ما الذي يعينه ارتفاع احتمال الانسحاب الأمريكي من سورية؟
يرتفع خلال الأيام الأخيرة- وبعد ما جرى في الشمال الشرقي السوري- الحديث عن قرب انسحاب عسكري أمريكي كامل من سورية، بل وربما من العراق أيضاً، وبالتوازي.
المصدر الأساسي للحديث ليست أطرافاً محلية، أو تقديرات محلية، بل مسؤولون أمريكيون وصحافة أمريكية. على سبيل المثال لا الحصر: تقرير نشر في وول ستريت جورنال، وتقرير آخر في ميدل إيست مونيتور. وفي كلا التقريرين يقول مسؤولون أمريكيون: إن الوقت قد حان لانسحاب عسكري كامل من سورية.
يضاف إلى ذلك، أن موضوع الانسحاب العسكري الأمريكي من سورية ليس جديداً كما هو معروف؛ فهو كان ضمن خطة ترامب في ولايته الأولى، وفي حينه جرى تثبيط هذا المسعى، كما وضّح في وقت لاحق المبعوث الأمريكي الأسبق إلى سورية جيمس جيفري. من جهة ثانية، فإن فكرة الانسحاب العسكري الأمريكي من سورية، تتناسب تماماً مع الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة التي تم الإعلان عنها مؤخراً، والتي تركز على إعادة تموضع عالمية باتجاه التركيز على نصف الكرة الغربي، وتخفيض الوجود العسكري العالمي للولايات المتحدة.
سياق الانسحاب
بدايةً وقبل كل شيء، ينبغي تثبيت أمرٍ واضح، وربما متفق عليه بين عدد كبير من السوريين، على اختلاف توجهاتهم، وهو أن الانسحاب العسكري الأمريكي من سورية، ليس أمراً مرحباً به فحسب، بل وفوقه يمكن القول بالكلام الشعبي: «الله لا يردهون».
رغم ذلك، فإن علينا كسوريين، كما حاولنا أن نفهم سبب وجودهم العسكري في سورية، أن نفهم بشكل مسبق سبب انسحابهم المتوقع، وما الذي يحضرونه لنا وللإقليم بأسره عقب الانسحاب.
لمحاولة فهم الأمر، وتوقع مآلاته، لا بد من إعادة التذكير بمعطيين أساسيين:
أولاً: الانسحاب العسكري من سورية، وربما من العراق، هو بلا شك، مؤشر من مؤشرات تراجع القوة الأمريكية على المستوى العالمي، ومؤشر من مؤشرات الأزمة الداخلية الأمريكية ذات المنشأ الاقتصادي بالدرجة الأولى؛ ورغم أن المؤشرات بهذا الاتجاه عديدة جداً ومتنوعة، ولكن من المفيد أن نستخدم هنا لغة الأرقام في أحد المؤشرات التي باتت بارزة بشكل يفقأ العين: أسعار الذهب.

يمكن لأسعار الذهب أن تُقرأ بطريقتين، الأولى: هي الطريقة السائدة في الإعلام (وهو أمر متوقع بطبيعة الحال نظراً لطبيعة المهيمنين على الإعلام)، وتقول: أسعار الذهب ترتفع. الثانية: هي أن (قيمة الدولار تنخفض)، لأن الكمية نفسها من الدولارات باتت تشتري كمية أقل فأقل من الذهب... أي أن حجم التضخم يرتفع بصورة فلكية وسريعة.
وعلى أساس الطريقة الثانية في القراءة، يمكننا رسم المخطط التالي:

وإذا أردنا ترجمة المخطط السابق بكلام واضح، نقول: إن الدولار فقد بين 2004 و2026، 92% من قيمته الشرائية... وبكلام أوضح: مئة دولار اليوم، تكافئ 8 دولارات عام 2004، من وجهة نظر الذهب! وهي أرقام تعبر عن حجم الأزمة وعمقها.
ثانياً: إذا كان الانسحاب الأمريكي من منطقتنا وبلدنا، جزءاً من التكيف مع عملية التراجع والانكفاء، واستجابة للأزمة الداخلية الأمريكية بأبعادها المختلفة، وخاصة الاقتصادية، فهذا لا يعني بحالٍ من الأحوال، أن الأمريكان يريدون الانسحاب «بسلام» للانشغال بأزماتهم الخاصة...
عُمق الأزمة الأمريكية التي يعبر عنها وضع الدولار وأسعار الذهب، هو أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض النظام المالي والاقتصادي العالمي، وأن قوى صاعدة باتت تزاحمها بشكل كبير وواضح، ليس في إطار الإنتاج الحقيقي بأبعاده المختلفة بما فيها العسكري، بل وأيضاً تزاحمها في المنظومة المالية القائمة على الدولار، والتي سمحت لواشنطن بنهب العالم بأسره عبر عقود، وباتجاه منظومة بديلة تقطع الطريق على النهب الأمريكي.
بهذا المعنى، فإن الولايات المتحدة ليست لديها رفاهية ترك خصومها الاستراتيجيين بسلام، حتى وإن كانت مضطرة لتقليص التكاليف وللانشغال بأزمة الداخل. وبالتالي، فإن المتوقع منها، هو أن تنسحب تاركة وراءها ألغاماً جاهزة للانفجار، بحيث لا تتحول المناطق التي تنسحب منها إلى ساحة يملؤها خصومها، أو حتى إلى ساحة حيادية بالنسبة لخصومها.
وعليه، في سورية، كما في مجمل منطقتنا، ما يزال المطلوب أمريكياً هو التفجير الداخلي واسع النطاق، وعلى أسس قومية وطائفية ودينية. وليس المستهدف في العملية هو سورية وحدها، بل يتم التعامل مع سورية كفتيل صغير لإشعال الدول الإقليمية الكبرى في المنطقة، وخاصة تركيا، ومن ثم السعودية ومصر وإيران... وهذه الدول الإقليمية الكبرى التي تنحو مؤخراً نحو التعاون وتوثيق علاقاتها في مختلف المجالات بالضد من الإرادة الأمريكية/ «الإسرائيلية»، هي أيضاً ليست الهدف النهائي، وإنما الهدف النهائي هو الصين والهند وروسيا، والتي تحتاج الولايات المتحدة إلى إعاقة تطورها كحد أدنى، وتفجيرها من الداخل كحد أعلى...
ما الذي علينا توقعه في سورية والمنطقة؟
بناء على المعطيين السابقين، مضافاً إليهما عمليات إطلاق عدد كبير من مساجين داعش، فإنه ينبغي علينا أن نتوقع أن الانسحاب الأمريكي سيتم بطريقة محددة تسمح بترك فراغٍ أمني سياسي عسكري، يسمح بتفجير كل من سورية والعراق كحد أدنى، ووصولاً إلى تركيا وإيران إن أمكن. أدوات التفجير هي الصراعات الداخلية ذات الطابع القومي والديني والطائفي، وفي هذا السياق ستكون داعش نفسها، التي ربما تلبس حللاً جديدة، أداة من أدوات التفجير، وسيعمل الأمريكي على تحويل الكرد في سورية والعراق وتركيا وإيران، إلى أداة تفجير، وخاصة عبر محاولة إفشال مبادرة السلام في تركيا، وسيعمل أيضاً على تحويل السلطة الجديدة في سورية إلى أداة من أدوات التفجير، عبر الإيحاء لها بأنه حليف موثوق وداعم مستدام، وعبر إيهامها بإمكانية السيطرة على البلاد والعباد عبر السطوة العسكرية، وليس عبر الحوار والتفاهم وإحقاق الحقوق، أي ليس عبر الحل السياسي والمؤتمر الوطني العام، ولكن عبر القسر والجبر والإرغام، الذي من شأنه أن يساعد في إعادة تفجير الأمور على نطاق أوسع، يخسر فيه جميع السوريين، بكل أطرافهم السياسية والعسكرية.
وإذاً، فالمتوقع، هو أن الأمريكي سيدفع نحو التفجير داخل سورية بالتوازي مع انسحابه المحتمل... ومرة أخرى، وإن كان من المطلوب والمرحب به أن يخرج الأمريكي وكل القوى الأجنبية الأخرى من أرضنا، فإن ما ينبغي علينا العمل نحوه بسرعة، هو توحيد السوريين توحيداً حراً نابعاً من القناعة والتفاهم فيما بينهم، وليس نابعاً من وهم القوة والسيطرة والدعم الدولي، لأن الأمريكي مستعد لبيع أي طرف سوري، أو إقليمي، أو دولي، بل وعملية البيع هذه هي جزء مخطط مسبقاً، ولن يكون مفاجأة لمن يحاول فهم المصلحة الأمريكية الحقيقية، وليس الكلام المعسول الكاذب على شاشات الإعلام، وفي غرف الاحتيال الدبلوماسي...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1262