ثقافة «الفوضى»
على خريطة الفوضى، حيث فوضى المواقف، وفوضى السلاح، وفوضى الانتماءات، وحيث الحالة المأزقية، تصبح البيئة مناسبة لتسويق أي موقف، وتمرير أي رأي، وقول الشيء ونقيضه في الوقت ذاته، وارتكاب أي اثم، دون أن يُسمع صوت من يقول لا، ولماذا، وكيف؟
على خريطة الفوضى، حيث فوضى المواقف، وفوضى السلاح، وفوضى الانتماءات، وحيث الحالة المأزقية، تصبح البيئة مناسبة لتسويق أي موقف، وتمرير أي رأي، وقول الشيء ونقيضه في الوقت ذاته، وارتكاب أي اثم، دون أن يُسمع صوت من يقول لا، ولماذا، وكيف؟
ليس على الشاشة سوى صور الدم، وأخبار الحروب.. مجزرة ... قصف... تدمير..نزوح.. يستعرض شريط الذاكرة المتعبة يستحضر أسماء أصدقاء وأتراب، وإذا بهذا تائهاً في عواصم اللجوء، وذاك استشهد، وآخر معتقل. يحاول الاتصال مع قريب أو صديق لعله يستحضر شيئاً آخر غير الأخبار السوداء، لكن الشبكة اللعينة هي الأخرى باتت خرساء في الحرب، يمضي إلى عمله صباحاً يستعرض الوجوه و على كل وجه حكاية عن مخطوف أو شهيد أو مهاجرأو... الخيارات تبدو ضيقة، كل الأبواب تبدو مغلقة...؟!!
الخبر الأول في نشرة الأنباء عن الحرب، صورة الغلاف التي تتصدر أية صحيفة عن الحرب، وعنها تكون الكلمة الأولى التي ينطق بها الساسة، وهي البند الأول على جدول أعمال المؤتمرات، الأساطيل تعبر من بحر إلى بحر، أنواع جديدة من الأسلحة تدخل حلبة الجنون، صواريخ تلوث زرقة السماء، موجات نزوح وهجرات جماعية، طوائف قوميات مذاهب أديان، دول تنهار.. مؤتمرات، اجتماعات، تكتلات جديدة، الاسعار ترتفع، ينخفض مستوى النمو، يفلس من يفلس، ويغتني من يغتني.. ما الذي يحدث؟ وأي حصان شموس هذا الذي يقود العربة؟
يعتبر أي مصطلح تكثيفاً لرؤية معينة حول هذه الظاهرة أو تلك في سياق تطور الفكر الإنساني. وفي فترة الأزمات والصراعات تصبح المصطلحات إحدى أدوات الحرب، لما تكثفه من رؤى ومواقف تجاه هذه القضية أو تلك، ولما لها من تأثير في الوعي الاجتماعي.
تعج وسائل الإعلام المختلفة المرئية والمقرؤة والمسموعة، بتحليلات ومواقف شتى عن كل ظاهرة جديدة تفرض نفسها على جدول الأعمال. وأمام التبعية العمياء لكل الوسائل الإعلامية لهذه الجهة أو تلك من جهات الصراع الدائرة في عالم اليوم، والصدام الإعلامي الذي يرافق الصدامين العسكري والسياسي الحادين
على خلفية سلوك «الأصوليات الدينية» انبرت بعض الأوساط «العلمانية» المشوّهة إلى تحميل الدين وزر ما تقوم به بعض الجماعات المسلحة، وعليه فإن كل المأزق التاريخي الذي نمر به ما كان ليكون، لولا الدين؟!، ويذهب بعض «وعاظ» هذه العلمانية في بلدان الشرق إلى حد اعتبار أن ما نشهده من تخلف اقتصادي اجتماعي وسياسي هو بسبب دورالعامل الديني ليس إلا؟!!
بعيداً عن القبول بالتسميات الموظفة سياسياً وإعلامياً على حلبة الصراع الدائرة في شرق المتوسط، وتوظيفها لخدمة مشاريع التفتيت بات واضحاً بإن محاولات حثيثة تهدد لونين من الطيف المشرقي.
بعيداً عن التفاؤل الكاذب وبيع الأوهام لأحد، يمكن لمن يتابع المشهد ويعرف قراءة الخريطة أن يرى ضوءاً في آخر النفق المعتم، رغم ما نشهده من حروب وويلات في هذا الجحيم الأرضي.
تعرض شاشات التلفزة بشكل يومي مشاهد القتل والذبح والعنف عن الأزمات الداخلية في بلدان المنطقة، باستخدام مؤثرات سمعية بصرية متكاملة (صورة– موسيقا– فصاحة لافته أثناء التعليق على الخبر) بحيث تستنفر كل حواس المتلقي حتى يبدو المشهد وكأننا أمام فلم رعب
حضور عابر لكل الحدود، يحلق فوق الجغرافيا، حضور يطغى على كل انتماء آخر غير الانتماء للذات الإنسانية المقهورة، هنا لامجال للحديث عن انتماءات ما قبل الدولة إلا كونها أمواجاً في بحر واحد، الصاروخ الفلسطيني، ينسينا ولو لحين ما تفرضه علينا «الملتيميديا» من مفاهيم ومقولات: (طائفية وعرقية وأثنية ..)