دليقان: يخيروننا بين موت مؤكد وموت محتمل... فموتٌ محتمل، ونقاوم عبر توحيد السوريين!
استضاف برنامج «وسط البلد» على قناة سوريا، والذي يقدمه د. زيدون الزعبي، يوم الأربعاء الماضي، 1 تموز 2026، مهند دليقان، عضو رئاسة حزب الإرادة الشعبية، لنقاش الحديث عن دعوات ترامب لدخول عسكري سوري في لبنان، وعن الاتفاق الإطاري مع لبنان.
فيما يلي، نص المداخلات التي قدمها دليقان خلال الحلقة:
«لا مقر ولا ممر»
دراسة تجربة التدخل الماضية هي نقطة جيدة كي نقيّم الوضع اليوم. صاحب طبخة
التدخل السوري بلبنان، كما بات معروفاً لاحقاً، هو كيسنجر. قبل ذلك كانت القوى الوطنية بلبنان وسورية ترفع شعاراً هو «لبنان لا مقر ولا ممر»، والمقصود هو ألا يكون لبنان مقراً للقواعد الأجنبية ولا ممراً لاعتداءات أجنبية على دول عربية. وقد نجح هذا الشعار بشكل كبير، ابتداءً من منع محاولة جر لبنان إلى حلف بغداد أيام كميل شمعون ولغاية سنة 1976. في 1976، قام حافظ الأسد بما يقوم به دائماً، ونحن نسميه أنه «يغمّز للشمال ويمشي لليمين»؛ أي أن سياساته المعلنة هي الاشتراكية، والتقدمية، والتحالف مع الاتحاد السوفييتي وإلخ، في حين أن الحقيقة هي أن سياساته يمينية وأنه اتفق مع الأمريكان على التدخل في لبنان.
وفي تلك المرحلة حصلت مشكلة معروفة بينه وبين خالد بكداش، الذي رفض التدخل وقال له إن الدخول إلى لبنان سيكون مفسدة للجيش السوري ولسورية، وهو ما جرى فعلياً؛ فحين نحاول التأريخ لما جرى منذ 2011 وما بعد، يمكن أن نقول إن واحدة من النقاط العلام التي أسست لـ2011، هي 1976، لأن ما شهدناه في سورية بعد 2011 من حواجز وتعفيش وإلخ، البروفة الأولى له كانت في لبنان منذ 1976.
50 سنة والخطة نفسها
بعد 50 سنة على «طبخة كيسنجر»، واليوم مع ترامب، ما تزال الخطة هي نفسها بالجوهر؛ لم يكن ممكناً لـ«إسرائيل» وأمريكا منع تطبيق شعار «لا مقر ولا ممر»، ولذا تم اللجوء إلى سورية لكي تطبقه بنفسها، واليوم أيضاً مطلوب منا أن ننفذ بأيدينا وضد مصالحنا ما يريده الأمريكي و«الإسرائيلي»، لإدخال المنطقة بأكملها في تفجير متسلسل... يكفي أن نفكر بم الذي يمكن أن يترتب على دخول سوري عسكري إلى لبنان، وحينها يصبح من السهل التوقع أن جبهة أخرى سيتم فتحها مع العراق، وستشتعل المنطقة بأسرها داخلياً، خاصة أننا في وضع أكثر هشاشة وضعفاً، كمجتمع وكدولة، مما كنا عليه في 1976، ليس نحن فقط، بل كامل المنطقة.
تباين بين ترامب ونتنياهو؟
«من حيث المبدأ، الجهتان تتمنيان أن يتم الدخول العسكري السوري، وهما على نفس الموجة في هذه المسألة. الفرق هو أنه في حال لم يتم الدخول العسكري، يمكن لترامب أن يحصل بعض الفوائد الثانوية، وهي بشكل خاص، أن يستخدم كلاً من الكلام عن دخول عسكري سوري، بالإضافة إلى الاتفاق الإطاري مع لبنان، كأداة في تقييد «إسرائيل» لمنعها من تخريب الاتفاق مع طهران».
نحتاج موقفاً واضحاً
«أنا متفق مع الضيف في المبدأ العام القائل بحجم التداخل والتأثير المتبادل بيننا وبين لبنان، وليس لبنان فقط، ولكن تركيا والعراق والأردن أيضاً. ومن الممكن أن للتداخل مع لبنان خصوصية أعلى، ولكن ما يقلقني هو ألا يكون هناك موقف واضح وصريح في مسألة دخول عسكري سوري في لبنان؛ التدخل العسكري السوري بلبنان، من وجهة نظري، هو فخ ومصيدة وكارثة على السوريين.
لسنا مستعدين لهكذا دخول بأي شكل من الأشكال، ولا مصلحة لنا فيه أساساً. فلننظر إلى بعض التفاصيل. آخر اقتحام «إسرائيلي» للبنان كان في مطلع أكتوبر السنة الماضية، قبل تسعة شهور. «الإسرائيليون»، بكل ما لديهم من قوة عسكرية وعديد وعتاد وتطور تكنولوجي، لم يستطيعوا خلال 9 أشهر التقدم أكثر من 5 إلى 10 كم، مع خسائر كبرى واستنزاف مستمر... ما يعني أننا لو فكرنا نحن في التدخل العسكري، فإن ذلك سيعني استنزافاً مرعباً بالحد الأدنى.
من جهة ثانية، فإن أكثر الدول استقراراً وأقواها اقتصاداً، تفكر ألف مرة قبل أن تقدم على حرب، لأن الحرب هي مطحنة للموارد والخبرات، وسبب في ارتفاعات أسعار هائلة... وفي حالتنا الملموسة علينا أن نفكر مليون مرة قبل أن نقدم ليس على حرب بل حتى على معركة صغيرة.
وربما أهم من النقطتين السابقتين، الناحية الاجتماعية والسياسية؛ لا يمكننا أن ننكر أنه إذا جرى دخول الجيش السوري إلى لبنان اليوم، فإن هذا الدخول سيحمل حكماً أبعاداً طائفية، ويعيد تفعيل الفالق السني الشيعي وسيرتد هذا علينا في الداخل السوري، ويمتد لإشعال المنطقة بأسرها مجدداً وبالضد من مصالح شعوبها.
«هل نستطيع قول لا لقوة عظمى»؟
أود أن أبدأ بمقولة شهيرة: «إغضاب الاستعمار دائماً أقل تكلفة من استرضائه». هل لدينا خيارات؟ أود أن أشير إلى الاستبيان الخاص بالحلقة لأقول إن هناك خياراً رابعاً بشأن كيفية مقاومة هذه الضغوط المختلفة. أعتقد أن هذا الخيار الرابع هو الأهم. النقطة الأساسية التي يجب أن نبدأ بها اليوم في سوريا هي توحيد الشعب السوري. لا ينبغي لنا أن نعيش في وهم أن الشعب السوري موحد وبخير. هذا غير صحيح. لا يزال الشعب السوري بحاجة إلى التوحيد. في نهاية المطاف، سلاح الدمار الشامل الذي يستخدمه الإسرائيليون ضدنا - هو الطائفية. ويستغلون العداء القومي، ويزرعون الفتنة بين العرب والكرد.
هل نستطيع أن نقول لا لقوة عظمى؟ نعم نستطيع، لأنهم يضعوننا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن ننتحر عبر الدخول العسكري للبنان، ونصل إلى موت مؤكد، أو أنهم يرفعون العصا فوق رؤوسنا ويهددونا بأن يضربونا، فليضربونا! يمكن في حينه أن ننجو إن قاومنا عبر توحيد الشعب السوري. يخيروننا بين موت مؤكد وموت محتمل، ولذا فليكن، موت محتمل، ونقاوم!
ما ينبغي الانتباه له هو أن عملاً عسكرياً «إسرائيلياً» مباشراً على الأراضي السورية هو احتمال وارد دائماً، لكنه مع ذلك أقل احتمالاً من العمل على ضرب السوريين ببعضهم البعض وتفجير سورية من الداخل، طائفياً وقومياً.
«الاتفاق الإطاري»
الاتفاق الإطاري لن ينفذ. ببساطة، لن يتم تنفيذ هذا الاتفاق، لأن هدفه هو إشعال حرب أهلية في لبنان. وإذا ما قارناه بالقرار 1701، فإنه أسوأ منه؛ فرغم الانتقادات الشديدة التي وُجهت للقرار، إلا أنه أفضل بكثير من هذا الاتفاق، لأنه لا يشترط نزع سلاح حزب الله كشرط للانسحاب «الإسرائيلي». وهذه بكل الأحوال ليست المرة الأولى التي تُعلن فيها «إسرائيل» أنها ستنزع سلاح حزب الله وأن انسحابها مشروط بذلك. فلنعد إلى الصفحة الأولى من صحيفة النهار شباط عام 1997. نتنياهو يعلن من البيت الأبيض أن: «الانسحاب من لبنان رهن بتفكيك حزب الله»... وها نحن في المكان نفسه بعد 30 سنة.
الاتفاق الإطاري هذا هو تكرار لاتفاق 17 أيار 1983. استمر اتفاق 17 أيار 293 يوماً ثم انهار، ولا أعتقد أن هذا الاتفاق سيستمر لفترة أطول. ومحاولة توريط الجيش اللبناني في حرب أهلية داخل لبنان تمتد إلى سورية لن تنجح. قاعدة «6 و6 مكرر» ما تزال سارية في لبنان، والجيش اللبناني لن يدخل حرباً ضد حزب الله حتى لو أرادت بعض الشخصيات النافذة فيه جره إليها.

«وحدة الساحات»
صاحب فكرة وحدة الساحات الأساسي هو الأمريكي قبل أن يكون الإيراني؛ فلننظر إلى طريقة توزيع الجيش الأمريكي، بما في ذلك (السنتكوم/القيادة المركزية)، هم ينظرون إلى منطقتنا كلها، بوصفها وحدة جغرافية واقتصادية وسياسية. أي أن وحدة الساحات كانت موجودة دائماً من وجهة نظر الأمريكي و«الإسرائيلي»، ما كان ينقصنا عبر عقود هو وحدة ساحات من جانبنا، من جانب شعوب ودول هذه المنطقة.
من يقول إن وحدة الساحات قد تراجعت اليوم، هو واهم ومخطئ. أولاً، يمكننا القول إن وحدة الساحات قد تفككت أو تراجعت، لو كانت إيران قد هُزمت، ولكن ليس هذا ما جرى.
ثانياً، ينبغي الانتباه إلى حقيقة أن تحالفاً أو تقارباً إقليمياً جديداً يتشكل. يضم هذا التحالف أربع دول رئيسية على الأقل: تركيا، والمملكة العربية السعودية، ومصر، وباكستان. طوال الحرب الحالية، نسقت هذه الدول فيما بينها بفعالية، وهي أقرب إلى التنسيق مع إيران لمنع تصعيد الحرب إلى صراع أوسع. هذا التحالف، إن صح التعبير، هو أحد جوانب وحدة الساحات بالمعنى السياسي. ما شهدناه في السنوات السابقة هو وحدة ساحات قوامها الأساسي مجموعات مسلحة تعمل ضد «إسرائيل» والولايات المتحدة. هذا هو الجانب العسكري للمسألة، لكن لم يكن هناك تعبير سياسي واضح عن وحدة الساحات. اليوم، شيئاً فشيئاً، نرى تعبيراً سياسياً واضحاً يخص هذه المنطقة. لا أقصد بالضرورة أنه تعبير معادٍ للأمريكي، ولكنه مستقل عنه، وله هويته الخاصة بالمعنى السياسي. وهو أمر جديد تماماً مقارنة بماضينا بأكمله، من حلف بغداد وحتى هذه اللحظة.ش
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1285