يونغه فلت: الذئب المتخفي في رداء حَمَل ... حول محاولات سورنة النصرة
يونغة فلت- ديما النجار يونغة فلت- ديما النجار

يونغه فلت: الذئب المتخفي في رداء حَمَل ... حول محاولات سورنة النصرة

تنشر قاسيون فيما يلي الترجمة الكاملة لمقالتي الرفيقة ديما النجار اللتين نشرتا في جريدة يونغه فلت الألمانية اليسارية يوم 14 من الجاري، عن محاولات سورنة النصرة، وعن السياسات الأمريكية في سورية.

ترجمة قاسيون

قصة طويلة..

أعلن الموقع الإلكتروني للشبكة التلفزيونية الأمريكية PBS في نيسان 2021 بأنه سيطلق قريباً فيلماً وثائقياً يكون بطله أبو محمد الجولاني، زعيم التنظيم الإرهابي «هيئة تحرير الشام» المسيطر في محافظة إدلب شمال غرب سورية.
كان كل من أبو محمد الجولاني وأبو بكر البغدادي (زعيم داعش) سجناء في سجن بوكا الأمريكي، أحد المعتقلات الأمريكية السابقة في العراق. أطلق سراح البغدادي عام 2004 من قبل الأمريكان، الذين وصفوه بأنه لا يشكل خطراً، وبالمثل تم اعتبار الجولاني غير خطر وأطلق سراحه عام 2008. غير أن الأول بعينه أصبح قائداً لتنظيم الدولة الإسلامية في العراق عام 2010، وفي عام 2011 أرسل أحد أتباعه أبو محمد الجولاني إلى سورية لتأسيس فرع لتنظيم القاعدة. أعلن أبو محمد الجولاني تأسيس جبهة النصرة في كانون الثاني 2012.
في نيسان 2013 أعلن البغدادي توحيد تنظيمي الدولة الإسلامية في العراق وجبهة النصرة في سورية في تنظيم واحد تحت اسم الدولة الإسلامية في العراق والشام. فرفض الجولاني الأمر ورفع القضية إلى زعيم الجهاد العالمي أبو أيمن الظواهري، الذي أصدر الأمر ببقاء النصرة في الشام والدولة في العراق. ومنذ ذلك الحين نشط التنظيمان في سورية.
عام 2016 غيرت جبهة النصرة اسمها لتصبح «جبهة فتح الشام» وأعلنت شكلياً انفصالها عن القاعدة. هذه المناورة كانت ضرورية لها بعد صدور قرار الأمم المتحدة 2254 عام 2015 الذي استثنى تنظيم الدولة وجبهة النصرة وكل التنظيمات المرتبطة بالقاعدة من الهدنة المزمعة. كما ضغطت اجتماعات أستانا واتفاقية سوتشي في الاتجاه ذاته. عام 2017 ضمت جبهة فتح الشام لها مجموعة من الفصائل الأخرى وغيرت اسمها من جديد ليصبح «هيئة تحرير الشام».
فيما ظل ترامب صامتاً لدى كلامه عن التنظيمات الإرهابية عن مستقبل هيئة تحرير الشام، خرج المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الأمريكية للشأن السوري جيمس جيفري عن هذا الصمت ليقول في نيسان لشبكة PBS بأن هيئة تحرير الشام تعتبر «مكسباً/ أصلاً» للإستراتيجية الأمريكية في إدلب.

ذئب متخف في رداء حمل

يبدو أن الفرصة قد فاتت للحصول على 10 ملايين دولار أمريكي لقاء معلومات عن أبو محمد الجولاني زعيم التنظيم الإرهابي هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً). فالغرب قد غسله وألبسه الصورة التي تناسبه. بل أكثر من ذلك دعاه لالتقاط الصور مع الصحفي الأمريكي مارتن سميث، الذي نشر تلك الصور عندما كان عائداً من إدلب في شهر كانون الثاني 2021 وأعلن عن التحضير لفيلم وثائقي عن الجهاديين لمنصة الأفلام الاستقصائية Frontline للتلفزيون الأمريكي PBS.

1018-3

أهداف هجوم مشتركة

مقابلة Frontline PBS لم تكن أول محاولة لتطبيع العلاقة مع هيئة تحرير الشام، بل أول من فعل ذلك هو المجموعة الدولية للأزمات، عندما قامت بأول مقابلة مع الجولاني استمرت 4 ساعات في شباط من العام الفائت. والمجموعة الدولية للأزمات هذه هي مركز أبحاث يديره روبرت مالي، الذي تولي مناصب استشارية هامة في أكثر من إدارة أمريكية، فقد عمل مساعداً خاصاً للرئيس بل كلينتون حول الصراع العربي- «الإسرائيلي»، كما كان مساعداً خاصاً لباراك أوباما ضمن الحملة على داعش. ومع قدوم إدارة بايدن بداية العام الجاري نشرت المجموعة الدولية للأزمات تقريراً تنصح فيه الحكومة الأمريكية أن تعيد تعريف حربها على الإرهاب.
جاء انفتاح الإعلام الغربي البرجوازي على الجولاني بعد تصريح لافت لجيمس جيفري المبعوث الخاص لوزارة الخارجية الأمريكية في الشأن السوري في كانون الثاني 2020، وضح فيه أن «هيئة تحرير الشام تدّعي بأنها تركز بشكل أساسي على قتال نظام بشار الأسد»، وعلى الرغم أن واشنطن «لم تقبل هذا الافتراض بعد» بحسب جيفري، إلّا أنه يعطي إشارات بأنه يريد «جدياً» أن يتحقق من الأمر، يقول: «هم (أي: هيئة تحرير الشام) يدّعون أنهم مقاتلون وطنيون معارضون وليسوا إرهابيين، ونحن لم نر أنهم شكلوا تهديداً دولياً منذ فترة».
التقارير المشار إليها آنفاً تقول بأن «هيئة تحرير الشام لا تشكل خطراً دولياً لأنها تقاتل الأسد وحلفاءه روسيا وإيران». وفيما يخص العلاقة مع «الحزب التركستاني الإسلامي»، يوضح الجولاني للمجموعة الدولية للأزمات: «كونهم من الإيغور، فإنهم يواجهون الاضطهاد في الصين– الأمر الذي ندينه بشدة– وليس لديهم مكان آخر يذهبون إليه. أنا بالطبع أتعاطف معهم» ويضيف «هم موجودون في سورية منذ سبع سنوات ولم يشكلوا تهديداً دولياً». من الواضح أن الجولاني ومراكز الأبحاث الغربية تعني بمصطلح «دولي» الغرب فقط!

«سورنة» هيئة تحرير الشام

أبعد من ذلك، يحاول الجولاني بالتعاون مع «مراكز الأبحاث الغربية» أن يسورنوا هيئة تحرير الشام ويسوّقوها كجزء طبيعي من النسيج الاجتماعي السوري. فقد نقلت المجموعة الدولية للأزمات بأنهم سمعوا خلال زيارة لهم في إدلب من المسيحيين القاطنين هناك بأن «السلطات المحلية حسنت تعاملها مع الناس منذ رسخت هيئة تحرير الشام حكمها» وأكثر من ذلك، ووفقاً للمركز نفسه، «تسمح الهيئة للنساء أن يكشفن عن وجوههن وأن يذهبن إلى الجامعة».
كما يدعي الجولاني بأن الإيديولوجية الحالية للهيئة تعتمد على الفقه الإسلامي، «تماماً مثل أية مجموعة سنية سورية أخرى. وذلك خلافاً للسلفية التي تعتمد فقط الشريعة، تفسرها بشكل محافظ جداً، ولا تقبل التفسيرات الحديثة للنص، وتعتبرها ضلالاً يستحق القصاص». وللسخرية تبعاً لذلك يصبح الجولاني ليس فقط «معتدلاً»، بل ويمكن أن يعتبر أنه يعمل تحت سقف الدستور السوري لعام 2012 الذي نص في المادة الثالثة منه: «الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع».
في أيلول 2017 شكلت هيئة تحرير الشام ما يسمى بحكومة الإنقاذ لتخدمها كواجهة مدنية لسلطتها العسكرية في إدلب. ولأجل ذلك قامت بترحيل الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف السوري المعارض إلى المناطق التي احتلها الجيش التركي في عمليات «غصن الزيتون» و«درع الفرات». في تقييم لمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى عن أداء «الحكومات السورية الثلاث في مواجهة فيروس كورونا» تم امتداح أداء «حكومة الإنقاذ» ووصفت بأنها فقط «حكومة تكنوقراط»، أي: حكومة ليس لها أجندة سياسية.

«زملاء» جدد

أخيراً وليس آخراً، وفقاً لوجهة النظر الغربية الجديدة للإرهاب، فإن هيئة تحرير الشام تتناسب مع الصورة التي رسموها باعتبارها «زميلًا» مزعوماً في الحرب ضد الإرهاب، إذ تقول المجموعة الدولية للأزمات: «حاولت هيئة تحرير الشام القضاء على خلايا داعش النشطة في إدلب» وبحسب الجولاني فالهيئة «تقوم باحتواء نشاط تنظيم حراس الدين». وفقاً للمجموعة الدولية للأزمات، فإن «حراس الدين» أصبحوا الآن «الفرع الرسمي للقاعدة في إدلب». من الناحية الرسمية إذاً، لم تعد هيئة تحرير الشام تعتبر فرعاً من فروع القاعدة: ذئبٌ مُتخفٍّ في رداء حَمَل!

حالة جمود في سورية: والغرب يدعم تقسيم الأمر الواقع

«الجمود هو الاستقرار»، بهذه الكلمات لخّص المبعوث الخاص للخارجية الأمريكية في الشأن السوري في عهد ترامب، جيمس جيفري، السياسة الأمريكية في سورية في مقابلة مع المنصة الخاصة بالسياسات الأمنية الأمريكية Defense One ناصحاً إدارة بايدن بتبني هذه السياسة، ويقول جيفري: إن على الإدارة الجديدة ألا تقول عن هذه السياسة إنها سيئة لمجرد أنها صنعت وقت ترامب.
من غير المختلف عليه بين المراقبين السياسيين بأن ميزان القوى العالمي ما عاد ليسمح بنصر إستراتيجي للغرب. لذا يبدو أفضل الحلول للغرب تحت الظروف الحالية هو إعاقة التوصل لحل نهائي في القضية السورية وترك البلاد للفوضى. لذا يتساءل معهد واشنطن في 3 أيار الماضي: أليس الجمود «هو أقل الخيارات سوءاً في سورية»؟
ثمة مؤشرات على أن الجهود الغربية تتركز على تثبيت تقسيم الأمر الواقع في سورية في ثلاث مناطق: المنطقة الأكبر تحت سيطرة الحكومة السورية، الشمال الشرقي تحت سيطرة مجلس سورية الديمقراطية، والشمال الغربي موزع بين المنظمة الإرهابية هيئة تحرير الشام في إدلب وما يسمى «الجيش الوطني السوري» في مناطق الاحتلال التركي. في جميع هذه المناطق يعاني السوريون ظروفاً اقتصادية اجتماعية شديدة البؤس ويرزحون تحت عنف السلاح والاضطهاد السياسي.
يتم دعم كل من القوى المسيطرة في المناطق الثلاث من قبل الغرب إلى تلك الدرجة التي لا تنتصر فيها ولا تهزم، على أمل أنّ إطالة الأزمة قد تسمح أن تتحول خطوط الفصل العسكرية الحالية إلى خطوط فصل سياسية واقتصادية. وهنا تلعب العقوبات الغربية وحيدة الجانب دوراً هاماً؛ فإضافة إلى أثرها على الحياة الاقتصادية للشعب السوري تضر العقوبات بوحدة البلاد. فعقوبات «قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين» لعام 2019 مفروضة على بعض المناطق ومخففة عن مناطق أخرى. وفي الوقت نفسه تتم معاداة كل محاولة لفتح المعابر الداخلية بين المناطق الثلاث تحت شعار «لا تطبيع مع النظام». من جهة أخرى يشجع الغرب فتح المعابر العابرة للحدود التي تربط كلّاً من هذه المناطق على حدة، اقتصادياً بالبلد المجاور.
في هذا السياق، جاء النقاش في مجلس الأمن العام الماضي فيما إذا كانت المساعدات الإنسانية يجب أن تصل عبر المعابر العابرة للحدود أم عبر الحكومة السورية والمعابر الداخلية. روسيا والصين وضعتا فيتو نهاية عام 2020 في مجلس الأمن ضد استعمال أربعة معابر عابرة للحدود، ووافقت على معبر واحد فقط. نهاية آذار نقلت وكالة رويترز للأنباء بأن روسيا تحاول التواصل والتوسط لتفعيل استخدام المعابر الداخلية.

1018-1

معلومات إضافية

العدد رقم:
1018