افتتاحية قاسيون ١٢٨٦: ماذا بعد التفجيرات وأزمة البنزين؟
يحاول البعض التقليل من شأن ما جرى خلال الأسبوعين الماضيين، سواء لناحية التفجيرات التي جرت، أو لناحية أزمة البنزين، أو غيرهما من الحوادث العديدة المتفرقة اقتصادياً وأمنياً وسياسياً.
إن قراءة هذه الأزمات في سياقها الصحيح، الأوسع، والتعامل معها بأعلى درجات الجدية، وبوصفها مؤشرات على ما يمكن أن يأتي في قادم الأيام، هي ضرورة وطنية من الطراز الأول؛ لأن السياسة قبل كل شيء، هي علم التنبؤ، وفي ظل ما تعيشه البلاد، فإننا بحاجة إلى الكثير من السياسة بوصفها علماً، وإلى مستويات معرفية تستطيع الارتقاء إلى خطورة اللحظة، بإجراءات وسياسات مناسبة، وبالسرعة المناسبة.
بين أهم إحداثيات السياق الأوسع للتفجيرات وأزمة البنزين، ما يلي:
أولاً: تصريحات ترامب قبل أيام، التي أعاد فيها أقواله المخالفة لكل القوانين الدولية، والمعادية للسيادة السورية، حول الجولان السوري المحتل، هي جزء من عمليات ضغط متواتر على سورية والمجتمع السوري، وهي عمليات مرشحة للتصاعد، لأن التنازل المطلوب هو أن نتجه نحو الانتحار السياسي، عن طريق لبنان أو عن أي طريق آخر... ما يعيد التأكيد على أن «إغضاب الاستعمار دائماً أقل كلفة من إرضائه».
ثانياً: تواصل «إسرائيل» اعتداءاتها المباشرة، وترفع درجتها شيئاً فشيئاً، وكذا الأمر مع الاعتداءات غير المباشرة، وعبر أساليب مختلفة، لا يمكن استبعاد «داعش» منها.
ثالثاً: بات من المعروف أن الحروب الهجينة المعاصرة، وإلى جانب اشتغالها على الفوالق الطائفية والقومية، فإنها تستهدف أول ما تستهدف، الطاقة وسعر صرف العملة. في هذا السياق الواسع تنبغي قراءة أزمة البنزين الأخيرة، وكذا التفجيرات، حتى لو كانت الصلة المباشرة غير واضحة بعد.
رابعاً: السياسات الداخلية المتبعة، تلعب دوراً أساسياً في تعظيم الأزمات أو في تخفيفها ومنعها من التحول إلى انفجارات كبرى. وفي الحالة السورية الملموسة، فإن السياسات المتبعة حتى الآن، تساهم بشكل نشط في تعظيم المشكلة، خاصة في الجانب الاقتصادي، عبر السير وراء توصيات صندوق النقد والبنك الدوليين في تدمير ما تبقى من دور اجتماعي لجهاز الدولة، وضمناً عمليات رفع الدعم، ناهيك عن السعي وراء استثمارات أجنبية لن تأتي، ووراء نموذج اقتصادي سياحي يضع الصناعة والزراعة ودعمهما في آخر أولوياته.
ضمن هذه الإحداثيات، مضافاً إليها الوضع الإقليمي شديد التوتر والخطورة، فإنه ليس من الصعب التنبؤ بأن الأمور ستسير نحو الأسوأ، وبسرعة كبيرة، في حال لم تتخذ إجراءات جدية، إنقاذية، وبشكل سريع، وعلى رأسها:
أولاً: إغلاق الثغرات الداخلية عبر توحيد الشعب السوري حقاً وفعلاً، عبر تمكينه بشكل حقيقي من صنع قراره ومستقبله بنفسه، ابتداءً بحكومة وحدة وطنية كاملة الصلاحيات، ومروراً بمؤتمر وطني عام شامل لكل التيارات السياسية والاجتماعية في البلاد، توضع على طاولته كل المشكلات العالقة ويجري التوافق على طرق حلها.
ثانياً: إغلاق الثغرات الداخلية في المجال الاقتصادي-الاجتماعي، عبر تحويل جذري في السياسات الاقتصادية نحو نموذج اقتصادي جديد، تكون الزراعة والصناعة والاعتماد على الموارد الداخلية بوصلته الأساسية، ويشتغل على إعادة توزيع الثروة لمصلحة منتجيها
ثالثاً: البحث بشكل نشط عن نقطة التوازن المناسبة في العلاقات الخارجية، على ضوء موازين القوى الدولية والإقليمية الجديدة، وبما يؤمن لسورية أعلى درجة ممكنة من الاستقلال عن الخارج وإرادته، وبما يؤمن لها السير في ركب التاريخ وقواه الصاعدة.
ما تزال أمامنا نافذة زمنية لتجنب الانزلاق نحو انفجارات كبرى، ولكن هذه النافذة تضيق يوماً وراء الآخر، وعلينا، كسوريين، بمختلف مواقعنا، أن نمتلك الجرأة الوطنية والسياسية الكافية لاستغلال هذه النافذة للعبور بالبلاد إلى بر الأمان.
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1286