افتتاحية قاسيون 1265: الأمريكي يلوح بالعصا والحل سوري داخلي
شهدت الأيام القليلة الماضية عدداً من التحركات الأمريكية ذات الدلالة بما يخص الوضع السوري. وهي تحركات مرتبطة بالوضع الداخلي السوري بطبيعة الحال، ولكنها مرتبطة أيضاً، وبشكل أكبر، بمجمل التطورات الإقليمية المتسارعة، بما في ذلك التناقضات الكبيرة داخل النخبة الأمريكية والغربية بخصوص الحرب على إيران، بين استمرار التحشيد العسكري من جهة، وبين المفاوضات والحديث عن إمكانية الوصول إلى اتفاق، والذي وصل حدّ الإعلان عن إمكانية لقاء بين ترامب وخامنئي، من جهة أخرى.
التحركات الأكثر بروزاً هي التالية:
أولاً: إعلان القيادة المركزية الأمريكية يوم 12 شباط عن اكتمال انسحاب قواتها من قاعدة التنف باتجاه الأردن، وتسليمها للسلطات السورية، بعد قرابة 10 سنوات على وجودها ضمنها.
ثانياً: الإعلان يوم 12 شباط أيضاً، عن اكتمال عملية نقل حوالي 5700 سجين داعشي، من شمال شرق سورية إلى السجون العراقية لمحاكمتهم هناك، وفقاً للقانون العراقي. والأمر المثير للانتباه والتساؤل، هو أن حوالي 3000 من هؤلاء، أي أكثر من نصفهم، هم سوريون، وذلك في الوقت نفسه الذي طالبت فيه العراق الدول الأجنبية باستلام السجناء الداعشيين الذين يحملون جنسيات تلك الدول!
ثالثاً: انعقدت جلسة استماع أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس الأمريكي يوم 10 شباط تحت عنوان: «سوريا عند مفترق طرق: تحديات السياسة الأمريكية بعد سقوط نظام الأسد». تضمنت الجلسة انتقادات عالية اللهجة للسلطة السورية الجديدة، وخاصة في ملف التعامل مع الأقليات، وحملت نبرة تصعيدية وتهديدات بإعادة فرض العقوبات مجدداً.
رغم أن التحركات التي أشرنا إليها، قد تبدو متناقضة تماماً، بين ما يمكن أن يُفهم بوصفه دعماً للسلطات الجديدة في سورية، وثقة بها، وبين ما يمكن أن يُفهم على العكس من ذلك تماماً، بوصفه تهديداً لهذه السلطات وعملاً ضدها، إلا أن حقيقة الأمر هي توزيع أدوار ضمن سياسة أمريكية واحدة، لا يمكن فهمها من زاوية ضيقة هي الموقف من السلطات في سورية، بل من زاوية أوسع هي الصراع الإقليمي، والصراع الدولي الأوسع.
أهم ما يمكن تسجيله لمحاولة فهم هذه التحركات، هو الأمور التالية:
أولاً: حديث الأمريكان عن «حماية الأقليات»، هو كالعادة، حديث كاذب، ولا يهدف فعلاً لحماية الأقليات، وهو شبيه تماماً بالحديث أيام قانون قيصر عن «حماية المدنيين السوريين»، والمحصلة كانت دائماً، هي المزيد والمزيد من الضحايا من المدنيين السوريين... ما يجب فهمه في هذا الإطار، أن الحديث عن «حماية الأقليات» والتهديد بإعادة العقوبات، لا علاقة له إطلاقاً بحماية أي سوري، بل بمصالح أمريكية محددة...
ثانياً: بكلام أوضح، فإن الأمريكان يلوحون بعصا العقوبات والأقليات، ليس دفاعاً عن الأقليات، ولكن لأن هنالك سياسات لا تعجبهم، ولا توافق مصالحهم، وعلى رأسها: 1- أن السلطات الجديدة في سورية لم تقدم التنازلات الرسمية والعلنية المطلوبة منها تجاه «إسرائيل» حتى اللحظة، والحقيقة أن أي سلطة في سورية غير قادرة على تقديم التنازلات المطلوبة، لأن الوضع الإقليمي (التحالف الخماسي) يمنعها من جهة، ولأنها ستسقط داخلياً في حال قدمتها من جهة ثانية.
2- طبيعة العلاقات التي تحاول السلطات الجديدة صياغتها على المستوى الإقليمي والدولي، بما في ذلك العلاقة مع روسيا، الأمر الذي لن يرضي الأمريكان بطبيعة الحال.
ثالثاً: إخلاء التنف ونقل سجناء داعش السوريين إلى العراق، يعني ضمناً إعادة فتح الباب أمام ظهور داعش مجدداً، وبقوة، بوصفها أداة بيد الأمريكي ضد كل الأطراف في سورية وفي الإقليم.
المخرج؟
المخرج الوحيد للبلاد وأهلها من التفجيرات التي يحضرها الأمريكي والصهيوني، تتمثل بما يلي:
أولاً: حل ملفات الانتهاكات والحقوق داخلياً، عبر محاسبة علنية وفورية.
ثانياً: تحقيق اندماج حقيقي لكامل المجتمع السوري عبر مشاركة فعلية بوابتها هي المؤتمر الوطني العام الجامع والشامل لكل القوى السياسية والاجتماعية السورية.
ثالثاً: الاتكاء على الشعب السوري، والاستناد إلى وحدته عبر إنصافه، وعبر تمليكه لحقه في تقرير مصيره بنفسه بشكل ملموس.
رابعاً: التوقف الفوري عن تنفيذ وصفات صندوق النقد والبنك الدوليين في الاقتصاد؛ وهي الوصفات الليبرالية المتوحشة التي تنسف دور جهاز الدولة الاجتماعي، وتكرس الفقر والبطالة، وتدفع البلاد وأهلها نحو انفجارات أكبر وأخطر...
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265