صورتان وتعليق

يعود تاريخ الصورة الأولى إلى 10 آذار 2025 في دمشق، والثانية إلى 13 شباط 2026 في ميونخ. يجمع بين الصورتين الجو الإيجابي المفعم بالابتسامات والتوافقات، وتفصل بينهما قرابة 11 شهراً، كانت السمة الأساسية لها هي التصعيد السياسي والميداني، والتهديد والتحريض الكثيف، بما في ذلك القومي، على المنصات الإعلامية الرسمية وغير الرسمية، ووسائل التقاتل والتفريق والفتنة الاجتماعية، وخاصة فيسبوك.
الجانب الإيجابي في كلا الصورتين، هو أن الوصول إلى توافقات بين أطراف سورية متقاتلة هو أمر ممكن وقابل للتحقيق، رغم كل الخطابات المتطرفة والإقصائية والمتشددة التي ترى أن الحرب والإبادة وإنهاء الطرف المقابل هو الحل الوحيد.
الجانب السلبي في 11 شهراً بين الصورتين، هو أن كماً كبيراً من «المثقفين» و«السياسيين»، كان يشتغل بشكل مستمر على إذكاء النيران وتحريضها، بما يشير إلى انعدام المسؤولية الإنسانية والوطنية، وأسوأ من ذلك أن قسماً مهماً من هؤلاء المحرضين أنفسهم، كان قد احتفل بالصورة الأولى، ويحتفل اليوم بالصورة الثانية (انطلاقاً من تأييده لهذا الطرف أو ذاك ضمنها، لا فرق)... هذا النمط من «المثقفين» و«الإعلاميين» و«السياسيين»، وإضافة إلى انعدام مسؤوليتهم الإنسانية والوطنية، يظهرون بوصفهم مرتزقة ومطبلين أكثر من أي شيء آخر، وينبغي التعامل معهم على هذا الأساس فيما هو آتٍ؛ أي ينبغي أن يعاملوا معاملة السفهاء الذين لا يؤخذ برأيهم، ولا يتم الالتفات إلى ما يقولونه، وهذا أضعف الإيمان، إن لم يتم التعامل معهم بوصفهم مثيري فتنة ومحرضين على اقتتال السوريين فيما بينهم، وعلى سفك الدم السوري، وتهديد وحدة البلاد.
نتائج وعبر
بعيداً عن السفهاء، فإن بين النتائج والعبر التي ينبغي علينا استخلاصها من الصورتين/الحدثين، وما جرى بينهما طوال 11 شهراً، ما يلي:
أولاً: الوصول إلى توافقات وحلول سياسية بين الأطراف السورية المتناقضة والمتقاتلة، هو أمر ممكن، وليس أمراً مستحيلاً كما جرى تصوير الأمر طويلاً.
ثانياً: الوصول إلى توافقات ليس أمراً ممكناً فحسب، بل هو الأمر الوحيد الممكن؛ فالخيار الثاني هو الاقتتال الذي لا نهاية له، والذي تخسر بموجبه كل الأطراف السورية، والخاسر الأكبر سيكون دائماً هو الشعب السوري، أي أكثر من 90% من السوريين الذين يعيشون تحت خط الفقر، وينتمون لمختلف القوميات والأديان والطوائف.
ثالثاً: التوافقات التي تجري بين الأطراف حاملة السلاح في سورية، سواء كانت السلطة أو فصائل ومجموعات هنا وهناك، هي توافقات مؤقتة بطبيعتها، وهي قابلة للتفجير في أي وقت لاحق، بالضبط لأنها توافقات تلعب فيها الأطراف الخارجية أدواراً أساسية، وليست توافقات مبنية على تفاهمات وطنية شعبية حقيقية وواسعة... بكلام آخر، هي توافقات «فوقية» بين الزعامات، ولذا فهي توافقات تكتيكية في جوهرها.
رابعاً: ما يرضي عموم الناس في هذه التوافقات هو شيئآن أساسيان فقط لا غير: إبعاد شبح الاقتتال والاحتراب (الذي يدفع فاتورته دائماً عامة الناس لا الزعماء)، وإبعاد شبح تقسيم البلاد، وعلى الأقل إضعاف احتمالاته.
خامساً: نقول شيئآن فقط لا غير، لأن مصالح عموم الناس (الـ 90%) ما تزال خارج قوس ضمن كل التوافقات التي تجري، لأنهم مستبعدون من المشاركة الحقيقية في تقرير مصيرهم، وفي تقرير مصير توزيع الثروة التي ينتجونها، وفي تقرير مصير بلادهم... ما يعني أن التوافقات الجزئية والمؤقتة الجارية، لا يمكن أن تتحول إلى مستدامة ومستقرة، ما لم يجر استكمالها بمشاركة حقيقية للمعترين (الـ 90%) في تقرير مصير بلادهم، عبر مؤتمر وطني عام شامل وجامع، يضم مختلف القوى السياسية والاجتماعية السورية، وليس فقط زعماء القوى التي تحمل السلاح!
سادساً: آن لنا أن نتعلم، أن عمليات «التحريض» على وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى وسائل الإعلام، هدفها الأساسي هو خلق صورة مختلفة عن الواقع الفعلي، ودفع الناس نحو الاقتتال بغرض منع أي إمكانية توافق، وبغرض نهائي هو إنهاء البلاد وتقسيمها... وربما ينبغي أن نخرج بنتيجة إضافية، هي أن ما يجري على فيسبوك خصوصاً، ليس تضليلاً عن الوقائع فحسب، بل هو معاكس لها في معظم الأحيان؛ فكلما اتجهت الأمور نحو الاستقرار تضاعف حجم التحريض على فيسبوك عشرات المرات، وكلما كان مزاج السوريين في منطقة من المناطق هو باتجاه التسويات والتوافقات ومنع الاقتتال، كلما جرى تصويرها على فيسبوك بشكل معاكس تماماً...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1265