المشرق الجديد.. في الشرق العظيم

المشرق الجديد.. في الشرق العظيم

أمام الهجمة الإمبريالية- الأمريكية التي تستهدف منطقتنا الواسعة، يزداد البحث بين دول وشعوب المنطقة عن الطريقة الفضلى لمواجهة هذه الهجمة وإحباطها.. ومنطق الأمور يقول إن هذه الهجمة تخلق نقيضها الذي يتبلور خلال الصراع الجاري نفسه، وبدأت ترتسم ملامحه الأولى، ويؤكد ذلك ما صرح به الرئيس الإيراني في زيارته إلى لبنان حول «المشرق الجديد»..

لقد جاء في الموضوعات البرنامجية للجنة الوطنية لوحدة الشيوعيين السوريين، التي صدرت في 14/5/2010 ما يلي حرفياً: «إن الحل الوحيد أمام شعوب الشرق العظيم، القاطنة من قزوين إلى المتوسط جغرافياً، والمتآخية عبر التاريخ، والتي تجمعها مصالح اقتصادية عميقة لكونها تشكل فضاءً اقتصادياً متكاملاً.. هو تعميق أواصر التحالف والتآخي والنضال المشترك على مختلف المستويات لإفشال المخططات الإمبريالية القديمة والجديدة.. وصولاً إذا لزم الأمر وسمحت الظروف، لتشكيل اتحاد إقليمي يتجاوز حدود الدول القائمة ليوحدها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً.....».

إن السير نحو «المشرق الجديد» في «الشرق العظيم»، هو عملية بناء لنموذج جديد في العلاقات بين الدول والشعوب في المنطقة، يتجاوز الإرث الاستعماري الذي قسّمها محاولاً وضعها في مواجهة بعضها بعضاً عبر اختلاق وتصنيع مختلف المشكلات والإشكاليات الحدودية- الجغرافية، الطائفية، الدينية، والقومية..

وكي يستطيع هذا النموذج أن يتكون ويترسخ، فهو مدعو لأن يستند في أجزائه المختلفة إلى نماذج اقتصادية- اجتماعية تساعد على الوصول إليه عبر تخفيف حدة التناقضات بين مكوناته بالاعتماد على مصالح الشعوب بالدرجة الأولى، التي لا يوجد بينها تناقضات يصعب حلها، وحين نقول مصالح الشعوب إنما نقصد مصالح الجماهير الكادحة الواسعة التي لها مصالح واحدة يمكن التوفيق بينها دائماً، وليس مصالح الفئات المستثمرة التي لا يمكن التوفيق بين مصالحها حتى في إطار البلد الواحد، لأنها تنطلق من منطق السعي نحو الربح الأعلى على حساب كل شيء..

وهذا النموذج الاقتصادي- الاجتماعي في كل بلد، والذي سيكون المدخل إلى «المشرق الجديد»، سيتكون تحت ضغط عاملين موضوعيين هما:

ـ الهجمة الخارجية نفسها.

ـ مصالح الجماهير الشعبية التي لابد من تلبيتها.

وكي يتم ذلك لابد من توفر أمرين أساسيين في هذا النموذج الاقتصادي- الاجتماعي:

أولهما: قدرته على مقاومة الهجمة الإمبريالية- الصهيونية عبر تأمينه الموارد الضرورية للمقاومة، أي بناء اقتصاد مقاوم..

ثانيهما: قدرته على تلبية مصالح أوسع الناس، وليس نخبة قليلة من ميسوري الحال ورجال الأعمال، أي رأسماليي اليوم، أي بناء اقتصاد اجتماعي حقيقي..

وبهذا فإن بناء هذا النموذج يجب أن يتم على مستويين:

ـ مستوى الداخل بتأمين أعلى نمو ممكن وأعمق عدالة اجتماعية.

ـ مستوى المنطقة بشكل أن يؤدي ذلك إلى الاندماج الضروري معها، والذي سيسمح بإحداث القطيعة مع السوق الرأسمالية العالمية المركزية التي نهبت وعاثت فساداً خلال قرون في منطقتنا.

لذلك، لا حجة اليوم لأنصار الليبرالية الاقتصادية الذين يقولون بالتكيف مع ضرورات السوق الرأسمالية المنتصرة على حد زعمهم، لأن الحياة تفتح طرقاً جديدةً غير معروفة سابقاً في ظل الأزمة العالمية الرأسمالية المستفحلة يوماً بعد يوم، ولأن المطلوب اليوم هو التكيف مع القادم الجديد، وليس مع الذاهب إلى الأفول والانهيار..

وهذا القادم هو المشرق الجديد في الشرق العظيم.. وكي تكتب الحياة لهذا الجنين لابد من مقومات، أهمها هذا النموذج البديل الأفضل في كل جزء على حدة.. والذي في حال عدم تحقيقه سيتم إجهاض حلم شعوب الشرق العظيم بالوصول إلى المستقبل الكريم الذي تريده.. ومن جهة أخرى فإن النضال ضد الهجمة الإمبريالية وفتح الطريق لمستقبل جديد في المنطقة، سيخلق كل الظروف للتفكير جدياً بإعادة النظر بالنماذج الاقتصادية القائمة وصياغة نماذج جديدة تتوافق مع مصالح شعوب المنطقة بمجموعها، وكل منها على حدة، وفي ذلك ضمانة لكرامة المنطقة وشعوبها..