أما فيه من كل عينٍ سواد.. ومن دم كل شهيدٍ مداد

يسيرون بخطاً صغيرة أثقلتها آثار النعاس، وحقيبة المدرسة، وهواء الصباح البارد، يصلون إلى الباحة ليقفوا وراء بعضهم صفاً منتظماً، الأقدام متلاصقة مستقيمة، الأيدي ممدودة، والعيون الصغيرة تنظر إلى الأمام.. يبدأ الجميع بتنفيذ إيعازٍ متكررٍ رتيب، تتحرك الشفاه مرددةً شعارات ووعوداً، وترتفع النظرات بالتدريج مراقبة قطعة القماش الملونة وهي ترتفع في السماء.

ثم يأتي دور النشيد الوطني.. لطالما أحبوا موسيقاه وآلاته الصاخبة، إلا أنهم لم يفهموا مفرداته، وتعثروا في لفظها أو تذكرها، رفعوا المنصوب ونصبوا المجرور، وكما في كل صباح يجدون أنفسهم ينشدون من جديد المقطعين الأولين منه، متعجلين إنهاءه، إذ أن إنشاده كاملاُ يقتصر على الأعياد والاحتفالات الرسمية فقط.

يحمّل العديد من السوريين الاجتماع الصباحي» ونظام التعليم في المدارس، مسؤولية تنشئة أجيال كاملة من طلبةٍ فاقدي الارتباط بالرموز الوطنية الأساسية المتمثلة بالنشيد الوطني والعلم السوري، فالأطفال لم يستمتعوا باستخدام أقلام التلوين لرسم الأعلام الكبيرة في حصة الرسم، ولم يتعلموا أن اللون الأسود في الأسفل والأحمر في الأعلى، شعروا بالخوف من عصا مدرسيهم و نظراتهم القاسية بدلاً من الاعتزاز والحب تجاه علم بلادهم، لم يفهموا جمال المعاني التي تخفيها كلمات النشيد ولم يسمعوا حكاية الشعب التي يحاول أن يقصها.

لم يعرف المدرسون الغاضبون، والموجهون غير المبالين، والمدير المتسلط أنهم بإهمالهم وجمودهم ذاك خربوا عنصراً هاماً في تكوين الهوية الوطنية للأفراد، وأداة تاريخية بسيطة، ولكن في الوقت ذاته شديدة التأثير في ترسيخ الانتماء لما تخلقه من سحرٍ غير مفهوم، معتمدة على الموسيقى وجمال اللحن والمعاني المغناة، معتمدة على جمال الألوان ودلالتها في نفوس الأفراد.

ما أغفله الاجتماع الصباحي سابقاً، كرسه الإعلام والدعاية لاحقاً بما اتصفا به من جمود ورتابة وقلة ابتكار.. ليقتصر دور النشيد كافتتاح وختام لبث القناة السورية في الصباح الباكر أو آخر الليل.. ولتخلو شوارع البلاد ولزمن طويل من الأعلام، بينما كانت تمتلئ شعارات وعبارات وصوراً.

منذ سنة تقريباً، ظهر اتجاه للاهتمام بالعلم بشكل خاص من خلال توزيعه في عدد من المناطق (في العاصمة دمشق وبعض المدن الكبرى )، وتم افتتاح أعلى سارية للعلم السوري في حديقة تشرين. ترك هذا التغير تساؤلات حول سبب الاهتمام المكثف فجأة بهذا الرمز، اعتبره البعض دلالة على استشعار الجهات المسؤولة للتغيرات العالمية والداخلية ومحاولة الالتفاف عليها من خلال التركيز على العلم كرمز وطني خاص، واعتبر البعض الآخر أن هذا الاهتمام شكلي خارجي ومتكلف ينشغل بالمظاهر بعيداً عن الجوهر.

واليوم، في ظل الأحداث الأخيرة التي تشهدها البلاد، تظهر أبعاد جديدة لتوظيف الرموز ذات الدلالة الوطنية، بعضها إيجابي، والآخر خطير يحول العلم من قيمة بذاته، إلى تابع يتغير بتغير المطالب.

فالعلم في التلفاز الرسمي والمسيرات واللوحات الإعلانية اليوم، غالباً ما يقترن بالكثير من الشعارات والصور وعلم الحزب الحاكم على اعتبارهما وجهين لعملة واحدة، حيث يحمل العلم هنا معانيٍ ضمنية، ويوجه رسالة بأن للوطنية والانتماء وحب الوطن شكلاًُ واحداًٌ لا غير، وأن أي خروجٍ عن السرب هو خيانة للوطن وتدنيس لرمزه.

والعلم في أيدي المتظاهرين وأهالي الشهداء، والطلبة وحملة الشموع، هو تعبير عن الحزن والغضب، تعبير عن الرغبة في الإصلاح والتقدم إلى الأمام، تعبير عن الهوية والارتباط بالتاريخ، كما هو تعبير عن وحدة الشعب على اختلاف طوائفه.

للعلم اليوم ولادة جديدة ودلالات جديدة، فالأطفال لن يحتاجوا أن يسألوا عن توضع ألوانه ودلالاتها بعد الآن، لأنها تحفر في ذاكرتهم إلى الأبد. والشبان والشابات يعيدون قراءة النشيد والتقاط ما فاتهم من مفرداته، لأنهم يشعرون الآن أن موسيقاه تبعث فيهم القوة، وأن كلماته تعزيهم، وأن وقفات صمتهم التي يتلوها النشيد الآن أبلغ وأقوى من كل العبارات والجمل والشعارات.

■■