة وشجاعة من باب الحس العالي بالمسؤولية, الأمر الذي يصبّ في خدمة الحراك. وما النتائج الضارة على الحراك السلمي وعلى أهدافه المشروعة والتي ظهرت بسبب توريطه بالتطرف والتسلح.. إلا دليل على صحة هذا الموقف, وعلى خطورة «الإرهاب الإعلامي» والتخوين والإقصاء الذي مارسه المتشددون ضدّ كلّ نقد بنّاء لأخطاء الحراك واعتباره اصطفافاً مع النظام.
نشأ جهاز الدولة تاريخياً كأداة ملازمة للمجتمع الطبقي، فرضتها ضرورة إدارة مصالح الطبقات الاجتماعية المختلفة بطريقة تتناسب مع قواها النسبية في المجتمع، ولمّا كانت طبقة واحدة هي الأقوى عادةً بحكم امتلاكها لوسائل الإنتاج الاقتصادي، سواءً كانت هذه الطبقة أقلية عددية مستغلّة، كما في جميع التشكيلات الطبقية غير الاشتراكية، أو تمثل أكثرية المجتمع، في التشكيلة الطبقية الاشتراكية، فإنّها لن تستطيع الاستمرار في السيطرة الاقتصادية دون امتلاك زمام السيطرة السياسية عبر استخدام جملة أدوات تلجم بوساطتها بشكل مستمر مقاومة الطبقات الأخرى، أو تحصر قواها بمسارات واتجاهات تجعلها على الأقل حياديّة، إذا لم تستطع تسخيرها لخدمتها. سنحاول في هذه المادة البحث في المستجدات على جهاز الدولة في سورية، وما هي مصائره؟
إنّ الفهم الدقيق لتفريق ماركس بين الاغتراب (كتموضع مستَلَب) والتموضع الإنساني، يمكّننا من توجيه نقد علمي للأخطاء النظرية والعملية في هذا المجال، والتي وجدت في تاريخ الحركات الثورية والشيوعية، وازدادت وتعمّقت مع بدء تراجعها منذ ستينيات القرن العشرين.
أمام موجة العنف الأخيرة التي تعصف بالبلاد بشكل متصاعد منذ أسبوعين، لعلّ الأهم من التوقف عند التفاصيل الميدانية، وخاصة في المدن الرئيسية والعاصمة
أمام موجة العنف الأخيرة التي تعصف بالبلاد بشكل متصاعد منذ أسبوعين، لعلّ الأهم من التوقف عند التفاصيل الميدانية، وخاصة في المدن الرئيسية والعاصمة
تشكّل المقولات العامة والمعوّمة حول «الديمقراطية»، و«حقوق الإنسان»، أحد العناصر الرئيسية الواسمة لهويّة الخطاب التقليدي لبعض المعارضة من الفضاء السياسي السوري القديم، كنقيض للقمع والاستبداد، والذي يقصد به غالباً الشكل الظاهر للقمع الأمني فقط، فيصبح تغيير هذا الشكل هو الهدف السياسي المعلن والوحيد لتلك القوى، والتي تركّز بذلك على النتائج، والأدوات والأذرع بدلاً من السبب الأصلي، الذي دون استهدافه سياسياً لا يمكن تحقيق أي تغيير جذري حقيقي
إنّ جزءاً هاماً من أسباب الهجوم على سياسة حزب الإرادة الشعبية ووضعه في مرمى تقاطع النيران من القوى اللاوطنية، يعود إلى كون مشروعه الوطني الواضح المعالم للحل السياسي الشامل للأزمة على المدى القريب وتصوره لسورية المستقبل على المدى البعيد.
كشفت الأحداث الدراماتيكية خلال الأسبوع الماضي، من اغتيال القيادات في العاصمة دمشق، وتصعيد عسكري لميليشيات «الجيش الحر»، عن وصول الأزمة السورية إلى مرحلة مفصلية حساسة، تعبّر عملياً عن وصول أزمة القوى الإمبريالية-الصهيونية ورأس حربتها الأمريكية وكلّ المرتبطين بها إلى الذروة التي اضطرتهم في نهاية المطاف إلى اللجوء إلى لعب ورقتهم، الأخيرة ربما، أي الشروع بتطبيق «الخطة ب»، بما تنطوي عليه من تفجير الألغام داخل النظام والمجتمع، والتي كانت «مندسّة» بأمان وهدوء داخل أجهزة الدولة منذ سنوات طويلة على ما يبدو.