افتتاحية قاسيون 1263: الظلام الكهربائي والظلم الاجتماعي!
يخرج السوريون بشكل تدريجي من حالة الذهول التي أحدثتها صدمة فواتير الكهرباء الجديدة؛ ويبدؤون بالتعبير بأشكال متعددة ومتصاعدة عن استيائهم الشديد، وعن رفضهم للرفع الفلكي في أسعار الكهرباء. أحد أبرز التعبيرات هو مقاطعة دفع فواتير الكهرباء، والذي لخصته جملة «ماني دافع»؛ علماً أن قراءة الأرقام السورية، يمكنها أن تقدم جملة أخرى أكثر تعبيراً عن الواقع هي: «حتى لو بدي ادفع، ما معي ادفع»!
حين يرى السوريون فواتير قيمتها تتراوح بين 300 ألف ليرة سورية و4 ملايين، فهم يرون فواتير تفوق دخولهم الشهرية بأضعاف في أسوأ الأحوال، وفي أحسنها تشكل نسبة تتجاوز 35% منها؛ علماً أن وسطي أسعار الكهرباء في عدد كبير من الدول المجاورة، وغير المجاورة يتراوح بين (1-10) % من الحد الأدنى للدخل الشهري، ما يعني أن أسعار الكهرباء في سورية تكاد تكون الأغلى عالمياً كنسبة من الدخل. وتصبح الكارثة أكثر فداحة حين يعلم المرء أن الغالبية الساحقة من السوريين (أكثر من 90%) تعيش أساساً تحت خط الفقر الغذائي، أي إنها، وبشق الأنفس، لا تستطيع تأمين الحد الأدنى المطلوب من الطعام والشراب لحياة آدمية، ناهيك عن الطبابة والتعليم والنقل والاتصالات وغيرها من متطلبات الحياة الأساسية.
المشكلة لا تقف عند عدم القدرة على دفع فواتير الكهرباء، بل تمتد أبعد من ذلك بكثير:
أولاً: ستنعكس أسعار الكهرباء الجديدة على عدد كبير من السلع، بما فيها السلع الغذائية (وقد بدأ هذا الانعكاس بالفعل، على سبيل المثال لا الحصر: ارتفاع أسعار الحليب بنسبة 18.5%، وسيمتد إلى كل المنتجات الغذائية التي تحتاج إلى تبريد).
ثانياً: الارتفاع سيطال كل البضائع التي تدخل الكهرباء في إنتاجها، الغذائية منها وغير الغذائية؛ وبكلمة واحدة، ولأن الكهرباء تدخل في إنتاج كل شيء عملياً، فإن كل أسعار البضائع على الإطلاق، سترتفع كاستجابة مباشرة لارتفاع تكاليف إنتاجها وتخزينها.
ثالثاً: الإنتاج المحلي المتعثر أصلاً، وغير القادر على المنافسة لا في السوق الخارجية ولا في السوق المحلية، والخاضع لضغط استيراد البضائع الأجنبية الأرخص، سيصاب بعجز كامل عن الاستمرار... ما يعني أن ما تبقى من إنتاج سينتهي، ناهيك عن أن عملية «إعادة الإعمار» التي لم تبدأ بعد، لن تبدأ إطلاقاً ضمن هذه الشروط...
رابعاً: قيمة أي عملة من العملات، تُبنى على الإنتاج الحقيقي في الدولة المعنية، وحين يتم قتل الإنتاج، فإن العملة تتحول إلى أوراق لا قيمة لها... ما يعني أن رفع أسعار الكهرباء سيؤدي بالضرورة إلى زيادة التضخم بشكل متسارع، وبالتالي إلى مزيد من الإفقار الذي لن تعوضه زيادات الأجور، ناهيك عن أن الحديث ما يزال عن «إشاعات» عن زيادة الأجور!
خامساً: أي حديث عن استجلاب استثمارات أجنبية للبلاد سيصبح وهماً كاملاً في ظل ارتفاع التكاليف، وبالتالي انعدام إمكانية المنافسة داخلياً وخارجياً... الاستثمارات الوحيدة التي يمكن أن تأتي هي من نمط الاستثمار بالكهرباء والاتصالات؛ أي استثمارات هدفها امتصاص الثروة من داخل سورية إلى خارجها، وإلى جيوب بعض المستفيدين... وليس إنتاج ثروة جديدة.
سادساً: ضمن قطاع الكهرباء نفسه، فإن الفاقد الفني والتجاري يقدر بحوالي 40-50%، الفاقد التجاري (عبر عدم الدفع أو سرقة الكهرباء التي ستتنشط مجدداً) سيرتفع أكثر، وسيؤدي لرفع الفاقد الفني، ما يعني تعقيد مشكلة الكهرباء بشكل أكبر في البلاد، ورفع تكاليف حلها لاحقاً.
التعداد السابق هو حصر أولي للانعكاسات المتوقعة، وهي أكثر من ذلك وأعمق وأبعد مدى، ولكن الخلاصة التي ينبغي تثبيتها هي التالية:
كل الدول في العالم تتعامل مع مسائل الطاقة والمياه والاتصالات، بوصفها مسائل أمن قومي، لأن العبث بها، وخاصة عبر الشركات الخاصة، يعني العبث بأمن البلاد وباستقرارها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي. ما يعني أن هنالك حاجة وطنية ملحة اليوم للتراجع الكامل عن التسعيرة الجديدة للكهرباء، والبحث عن الحلول والموارد في أماكن أخرى، غير جيوب فئة الـ90% من السوريين، الذين عاشوا وما يزالون الظلم الاجتماعي، ومعه الظلام الكهربائي!
(English Version)
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263