الإعلام «الإسرائيلي» يعترف بالتحولات الإقليمية المعاكسة لمصالحه... ويبحث عن حلول!
تشهد سورية والمنطقة تحولات تعيد تشكيل العلاقات والتوازنات السياسية والأمنية، في سياق إقليمي يتسم بتبدّل التحالفات وتغيّر للعلاقات، لا سيما «العداءات» التاريخية. لا ينحصر تأثير هذه التطورات، سواء تلك في الميدان السوري، أو في المنطقة، بالمستوى المحلي أو الإقليمي، بل يحمل تداعيات على منظومات دول المنطقة، ويشكّل مصدر قلق للكيان، الذي يتابع ما يجري من منظور استراتيجي شديد الحساسة تجاه أي تغيير في محيطه.
ضمن هذا المشهد، تثير التحولات الجارية في سورية، قلقاً متزايداً في «إسرائيل»، بالأخص في ظل تغيّر العلاقات بين الدول، وتجاه بعضها البعض، نحو إعادة ترتيب أولوياتها، أو بناء شراكات جديدة، مختلفة كلياً عما كانت عليه قبل عشر سنوات أو أكثر، وبالأخص، ضمن التغييرات الجارية على المستوى الدولي، ما قد يحدّ من قدرة «إسرائيل» على التنبؤ بمسار الأحداث أو التحكم بتداعياتها.
في هذا السياق، ترى «إسرائيل» أن التغيرات الجارية لا تمسّ فقط حدودها المباشرة، بل تطال مسألة وجودها وأمنها طويل الأمد، في منطقة تعيد تعريف قواعد الاشتباك والتحالف. ومن هنا، يتعامل الكيان مع التطورات في سورية والمنطقة كجزء من مشهد أوسع يتطلب استعداداً دائماً، وسياسات استباقية، ومراقبة دقيقة لأي تحول قد يفرض وقائع جديدة يصعب احتواؤها لاحقاً، إن لم يكن قد فات الأوان فعلاً.
في هذه المادة، ننظر فيما يقوله الإعلام في الكيان حول بعض هذه التغييرات، والطرق التي يحاول من خلالها التعامل معها.
التطورات الإقليمية
تشكّل إيران مصدر القلق الأساسي لدى الكيان، لكن ذلك لا يكمن فقط في الوضع في إيران أو قدراتها، بل علاقة دول المنطقة بها، لا سيما تلك التي كانت تاريخياً محسوبة على «الطرف الآخر»، مثل: السعودية، وكذلك علاقات الدول بين بعضها البعض، وبالأخص السعودية وتركيا ومصر.
تتناول مقالة نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 20 كانون الثاني، تحليلاً حول كيفية تغيّر السياسة السعودية مؤخراً، بما في ذلك التوترات مع الإمارات، وفتح السعودية حواراً حول تحالفات دفاعية مع تركيا وباكستان، وهو ما قد يشير إلى تحول في أولويات الرياض، وابتعاد إضافي عن فكرة التطبيع مع «إسرائيل». وتقول المقالة، «بشكل صريح، تُدير المملكة العربية السعودية ظهرها لإسرائيل والولايات المتحدة».
تناولت مقالة نشرتها صحيفة «معاريف» الموضوع ذاته، في 25 كانون الثاني، والتي سلطت الضوء على أن هذا التغيير في السعودية كان فشلاً في التحليلات العسكرية والأمنية، لا سيما من الطرف «الإسرائيلي»، وتضيف المقالة، أن «السعودية تُعدُّ قوة إقليمية نشطة تسعى جاهدةً لتشكيل تحالفات من شأنها إعادة ترتيب خريطة الشرق الأوسط وعزل إسرائيل، ومعها الإمارات العربية المتحدة، الشريك العربي الأبرز لإسرائيل. وتشمل هذه التحالفات تحالفاً دفاعياً ثلاثياً مع باكستان وتركيا، ومحاولةً لإنشاء تحالف أمني مع مصر والصومال. وفي حال تعذّر العمل مباشرةً ضد إسرائيل، يتمّ توجيه الضغط على الإمارات العربية المتحدة في اليمن والقرن الأفريقي وبحر العرب، مع إبداء دعم صريح لحكومتي جنوب اليمن والسودان».
كما تتحدث مقالة نشرتها «جيروزليم بوست» في 26 كانون الثاني عن بعض التوترات بين السعودية والإمارات في السياسات الخليجية الأوسع، مشيرة إلى أن ذلك قد يؤثر على توقعات تطبيع محتمل بين الرياض وتل أبيب. وتقول المقالة: إن موقف السعودية الذي تطور تدريجياً، قد يكون «مهماً لإسرائيل، وكذلك لدور الولايات المتحدة في المنطقة. لطالما نُظر إلى الرياض كطرف محتمل رئيسي للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام. وهذا يعني أن أي خلاف بين الرياض وأبو ظبي قد يؤثر على السياسات في إسرائيل وواشنطن». وتنوه المقالة إلى أنه «قبل عقد من الزمان، كانت المملكة العربية السعودية من أبرز منتقدي الاتفاق النووي الإيراني الذي أبرمته إدارة أوباما. وكانت الرياض وإسرائيل تتفقان في وجهات النظر بشأن المخاوف المتعلقة بإيران». وتضيف، «في ذلك الوقت، كانت تركيا أقرب إلى جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وكانت تميل إلى معارضة الحكومة... في القاهرة». وتسلط المقالة الضوء على عدة نقاط، منها: أن «الرياض أصلحت علاقاتها مع إيران في اتفاق توسطت فيه العراق والصين. وبدأت الإمارات العربية المتحدة بالتواصل مع نظام الأسد... كما بدأت اتجاهات أخرى بالتغيّر. فقد خفّفت تركيا من انتقاداتها للسعودية والإمارات. وتمكنت الرياض من ترسيخ مكانتها كلاعب رئيسي في المنطقة، من خلال التعاون مع الهند، والحفاظ على علاقات ودية مع موسكو وبكين... كل هذه التطورات مجتمعة قد تُقرّب الإمارات وإسرائيل، لكنها قد تُبقي اتفاقيات أبراهام على حالها دون توسيع نطاقها». كل ذلك «يعكس... تحولات في التحالفات الخليجية، مما له تداعيات على إسرائيل ودور الولايات المتحدة في المنطقة».
وفق تقرير على قناة «13TV» في 27 كانون الثاني، ورد خبر، بأن السعودية أبلغت طهران أنها لن تسمح باستخدام مجالها الجوي، أو أراضيها، في هجمات عسكرية ضد إيران، في وقت قامت فيه القوات الأمريكية بتمارين جوية في المنطقة، وسط توترات مع إيران، وتهديد أمريكي بالقصف. ووفق تقييم «إسرائيل»، فإن الولايات المتحدة لم تقرر بعد ما إذا كانت ستقوم بأي تحركات تجاه إيران أو متى.
وفق مقالة نشرتها صحيفة «معاريف»، في 23 كانون الثاني، والتي تطرقت إلى عدة آثار للتقارب التركي-السعودي، فإن قطاع الطاقة والجانب الاقتصادي بشكل عام، يكمن في صلب الإشكالية التي يواجهها الكيان بسبب هذا التقارب، وتقول المقالة: إنه «على المستوى الأمني الاستراتيجي، يتطلب تعزيز المحور التركي السعودي، وخاصة في ظل حالة عدم الاستقرار في سورية، والتصعيد في الساحة الإيرانية، تحديثاً مفاهيمياً للمحور الاقتصادي والطاقوي الإسرائيلي: مزيجاً ذكياً يجمع بين الحفاظ على حرية العمل العسكري، وبناء نظام بيئي إقليمي للبنية التحتية والتكنولوجيا وأمن الطاقة، بحيث تكون إسرائيل شريكاً حيوياً لا يمكن الاستغناء عنه».
تعالج مقالة نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 29 كانون الثاني، مسألة مدى الانتظار في السياسات «الإسرائيلية» في مواجهة التهديدات الحالية، وتقترح تقييم البدائل والاستعداد لنقطة قد تُغيّر قواعد اللعبة في المنطقة. تقول المقالة: «إن أي هجوم أمريكي موجه إلى إيران، قد يستهدف بشكل مباشر كبار المسؤولين... من شأنه أن يُحدث تغييراً في القيادة الإيرانية...، ولكن من المشكوك فيه أن يؤدي ذلك إلى تغيير مرغوب فيه في سياسة الجمهورية الإسلامية في المستقبل المنظور».
حول سورية
يثير الاتفاق بين الحكومة السورية و«قسد» في شمال شرقي البلاد قلقاً واضحاً لدى «إسرائيل»، حيث إنه يصب في إعادة توحيد سورية بعد سنوات من التفكك والسلطات المتوازية. من منظور «إسرائيلي»، إن توحيد الجغرافيا السورية والقرار السياسي والأمني، وفرصة إعادة بناء مؤسسات الدولة، يشكّل تهديداً محتملاً على الكيان، حتى وإن كان ذلك على المدى المتوسط أو البعيد.
في المقابل، يخدم استمرار حالة التقسيم مصالح «إسرائيل»، إذ يضمن بقاء سورية منشغلة بصراعات داخلية وترتيبات معقدة بين قوى محلية ودولية، ويحدّ من قدرتها على استعادة دور إقليمي فاعل. كما يسهّل هذا الواقع على «إسرائيل» إدارة المخاطر من خلال التعامل مع ساحات مجزأة ومتباينة.
تناقش مقالة نشرتها صحيفة «يديعوت أحرونوت» في 20 كانون الثاني، الاتفاق بين الحكومة السورية وقسد في شمال شرق سورية، حيث إن «إسرائيل» تنظر إليه باعتباره مكسباً لتركيا وأردوغان ويضع «إسرائيل» في وضع استراتيجي أصعب، مع تراجع القوى الكردية التي تسعى «إسرائيل» لتصويرها كحليف غير رسمي لها، بغض النظر عن رأي تلك القوى. وبحسب الكاتب، إن «لذلك تداعيات على علاقات دمشق مع (إسرائيل) كجزء من محاولة التوصل إلى اتفاق بين الدولتين». وتنقل المقالة عن شخص عسكري ومؤسس لمركز أبحاث في الشؤون الأمنية قوله: «ستكون المشكلة أكبر بكثير بعد عشر سنوات. في ذكرى الثورة، وُجّهت رسائل داعمة لحركة حماس، ونُظّمت عروض عسكرية تضمنت رسائل تُصوّر إسرائيل عدواً، في الوقت الذي يتحدثون فيه عن رغبتهم في التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل». ويضيف حول التداعيات على «إسرائيل» بعد اتفاق الحكومة مع قسد، «هذا يضعنا في موقف أقل ملاءمة، لأنه من الأفضل توقيع اتفاق مع طرف ضعيف، وفي بداية طريقه، ويحتاج إلينا أكثر مما نحتاج إليه. وما يحدث مع الأكراد يعزز موقفه بشكل كبير». ثم يقول: إن الحل هو في يد الأمريكان، وعلى الكيان إقناعهم بوقف ما يحصل. وتضيف المقالة، أن «التطورات المتعلقة بالقضية الكردية تُمثل تحدياً لإسرائيل»
وحول تركيا، تقول المقالة: «من التطورات السلبية الأخرى تعزيز النفوذ التركي في سورية. تسعى إسرائيل إلى إبعاد تركيا عن الساحة السورية، وأصرت على عدم وجود أي تواجد عسكري تركي في سورية. الآن، مع استسلام الأكراد، يبدو أن الأتراك هم الرابحون الأكبر. على إسرائيل أن تتأقلم مع الواقع الجديد في سورية».
نشرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» مقالة في 27 كانون الثاني، تناقش القلق الإسرائيلي من تراجع الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط، وخاصة في سورية، والذي يترك فراغاً تسعى تركيا لملئه. تشير المقالة إلى مخاوف «إسرائيل» من تأثير ذلك على حرية العمل الجوي في الشمال وباتجاه إيران، وتطرح اقتراحات أمنية ودبلوماسية لتعزيز استعدادها في مواجهة تهديدات تركية أو غيرها، بأمل عدم الانخراط في نزاع عسكري.
تقول المقالة: «إن الطريقة المفاجئة والوحشية التي تخلت بها إدارة ترامب عن الأكراد في سورية...، تثير قلقاً في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية. ليس فقط لأنها تخلٍ غير أخلاقي عن حليف، وليس فقط لأن هذا قد يحدث لإسرائيل يوماً ما، بل أيضاً لأن قرار اتخاذ هذه الخطوة اتُخذ في واشنطن كنتيجة مباشرة لتأثير أردوغان على الرئيس الأمريكي». وتضيف، «ليست هذه المرة الأولى التي يرغب فيها ترامب بسحب قواته من سورية. فقد حدث ذلك خلال ولايته الرئاسية الأولى، عندما مارست إسرائيل نفوذها وعرقلت هذه الخطوة جزئياً». كما تقول المقالة: إن «المشكلة الرئيسية التي تُقلق إسرائيل حالياً هي التوسع التركي، ومحاولات أنقرة ترسيخ وجودها العسكري في سورية. يهدف هذا التوسع إلى... تمكين الجيش التركي من نشر أنظمة رادار ودفاعات جوية وقواعد متقدمة بالقرب من إسرائيل، مما يُقيّد بشكل كبير حرية عملها الجوي ف
ي سماء سورية والعراق، وهي حرية تُعدّ من أهم الأصول الاستراتيجية لإسرائيل في مواجهة إيران والتهديدات الأخرى... إن حرية العمليات الجوية ضرورية لمنع أي تصعيد مستقبلي ونوايا هجومية من قبل العناصر المعادية العاملة في سورية والعراق ولبنان».
نشرت صحيفة «معاريف» في 29 كانون الثاني مقالة حول الوضع في المنطقة، تحدثت حول تصريحات لجيش الاحتلال حول الاتفاق في غزة، وفيما يتعلق بسورية، قال الكاتب: إن «إسرائيل» ليست لديها أية أوهام حول السلطة في دمشق، وأن ما قيل حول الساحة السورية، «يجب أن يُثير قلق الجميع. ففي إسرائيل، يربطون بين التحركات التي قام بها الجولاني في الأشهر الأخيرة»، والمقصود أحداث الساحل والسويداء والشمال الشرقي، وحول ذلك أضاف، «أن الجيش الإسرائيلي يدرك أن هذا نظام عنيف وقاسٍ يعمل بدوافع جهادية، ولديه علاقات وثيقة مع تركيا، التي لا تُخفي موقفها الحالي تجاه إسرائيل، وتسعى تدريجياً إلى بناء محور سني متطرف يضم قطر وحماس»، وأن على «إسرائيل قريباً وضع سياسة تجاه الإدارة الأمريكية، التي اضطلعت بدور رعاية غزة وتعزيز مكانة نظام الجولاني في سورية»، إلا أن «المشكلة الكبرى تكمن في أن ما يشغل بال الإدارة الأمريكية والمؤسسة الأمنية الإسرائيلية هو ملف إيران، الذي يُعتبر في الوقت الراهن الأكثر إلحاحاً وتهديداً... والسؤال هو ... ما هي خطط إسرائيل العسكرية للتعامل مع الواقع الذي قد يتطور في غزة وسورية ولبنان، وكذلك في مصر والأردن ودول الخليج العربي بعد الحرب التي لم تبدأ بعد».
خلاصة
توضح المقالات التي جرى الاقتباس منها أعلاه، أن «الإسرائيلي» يدرك بشكل واضح حجم التحولات الإقليمية الجارية ضد مصالحه، وخاصة التقارب الجاري بين السعودية، وإيران، وتركيا، ومصر، وباكستان. وعلى العكس من العمل الإعلامي الكثيف الذي تقوم به هي نفسها عبر (الإعلام العربي) و(مؤثرين عرب)، للتقليل من شأن التقارب بين هذه الدول، فإن «إسرائيل» في إعلامها الداخلي، تنظر بجدية وقلق شديد إلى هذا التقارب، منطلقة من أنه غدا أمراً واقعاً، ينبغي العمل من أجل تغييره، لأنه إن اكتمل فليس لدى الكيان القدرة على التكيف معه.
بالنسبة لسورية، تنطلق المخاوف «الإسرائيلية» من التغييرات الجارية، من إدراك أن البيئة الإقليمية الهشّة وغير المستقرة والمتنافرة سابقاً، أعطتها المجال لإدارة التهديدات، والفرصة لإنهاء دور سورية التاريخي في المنطقة. فإن استمرار وتعميق وتثبيت تقسيم سورية وتعدد مراكز القوى– بالأخص على أساس ديني أو قومي– يتيح للكيان إضعاف أي إمكانية لبلورة مشروع وطني سوري موحّد، ويحدّ من قدرة سورية على استعادة دورها الإقليمي. هذا الواقع يسمح لـ «إسرائيل» بالمناورة والتدخل عند الحاجة، ويمنع تشكّل جبهة متماسكة على حدودها الشمالية.
أبعد من ذلك، ترى «إسرائيل» أن بقاء المنطقة في حالة انقسام هوياتي وطائفي يخدم سرديتها السياسية والأيديولوجية، إذ يخفف من حدّة التناقض القائم حول كونها الدولة الوحيدة القائمة على أساس ديني في محيطها. فكلما ازدادت المنطقة انقساماً على أسس دينية وقومية، وكلما ضعفت نماذج الدولة الوطنية الجامعة، تراجعت الضغوط السياسية والأخلاقية الموجهة لها بشأن طبيعة نظامها وهويتها. من هذا المنظور، فإن إعادة توحيد سورية أو استقرارها يشكّل خطراً أمنياً واقتصادياً على الكيان، كما أنه يشكّل تحدياً سياسياً قد يعيد طرح أسئلة الهوية والشرعية في الإقليم بصورة أقل ملاءمة للمصالح «الإسرائيلية» ويهدد بشكل مباشر وجودها، وبالأخص في ظل التغييرات والتحولات في العلاقات بين دول المنطقة، التي استخدمت «إسرائيل» تناقضاتها على أسس دينية-طائفية وإيديولوجية، لخدمة مصالحها وضمان استمراريتها على مدى عقود.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1263
ريم عيسى
