كم ميليمتراً من الوطنية لديك؟
أثبتت السنة الأخيرة، في ظل انعدام برنامج تغيير حقيقي لدى السلطة القائمة يصب في مصلحة الناس (فالواضح أن لديها برنامجها الخاص اقتصادياً واجتماعياً والذي لا يصب في مصلحة الناس)، وفي ظل غياب برامج التغيير لدى قسم مهم من القوى التي ترى نفسها معارضة للسلطة، وفوق هذا وذاك، في ظل إسهام الخارج بقدر هائل من التحريض الطائفي والقومي والديني، ظهر أن عمق الوطنية لدى كثيرين لا يتجاوز بضع ميليمترات سطحية من أجسادهم، وربما أقل...
مع أول احتكاك جدي، قشر هؤلاء عن أنفسهم الطرح الوطني، ناهيك عن الطرح الأممي والإنساني، وتركوا وراءهم النظريات الكبرى، وارتدّوا طائفيين منغلقين كما كانوا دائماً في حقيقة الأمر، والفارق أن الواقع لم يكن ضاغطاً عليهم بالقدر الكافي لتبيان حقيقة مواقفهم...
رغم أن الأمر قد يبدو صادماً، خاصة حين ترى أشخاصاً من المفترض أنهم صرفوا سنوات من أعمارهم في النضال الوطني، وفي الدفاع عن الفقراء والمنهوبين من السوريين، بغض النظر عن دين أو طائفة أو قومية، وفجأة يتحول هؤلاء إلى منظري انعزال طائفي، طبعاً الانعزال هنا يعني الانعزال بالتحديد عن بقية السوريين، ولكنه في الوقت نفسه انفتاح على «الغرب الحر» وضمناً على «إسرائيل الديمقراطية» ...
بالمقابل، هنالك انعزال من النوع نفسه، ولكن على مقلب آخر، يتغطى هذه المرة بالعداء لـ«إسرائيل»، ويتغطى بـ«الوطنية»، ليخوّن طوائف وقوميات بقضها وقضيضها. وهؤلاء أنفسهم، كانوا قبل أشهر قليلة، يسوغون أي مسعى للعمل ضد نظام الأسد، بما في ذلك عبر التعاون مع الأمريكان و«الإسرائيليين»، وبل وهم اليوم أيضاً يتبرعون بلعب دور أبواق للسلطات، فيبررون أي توجه تتجهه في العلاقات الدولية، وينظّرون لأهميته وحكمته وتاريخيته وإلخ...
رغم رداءة ما نراه على السطح، من الطائفيين من هذا الطرف وذاك على حدّ سواء، إلى أنهم بمجموعهم يمثلون خلاصة عملية التطهير التاريخي التي تمر بها البلاد؛ فالأمراض المتراكمة عبر عقود طويلة، تطفو الآن على السطح، ممثلة بالطائفيين من مختلف الأطراف، والذين يتناسبون مع هذه المرحلة البائسة إلى حد بعيد، ولكنهم سرعان ما سيتم لفظهم إلى حيث مكانهم الطبيعي، على هامش التاريخ وعلى هامش المجتمع...
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1254