مع أوكرانيا... تضيق هوامش اللعب بين الغرب والشرق.. حول تخوفات الكيان من التأثيرات عليه وعلى سورية

مع أوكرانيا... تضيق هوامش اللعب بين الغرب والشرق.. حول تخوفات الكيان من التأثيرات عليه وعلى سورية

منذ بدأت الأزمة الأوكرانية بالتصاعد بشكل دراميٍ مؤخراً، وخاصة بعد انطلاق العملية العسكرية الروسية، بدأت الدول في مختلف أنحاء العالم بالاصطفاف اصطفافاً حاداً في هذا الجانب أو ذاك؛ وباتت الأمور مستقطبة إلى الحد الأقصى؛ إما أن تقف مع الغرب أو ضده. مع ذلك، فإنّ بعض اللاعبين الإقليميين والدوليين، وجدوا أنفسهم ممزقين في ظل هذا الاصطفاف، لاعتبارات متعددة.

كنا قد تحدثنا في مقال سابق عن السلوك «الإسرائيلي» اتجاه القضية الأوكرانية في سياق مناقشة الدوريات الجوية المشتركة التي قامت بها روسيا مع الجيش السوري بالقرب من الجولان السوري المحتل.
مع تصاعد الأحداث في أوكرانيا الأسبوع الماضي، بدأت وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم في التغطية والتحليل الفوريين. غطت وسائل الإعلام «الإسرائيلية» هذا الموضوع على نطاق واسع، مع عشرات المقالات والتحليلات، وكلها تقريباً تربط ما يجري بسورية... ومن المثير للاهتمام، أن العديد من وسائل الإعلام الغربية قد ناقشت أيضاً هذا الموضوع نفسه (أوكرانيا) مع التركيز على «إسرائيل» وموقفها منه، ومع الإشارة دائماً إلى سورية.
هنا، سوف نلقي نظرة على بعض ما قالته وسائل الإعلام، وخاصة «الإسرائيلية»، حول الأحداث في أوكرانيا خلال الأسبوع الماضي، لما لذلك من أهمية في فهم تأثيرات ما يجري بالمعنى العالمي على منطقتنا ككل، وعلى الصراع الأساسي فيها:

الإثنين 21 شباط

قبل بدء معركة أوكرانيا، نشرت صحيفة «تايمز أوف إسرائيل» مقالاً يستكشف المخاوف «الإسرائيلية» من تأثيرات العقوبات الأمريكية على روسيا في الغارات «الإسرائيلية» على سورية. وبحسب المقال: «قال مسؤولون أمنيون لم يكشفوا عن أسمائهم... إن علاقات إسرائيل الوثيقة مع الولايات المتحدة قد تعرّض تنسيقها مع موسكو للخطر فيما يتعلق بعملياتها في سورية».
يستشهد المقال بقول مسؤول إن: «العقوبات الأمريكية ضد روسيا تضع إسرائيل في موقف محرج للغاية... الولايات المتحدة حليفٌ مستقر طويل الأمد، لكن إسرائيل بحاجة إلى روسيا في ظل الظروف السائدة في الشرق الأوسط».
ويتابع المقال الحديث عن علاقة «إسرائيل» بروسيا التي أصبحت متوترة بشكل متزايد مؤخراً، مشيراً إلى الدوريات الجوية المشتركة المذكورة أعلاه. وفي هذا الصدد، أشار المقال إلى أن: «المسؤولين الإسرائيليين يجاهدون لفهم سبب قيام روسيا، التي أعلنت أن مثل هذه الدوريات المشتركة كان من المتوقع أن تكون حدثاً منتظماً، بتغيير سياستها اتجاه إسرائيل».

الثلاثاء 22 شباط

نشر موقع إخباري «إسرائيلي»، News1، مقالاً قبل المعركة أيضاً، يستكشف تأثير الأزمة الوشيكة على «إسرائيل». بدأ المقال بالقول إن: «إسرائيل لن تكون قادرة على الحفاظ على الحياد وستضطر إلى الوقوف إلى جانب واشنطن، مع الحفاظ على قناة حوار مع موسكو». وبحسب المقال، فإن جميع دول المنطقة، وليس «إسرائيل» فقط، «مهتمة بالحفاظ على موقف محايد قدر الإمكان وتجنب اتخاذ موقف واختيار جانب». يتابع المقال أنه «على الرغم من الفهم بأن الولايات المتحدة تقلل من مشاركتها في الشرق الأوسط، لا تزال معظم دول المنطقة ترى العلاقات الجيدة مع الإدارة الأمريكية كركيزة أساسية في تصورها الأمني. ومن ناحية أخرى، فإنّها ترى أن عليها توسيع العلاقات العسكرية وصفقات شراء الأسلحة الروسية، بما يتجاوز الانخراط الروسي العميق في الحرب في سورية».
وفقاً لهذا المقال، فإن للأزمة الأوكرانية تداعيات على ثلاثة مستويات: عالمية وإقليمية وعلى «أقرب جارٍ في الشمال» - أي سورية. حول هذه الأخيرة، يقول المقال إن «رد الولايات المتحدة على هجوم روسي في أوكرانيا... من المرجح أن يكون له عواقب سلبية على إسرائيل. كجزء من رد روسيا على حلفاء الولايات المتحدة، من الممكن أن توقف موسكو التنسيق العملياتي الروسي الإسرائيلي وكذلك يمكن أن تحاول إحباط الهجمات الإسرائيلية في سورية».
ويختتم المقال بتوصيات تميل جميعها في جوهرها إلى الفكرة نفسها القائلة بأن العلاقة مع الغرب، ولا سيما الولايات المتحدة، هي الأكثر أهمية بالنسبة لـ «إسرائيل»، ويختتم بالقول «يجب على إسرائيل أن توسع جهودها لتأسيس العلاقات مع دول المنطقة وتوجيه رسائل إيجابية لها، من أجل الاستعداد لاحتمال حدوث صدمات داخلية فيها ومنع حدوث انتكاسة في عملية التطبيع. وسيرسل هذا أيضاً رسالة إلى الولايات المتحدة مفادها أن إسرائيل ليست فقط في الجانب الصحيح، ولكنها تعمل على إنشاء جبهة إقليمية تدعم سياساتها».
مقال في ميدل إيست آي، أحد وسائل الإعلام الغربية العديدة التي تحدثت أيضاً عن هذا الموضوع بإسهاب، تناول على وجه التحديد مخاوف «إسرائيل» فيما يتعلق بالعقوبات الأمريكية على روسيا وكيف سيؤثر ذلك على عملياتها في سورية. يشير المقال إلى أنه بينما تتمتع «إسرائيل» بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة (والغرب بشكل عام) وروسيا وأوكرانيا، فقد «قال العديد من المسؤولين الإسرائيليين إنه إذا كان عليهم الاختيار بين الجانبين، روسيا أو الولايات المتحدة، فإنهم سيضطرون إلى الوقوف إلى جانب واشنطن». ونقل المقال عن وزير «إسرائيلي» قوله «قلبنا في اتجاه الولايات المتحدة».

الأربعاء 23 شباط

نشرت صحيفة جيروزاليم بوست مقالاً قدم لمحة عامة عن دور «إسرائيل» في سورية في سياق علاقتها مع روسيا، وكيف تدهورت هذه العلاقة بشكل عام مع مرور الوقت. وفي هذا السياق يشير المقال إلى أن «إسرائيل قريبة من شركائها الخليجيين ومن الولايات المتحدة، لكن سوريا قضية كبيرة» – بما يعني أنّه يصعب على الكيان أن ينحاز علناً وبشكل كامل للولايات المتحدة ضد روسيا انطلاقاً من أهمية المسألة السورية.
وفي حين لم يتم إجراء ربط بشكل مباشر مع قضية أوكرانيا، فإن المقال يقيم المقارنة بناءً على التجربة السورية حول سبب حاجة «إسرائيل» إلى توخي الحذر في الطريقة التي تتعامل بها مع مسألة أوكرانيا، وبالمعايير نفسها: القرب من الولايات المتحدة/ الغرب، ولكن هنالك قضايا مهمة تتعلق بروسيا.
ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت أنه بعد المشاورات بين كبار المسؤولين، بمن فيهم رئيس الوزراء ووزير الخارجية، «أصدرت وزارة الخارجية أول موقف رسمي لها لدعم أوكرانيا - ولكن دون إدانة تصرفات روسيا» (في 24 شباط، نشرت وزارة الخارجية «الإسرائيلية» بياناً رسمياً يدين الهجمات، لكن دون إدانة مباشرة لروسيا أو الرئيس الروسي. وفي اليوم نفسه، خلال كلمة ألقاها في حفل تخرج ضباط جيش الاحتلال، ذكر رئيس الوزراء «الإسرائيلي» نفتالي بينيت الأزمة في أوكرانيا، داعياً إلى الحوار المؤدي إلى حل، لكنه لم يذكر روسيا ولو مرة واحدة).
ونقل مكتب بنيت رسائل مماثلة. وفي هذا الصدد، و«بحسب مصدر سياسي، جاء البيان بعد حوار مع الأمريكيين حول الموضوع، ولم يكن هناك مطلب أمريكي لإدانة إسرائيلية صريحة لروسيا». بالإضافة إلى ذلك «شارك مسؤولون كبار من وزارة الخارجية وهيئة أركان الأمن القومي (مجلس الأمن القومي) في المناقشات، بهدف صياغة بيان لا يغضب روسيا - وهي سلطة يجبر نفوذها المطلق على سورية إسرائيل على التصرف بالتنسيق الكامل معها».
جدير بالذكر أنه خلال اجتماع لمجلس الأمن عقد في 23 شباط حول القضية الفلسطينية، انتقد الممثل الروسي لدى الأمم المتحدة بشدة الإجراءات «الإسرائيلية» في فلسطين وضد الفلسطينيين، و«أعرب عن قلقه إزاء خطة تل أبيب لتوسيع الأنشطة الاستيطانية في فلسطين وفي مرتفعات الجولان السورية»، وأضاف أن روسيا «لا تعترف بسيادة إسرائيل على تلك المنطقة التي تشكل جزءاً لا يتجزأ من سورية». وهذا الكلام نفسه نشر أيضاً في تغريدة على الموقع الرسمي للبعثة الروسية لدى الأمم المتحدة.

--2

الخميس 24 شباط

خلال اليوم الأول من المرحلة العسكرية للأزمة، كان هناك عدد كبير من المقالات والتحليلات، ركز الكثير منها على ارتباط المسألة بالمنطقة وبسورية على وجه التحديد. فيما يلي بعض مما جاء في المقالات العديدة المنشورة في هذا اليوم...
ربط مقال في صحيفة هآرتس البيان المؤيد لأوكرانيا بالأزمة السورية، والذي كما ذكر أعلاه –أي البيان- «امتنع عن ذكر روسيا أو الرئيس بوتين». يمضي المقال ليقول إن: «لإسرائيل مصلحة في الحفاظ على الحياد من أجل منع صراع يصعب معه مواصلة هجماتها في سورية، حيث لروسيا وجود عسكري».
نشرت صحيفة جيروزاليم بوست مقالاً بعنوان «الحرب في أوكرانيا لن توقف حملة «الحرب بين الحروب» الإسرائيلية في سورية»، حيث نظرت في الهجمات الأخيرة على سورية، ثم ينتقل المقال إلى ملاحظة أنه «مع تصاعد التوترات بين موسكو وكييف والغرب، كانت [إسرائيل] براغماتية للغاية في تحديد كيفية استجابتها للأزمة. لكن إسرائيل تدرك أنها لا تستطيع وقف عملها العسكري ضد حزب الله وإيران».
وبالنظر إلى العواقب المحتملة لموقف أوضح، يشير المقال إلى أنه «في حين أنه من غير المرجح أن تعترض القوات الروسية في سورية طائرات أو صواريخ إسرائيلية، يمكن أن تغض موسكو الطرف عن تصرفات إيران وحزب الله في البلاد. حتى أنهم قد يسمحون للقوات السورية بتشغيل بطاريات الدفاع الصاروخي S-300 و S-400 المتقدمة التي كانت حتى الآن مدارة من قبل القوات الروسية».
تحدث مقال آخر، نشرته صحيفة جيروزاليم بوست أيضاً، عن كيفية قيام جيش الاحتلال «بمراقبة [أوكرانيا] عن كثب من أجل معرفة ما قد يواجهونه في حرب مستقبلية على الجبهة الشمالية، حيث تم تدريب القوات السورية وتقديم مساعدات عسكرية لها من قبل روسيا». ويختتم المقال بالقول إنه «بينما من المرجح أن يراقب الجيش الإسرائيلي حرب أوروبا من الخطوط الجانبية، فإنه سيراقبها عن كثب. وسيدرس... كل القوة العسكرية التي يستخدمها كلا الجانبين، من أجل الاستعداد بشكل أفضل للحرب المقبلة».
في مقابلة مع سروجيم، وهي وسيلة إعلامية «إسرائيلية»، تطرق ناتان شارانسكي إلى موضوع أوكرانيا وربطها بسورية. كخلفية، شارانسكي هو سياسي «إسرائيلي»، تم اعتقاله وسجنه في السجون السوفيتية لمدة 9 سنوات بتهمٍ تشمل الخيانة العظمى والتجسس لعدد من الأمريكيين. وانتقد في المقابلة تصريح بينيت بشأن القضية الأوكرانية، قائلاً «من الواضح أننا مقيدون بسبب سورية والصداقة مع أوكرانيا... نعم، هناك مصلحة سياسية هنا، لكن لا يمكننا تجنب موقفنا الأخلاقي». ويضيف: «حقيقة الوجود الروسي في سورية إشكالية للغاية. في البداية، إنها مشكلة كبيرة. ليس هناك شك في أنه إذا لم تكن لدينا الحدود، لكان بإمكاننا التصرف مع أوكرانيا بطريقة مختلفة تماماً».

الجمعة 25 شباط

نشرت ذا تايمز أوف إسرائيل مقالاً بدأ بالإشارة إلى أن «[إسرائيل] ممزقة بسبب الرغبة في الوقوف مع الحلفاء الرئيسيين في إدانة الغزو، ولكنها أيضاً حذرة جداً من استعداء موسكو، التي تلعب دوراً عسكرياً رئيسياً في الجهة الأخرى من الحدود الشمالية لإسرائيل». يؤدي هذا إلى التساؤل عما يجب فعله: «الوقوف إلى جانب الروح الغربية التي احتضنتها إسرائيل منذ نشأتها، أم الاهتمام بالعملاق الروسي الذي يلوح في الأفق على عتبة إسرائيل، في سورية؟»، ويشير أحد التعليقات إلى أن «روسيا تسيطر على المجال الجوي في سورية، وترى إسرائيل ضرورة الاستمرار في القيام بعمليات في سورية... وهي بحاجة إلى موافقة ضمنية على الأقل من الكرملين. لذلك، ستجد أن يدها مقيدة طالما أنها تعطي الأولوية لهذه العمليات العسكرية».
يشير المقال إلى مناسبات سابقة حاولت فيها «إسرائيل» أن تكون براغماتية مع روسيا؛ «في عام 2014، عندما حفزت الولايات المتحدة قراراً للجمعية العامة للأمم المتحدة يدين استيلاء روسيا على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا، نأت إسرائيل بنفسها، وخرقت ممارستها المعتادة في التصويت مع الولايات المتحدة حتى في أكثر القضايا غموضاً».
ومن المثير للاهتمام، أن مقالاً آخر في «ذا تايمز أوف إسرائيل» نشر اليوم، ذكر أنه «على الرغم من طلب إدارة بايدن لدعم قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي يدين الغزو الروسي لأوكرانيا، امتنعت إسرائيل عن القيام بذلك». في النهاية، وقعت 81 دولة على القرار بصفتها راعية للقرار، لكن القرار فشل في تمريره في مجلس الأمن، حيث عارضته روسيا، وامتنعت الصين عن التصويت عليه. يصف المقال علاقة «إسرائيل» بالطرفين بطريقة مثيرة للاهتمام، لكنها معبرة جداً: «إسرائيل هي واحدة من الدول القليلة التي تحافظ على علاقات دافئة نسبياً مع كل من أوكرانيا، وهي دولة ديمقراطية غربية أخرى، بالإضافة إلى روسيا، التي تسيطر على المجال الجوي فوق سورية».

السبت 26 شباط

تجدر الإشارة إلى الأمر الذي تناقلته العديد من وسائل الإعلام، بما في ذلك مقال نُشر في «ذا تايمز أوف إسرائيل»، بخصوص منشور للسفارة الأوكرانية في «إسرائيل» يدعو الناس للتطوع للقتال ضد روسيا. وتم حذف هذا المنشور في وقت لاحق.

خلاصة:

رغم المحاولات المستميتة التي تبذلها «إسرائيل» لتصوير نفسها في موقع غربي بطبيعة الحال، ولكن محايدٍ نسبياً اتجاه روسيا، إلا أنّ تصاعد التناقض الغربي الروسي يضيق مع كل ساعة إضافية الهوامش التي يحاول كيان الاحتلال اللعب ضمنها؛ فكل الألعاب الإعلامية والسياسية التي تسعى «إسرائيل» من خلالها إلى تصوير نفسها «دولة طبيعية»، توازن علاقاتها الدولية وفقاً لمصالحها، تدهس بشكل متسارع تحت عجلات الواقع والحقيقة؛ فـ«إسرائيل» بوصفها من حيث الجوهر مشروعاً غربياً واستعمارياً، ومع تصاعد التناقض، لا يمكنها أن تكون غير ذلك، ولا يمكنها تالياً إلى أنْ تبرز للعلن اصطفافها المعروف مسبقاً للجميع، أي اصطفافها الغربي، وبخاصة ضمن المعسكر الأمريكي البريطاني، الذي يلعب اليوم الدور الأكثر شراسة في مواجهة روسيا... وهذا كله بطبيعة الحال، لن يمر دون آثار كبرى وتأثيرات كبرى على الوضع في سورية...

 

(English Version)

معلومات إضافية

العدد رقم:
1059
آخر تعديل على الثلاثاء, 01 آذار/مارس 2022 19:58