لماذا نُكذّب «وحدة - حرية»ونُصدّق «اشتراكية»؟!

لماذا نُكذّب «وحدة - حرية»ونُصدّق «اشتراكية»؟!

طوال أكثر من خمسين عاماً، ردد التلاميذ السوريون في الاجتماعات الصباحية في مدارسهم: «أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة»، ثم: «أهدافنا: وحدة، حرية، اشتراكية».

الآن، وبعد أن سقطت سلطة الأسدين، بات الباب مفتوحاً على قراءات نقدية واسعة رسمية وغير رسمية، لكل ما كان في السابق. وفتحُ باب النقد أمرٌ إيجابي وجيد طالما كان الغرض هو السير إلى الأمام.
الخطاب الرسمي وشبه الرسمي السائد، يُقر بأن نظام الأسدين كان كاذباً تجاه هدفي الوحدة والحرية؛ فلا العلاقات العربية التي صاغتها سلطة الأسد كانت تصب في الوحدة العربية، ولا حتى في وحدة الشعب السوري نفسه، ولا السياسات الداخلية كانت تصب في حرية الناس، ولا في تحرير الأرض من مستعمريها؛ بل على العكس تماماً، كان الاتجاه العام هو تأزيم العلاقات مع الدول العربية، وتشديد القمع على السوريين، وتقييد حرياتهم، وتأجيل تحرير الأراضي المحتلة إلى ما لا نهاية، مع مواصلة المتاجرة بالقضية الوطنية عبر استخدامها كأداة للتخوين والقمع الداخلي لكل من تسول له نفسه أن يعارض الفساد والنهب والقمع الداخلي.

ورغم هذا الإقرار بأن النظام كان كاذباً في هدفي الوحدة والحرية، إلا أن مفارقة مدهشة تظهر حين يصل الحديث إلى «الاشتراكية»؛ فنرى خطاباً مغايراً تماماً، يفترض أن ما كان قائماً في سورية هو فعلاً «الاشتراكية»، وينسب كل التخلف والفساد الاقتصادي وضعف التنمية والتهميش إلى هذه «الاشتراكية» المفترضة. أي أن علينا أن نصدق أن الأسدين كانا كاذبين بما يخص الوحدة والحرية، ولكنهما كانا صادقين بما يخص الاشتراكية!
ورغم أن الموضوع يبدو نافلاً، ولكنه ليس كذلك في حقيقة الأمر؛ فهو جزء من تحديد الهوية الاقتصادية لسورية الجديدة، ومن السياسات الاقتصادية التي تتم ممارستها في سورية بعد 8/12/2024... وكي نصل إلى نتيجة واضحة بهذا الخصوص، سنقسم ما تبقى من هذه المادة، لأربع فقرات كالتالي:

أولاً: هل وطئت الاشتراكية أرض سورية يوماً؟

ثانياً: ما هو النموذج الذي طبقه بشار الأسد ابتداء من 2005؟

ثالثاً: ما هو النموذج الذي يجري تطبيقه الآن؟

رابعاً: دريئة وهمية لمتابعة السياسة الاقتصادية نفسها؟


أولاً: هل وطئت الاشتراكية أرض سورية يوماً؟


في هذه الفقرة، سنستخدم مادة نشرت في قاسيون في شهر آذار عام 2011، أي حين كان الأسد ما يزال في سدة السلطة (ولعل من المفيد توضيح هذا الأمر، لأنه يعني ضمناً أن هذا الرأي كان معلناً وواضحاً، ولم يتغير من حينه).
«يطلق الناس أحكامهم على النموذج الاقتصادي الذي يعيشونه وفقاً لانعكاساته على مظاهر حياتهم الاجتماعية المختلفة، ولا يعيرون اهتماماً كبيراً للشعارات والأسماء التي يندرج تحتها ذلك النموذج، بل يكتفون بشتمها سراً وجهاراً، كلما ابتعدت عن مصالحهم وحاولت الاستخفاف بهم. وفي السياق ذاته كان للسوريين الحق الكامل بأن يتذمروا، بل وحتى أن يرفضوا «اشتراكية» مزعومة عاشوها، وما هي في نهاية المطاف إلا قطاع عام منهوب، ومستوى معيشة يستمر بالتدهور. هكذا خَبِروا «الاشتراكية» التي قيل لهم في المدارس ووسائل الإعلام: إنهم كانوا يعيشونها.
خَبِر الشعب السوري مسوخاً من التطبيقات الاشتراكية، في ظل ما سمي اقتصاداً موجهاً.. ولكن في أي اتجاه؟
ما ثبت على الأرض، أنه ذاك الاتجاه الذي سبب انتفاخ برجوازية المكاتب التي تسمى برجوازية بيروقراطية، محولة إياها إلى وحوش منفلتة العقال تسمى قوى السوق الطفيلية، استولت على مراكز القرار تباعاً، ولا بد أنها سرعان ما ستبحث عن معادلها السياسي المناسب..


قطاع «عام»


تحت مسمى القطاع العام، كتبت سطور «الاشتراكية السورية». ولكن هل كان القطاع العام في سورية قطاعاً عاماً؟
من المعروف أن للقطاع العام ثلاثة أركان يكتمل بها توصيفه:

  1. ملكية الشعب لوسائل الإنتاج، والدولة هي من يدير هذه الملكية..
  2. توزيع الثروة المنتجة لصالح المجتمع بطريقة مباشرة عبر الأجور، وغير مباشرة عبر الخدمات الاجتماعية من صحة وتعليم وغيرها...
  3. رقابة المجتمع على القطاع العام، اعتباراً من الإنتاج وتطويره حتى توزيع ثروته.

    في سورية، تم التخلي عن البندين الثاني والثالث تدريجياً لمصلحة الإدارات الفاسدة في القطاع العام وقوى الظل المتربعة خلفها، الذين اغتنوا بسرعة البرق، تاركين فتات المكاسب للناس، وتولوا هم أنفسهم مهام الرقابة والتفتيش في مسرحية تطال غالباً بعض العمال هنا وهناك، وتبقي المفاصل الأساسية محمية بحكم موقعها السياسي، وتالياً، أصبح البند الأول، بند ملكية الشعب لوسائل الإنتاج، مجرد مادة دستورية شكلية تضاف إلى سجل الخروقات الدستورية الأخرى.
    كل ذلك فرّغ «القطاع العام» من محتواه، وحوّله إلى قطاع دولة رأسمالي كبير في حياة البلاد، يمارس النهب المقونن، إلى أن جاء وقت ضاقت به جدران الاشتراكية المزعومة على ثروات من أثرى، وصاروا هم أنفسهم يطالبون بترك القطاع العام يموت، مستعجلين دفنه في محاولة لتبييض أموالهم، عبر خصخصة القطاعات المنهوبة، دون حساب للمسؤولين عن تخسيرها، متهمين السياسات الاجتماعية السابقة- على تواضعها- بتأخير عجلة النمو والتسبب في العجز الاقتصادي، كل ذلك التشويه الذي طال المفهوم جعل الناس يحجمون عن الدفاع عن «القطاع العام» كناطق رسمي باسم الاشتراكية، كما جردهم من إمكانية طرح الاشتراكية كبديل للنموذج الاقتصادي الليبرالي السابق...
    تفرض الوقائع اليوم على الشعوب أسئلة عديدة، وتجعلها مضطرة لأن تصيغ بدائلها الاقتصادية، وأوجزت الشعوب حين قالت: عدالة اجتماعية. تلك العدالة هي الاشتراكية الحقيقية، الاشتراكية التي يتمثل قانونها الأساسي في الإشباع الأعلى للحاجات المادية والثقافية المتنامية لكامل المجتمع.

    الاشتراكية، هي التحكم الواعي بالعمليات الاقتصادية بغية تحسين أوضاع الناس الاجتماعية؛ عبر سياسات تصب في مصلحتهم، من صحة وتعليم وتأمين فرص عمل...الخ.. يؤمن مواردها قطاع عام، عام في توجيه ثروته للصالح العام، عبر خطط تضعها الدولة لتحقيق أعلى نمو وأعمق عدالة اجتماعية.

    اليوم، لن تنفع الشعارات أحداً، وإن نفعت أولئك الذين لم يجربهم الناس بعد، فإنها بالتأكيد لن تنفع النظام الذي جربه الناس طويلاً.. لذا فإن على النظام الانتقال بل الانعطاف، نحو سياسات جذرية تصب في مصلحة الأغلبية الساحقة من الشعب السوري، وعلى رأسها وقف المهزلة الليبرالية، ومهزلة الانفتاح والبدلات الرسمية للمؤتمرات الاقتصادية الدولية ومؤسساتها النهّابة، والذهاب على الفور نحو سياسات اشتراكية حقيقية، فالشعب السوري، وإن لم يقلها بعد، فما يريده وما يتطلع إليه هو حياة كريمة ووطن كريم.. وتلكم هي الاشتراكية!» - انتهت المادة المقتبسة.

    وإذاً؟ فالاشتراكية لم تطأ أرض سورية في يوم من الأيام. والنظام السوري كان كاذباً بما يخص الاشتراكية، تماماً كما كان كاذباً بما يخص الوحدة والحرية... ما يعني أن أولئك الذين يصفون ما كان في سورية بأنه «اشتراكية»، هم إما لا يعرفون ما كان في سورية، أو لا يعرفون ما هي الاشتراكية، أو يعرفون ولهم مآرب أخرى، كما سنوضح لاحقاً...

-_


ثانياً: ما هو النموذج الذي طبقه بشار الأسد ابتداء من 2005؟


مع أن الاشتراكية كما أسلفنا، لم تطأ أرض سورية يوماً، إلا أنها بقيت ضمن الشعارات الرسمية للسلطة، ولكن ليس دائماً... فابتداء من العام 2005، وعبر «المؤتمر القطري العاشر لحزب البعث العربي الاشتراكي»، تمت إعادة تعريف الاشتراكية، لتصبح «اقتصاد السوق الاجتماعي»، أي لتصبح «رأسمالية»، ولكن ليست أي رأسمالية، بل رأسمالية من طراز محدد: رأسمالية دولة تابعة اقتصادياً.
بعيداً عن الشعارات، فإن ما تم تطبيقه على الأرض، هو وصفة صندوق النقد والبنك الدوليين؛ أي «برنامج التعديل الهيكلي structural adjustment program».
البنود الأربعة الرئيسية في هذا البرنامج هي التالية:


تخفيض الإنفاق الحكومي


ويتم ذلك عبر تقليص الدعم الاجتماعي وصولاً إلى إنهائه، بما في ذلك تقليص دعم السلع الأساسية، وتقليص دعم الزراعة والصناعة، وتقليص دعم التعليم والصحة. والذريعة هي «رفع الكفاءة الاقتصادية».
اختبر السوريون «رفع الكفاءة» هذا عبر ارتفاع نسبة الفقر من 30% عام 2005 إلى 44% نهاية عام 2009، وفقاً للمكتب المركزي للإحصاء التابع لرئاسة الوزراء. والأرقام الحقيقية هي أكبر من ذلك.
تحرير الأسواق
أي إزالة القيود على التجارة والاستثمار، والسماح للشركات الأجنبية بدخول السوق المحلية، وفقاً للشروط التي تناسبها؛ وهي الأمور التي أضعفت الإنتاج المحلي، وعرضته لمنافسة مجحفة من البضائع الأجنبية (مثال: الموبيليا، وصناعات الألبسة الجاهزة كافٍ لتوضيح الصورة).


خصخصة الشركات العامة


لم يتح لسلطة الأسد أن تستكمل عملية خصخصة الشركات العامة، ولكنها قطعت شوطاً طويلاً ضمن العملية، عبر تخسير الشركات العامة، ودفعها نحو الإفلاس عبر «الحسابات الدفترية» والفساد وغيرها من الطرق، وعبر إنشاء شركات خاصة موازية للمحاسيب والواجهات التي عملت عند أصحاب السلطة أنفسهم. ربما بين الأمثلة البارزة على عملية الخصخصة هذه، هو: تحويل شركات سيريتل وإم تي إن، إلى شركات خاصة عام 2014، بعد أن كانت عقود B.O.T الخاصة بها قد انتهت، أي بعد أن أصبح تملك الدولة لها بشكل كامل حقاً قانونياً... تم الالتفاف على هذا الحق، وسلبت الملكية من جهاز الدولة لمصلحة شخصيات مرتبطة بالسلطة، أشهرها هو رامي مخلوف.


تكييف الواقع القانوني بما يخدم «الاستثمار الخاص»


الترجمة المباشرة لهذه المسألة كانت قانون العمل رقم 17، وغيره من القوانين، التي سمحت لرأس المال بانتهاك حقوق العمال السوريين، وسهل على رأس المال فصل العمال وحرمانهم من حقوقهم، إضافة إلى جملة من الإجراءات المالية الخاصة بالبنوك الخاصة، على حساب البنوك الحكومية.
البنود الأربعة أعلاه، هي بالضبط ما تم تطبيقه في سورية تحت مسمى «اقتصاد السوق الاجتماعي»، والذي كان واحداً من أساسات انفجار الأوضاع في سورية عام 2011، لأنه راكم الظلم والقهر والفقر على نطاقات واسعة وسريعة في كل البلاد، مخرباً الزراعة والصناعة والثروة الحيوانية، والإنتاج بأشكاله المختلفة، بما في ذلك على مستوى الورش الصغيرة والمتوسطة، وألقى بملايين السوريين تحت خط الفقر، وفي جحيم البطالة. وفوق ذلك، فإن هذه السياسات أضعفت جهاز الدولة نفسه، وقلصت قدرته على التحكم بالمعنى الاقتصادي والاجتماعي، وتالياً، السياسي، وليس لمصلحة الناس، ولكن لمصلحة رؤوس الأموال الخاصة الداخلية والخارجية، ودائماً على حساب الأكثرية الساحقة من السوريين.
وبكلمة، فإنه في الوقت الذي كان فيه شعار «الاشتراكية» مرفوعاً في سورية، فإن ما تم تطبيقه هو الرأسمالية بأسوأ أشكالها، رأسمالية دولة تابعة، يكون هدف الاقتصاد فيها هو إضعاف الدولة والمجتمع ونهبهما لمصلحة قلة فاسدة داخلياً، ولمصلحة دول وقوى خارجية، ودائماً ضمن الرعاية الغربية، ورعاية صندوق النقد والبنك الدوليين.


ثالثاً: ما هو النموذج الذي يجري تطبيقه الآن؟


رغم أن السلطات الجديدة في سورية لا تعتمد شعاراً اقتصادياً محدداً (رغم أنها تحدثت في البدايات عن الاقتصاد الحر، ولكن المصطلح تم سحبه من التداول إلى حد بعيد)، إلا أن هنالك نموذجاً واضحاً تظهره الممارسة الملموسة، يستطيع القارئ السوري استنتاجه من معايشته للواقع: النموذج هو حرفياً البنود الأربعة أعلاه، أي ما يسمى «برنامج التعديل الهيكلي»؛ فتخفيض الإنفاق الاجتماعي جارٍ على قدم وساق، رفع سعر الخبز، المواصلات، الكهرباء، الاتصالات، وفوق ذلك تقليص الدعم للزراعة والصناعة وإنهاؤه تقريباً. وتحرير الأسواق أيضاً جارٍ على قدم وساق، عبر فتح السوق للبضائع المستوردة، بغض النظر عن حماية المنتج المحلي. وكذا الأمر عمليات الخصخصة، التي تسير بسرعة بما في ذلك في القطاعات والمنشآت السيادية، مثل: الكهرباء والموانئ وغيرها. وأخيراً، فإن البنية القانونية التي يجري تطبيقها عملياً، حتى ولو لم تظهر بشكل علني بعد (مثال: قانون الخدمة المدنية)، تصب أيضاً في تقليص حقوق العمال لمصلحة حقوق «المستثمرين» و«رجال الأعمال».
أي، إن ما يجري تطبيقه في المجال الاقتصادي الاجتماعي، هو استكمال وتسريع لما كان يطبقه بشار الأسد ابتداء من 2005، والراعي لعملية التطبيق هذه هو نفسه صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، (مع بشار الأسد عبر الترهيب والترغيب ما بعد احتلال العراق 2003)، واليوم بالترغيب والترهيب أيضاً، عبر استخدام عصا العقوبات من جهة، والوعود بالاستثمارات والتسهيلات من جهة ثانية.


رابعاً: دريئة وهمية لمتابعة السياسة الاقتصادية نفسها؟


بالمقارنة بين السياسات الاقتصادية أيام بشار الأسد، وخاصة بعد 2005، وبين السياسات الاقتصادية المطبقة حالياً، يصبح من المفهوم، لماذا يصر البعض على توصيف سياسة بشار الأسد بأنها «اشتراكية»؛ ليس لأنها كانت اشتراكية، فهي لم تكن كذلك نهائياً، ولكن من أجل تسريع تطبيق سياسات رأسمالية، وفقاً لوصفات صندوق النقد والبنك الدوليين، عبر محاولة تقديمها على أنها شيء جديد لم يتم تجريبه سابقاً في سورية.
السياسات الاقتصادية الحالية هي تكرار في الجوهر للسياسات السابقة، وتعميق لها، وهي ليست سياسات جديدة البتة... وإنْ كانت محاولة تمريرها عبر تقديمها على أنها سياسات جديدة، يمكن أن تصمد بعض الوقت، لكنها لن تصمد طويلاً، لأن الناس تعرف بتجربتها، أن ما يجري تطبيقه لا يصبّ في صالحها، بل يُضعفها ويزيد من بؤسها، لأن الجديد الحقيقي دائماً غير مكرر، والجديد المزيف هو القديم متنكراً بلبوس الجديد...

معلومات إضافية

العدد رقم:
1264
آخر تعديل على الإثنين, 09 شباط/فبراير 2026 11:03