الملتقى الاقتصادي العمالي الأول:  فتح النار من كل الجبهات على السياسات الحكومية

الملتقى الاقتصادي العمالي الأول: فتح النار من كل الجبهات على السياسات الحكومية

عقد الاتحاد العام لنقابات العمال بتاريخ 25 أيار/ 2015 الملتقى الاقتصادي العمالي الأول تحت عنوان: (الواقع الاقتصادي وتعزيز مقومات الصمود). 

وتوزعت أعمال الملتقى على ثلاثة جلسات رئيسية، في كل منها ثلاثة عناوين قدمها أكاديميون اقتصاديون، وممثلو النقابات، وممثلي غرف التجارة والصناعة، واختتمت بجلسة حوارية مفتوحة، وكلمة ختام لرئيس الاتحاد.

يوم الجدل والعمل الطويل، كان حاراً بوجود ممثلي الحكومة، وبالطرح المرتفع للنقابات وللمحاضرين والمداخلين. جاء الملتقى محاولة لملاقاة مستوى حرارة اللحظة التي يعيشها اقتصاد البلاد بعد وصول الأزمة إلى مستويات شديدة التعقيد، ما يضع مهمات اقتصادية كبرى أمام كل السوريين المعنيين.

غسان إبراهيم: العقوبات حرب لينة وكان من الممكن أن تكون مفيدة

وستقدم قاسيون في هذا الاستعراض خلاصات لأهم ما جاء فيه وستفرد في عددها القادم تغطية خاصة للمؤتمر، الذي بدأت جلسته الأولى بعنوان (الاقتصاد الوطني والحرب على سورية)، مع الدكتور غسان ابراهيم الذي تحدث حول أثر الحرب والعقوبات على مسيرة الاقتصاد الوطني مشيراً إلى أن: (العقوبات الاقتصادية هي كالحرب اللينة، الهدف الأقصى منها تحويل الدول المعاقبة إلى سلوك نهج الغرب)، ومع ذلك اعتبر أنه (كان من الممكن أن تكون العقوبات مفيدة بمعنى من المعاني لسورية، وحافزاً كما في نموذج الدولة الإيرانية وهذا ما لم يتم).

منير الحمش: السياسات تعبير عن مصالح الفئات الحاكمة

بدوره تناول الدكتور منير الحمش (السياسات الاقتصادية في زمن الحرب) منطلقاً من أن عنوان الملتقى يدل على عمق في رؤية الاتحاد، فالعمال هم الأحق في الحديث عن صمود ومقاومة الاقتصاد الوطني. كما وضح أن المقصود بالسياسات الاقتصادية هي (الإجراءات المستوحاة من أفكار تعبر عن مصالح معينة، هي في الغالب مصالح الفئات الحاكمة، ومن يمثل هذه الفئات).

واعتبر الحمش أن اقتصاد السوق الاجتماعي والسياسات المرافقة له، كانت تعتبر انقلاباً في تمثيل السياسات من الفئات الكادحة والمنتجين بأنواعهم في السبعينيات، إلى فئات رجال الأعمال الجدد، وهذه السياسات التي أهملت حقيقة حجم دور الدولة وضرورته كانت سبباً رئيسياً في الأزمة الحالية.

عمر حورية: الطبقة العاملة هي الأكثر صموداً وتضحيةً

أما عضو المكتب التنفيذي في الاتحاد العام عمر حورية، فأشار في محوره المعنون بـ: (الطبقة العاملة وتأثيرات الحرب)، أن الطبقة العاملة  كانت وما زالت وستبقى الحامل السياسي والاقتصادي الرئيسي، وهي الأكثر صموداً وتضحية، وهي أيضاً الأكثر تأثراً بسياسات وقرارات الحكومة، وبالتالي فإن ظروفها ومستوى معيشتها يجب أن تكون في صلب سياسات الحكومة.

وعقب الجلسة الأولى جاءت مداخلات عديدة وهامة، وتلاها مداخلات ممثلي الحكومة وتعقيباتهم على الطروحات النقابية والأكاديمية المطروحة، وجاء أغلب الرد الرسمي، الذي بدا أنه يتيماً دون أي مناصر تقريباً، في سياق التبرير والدفاع عن السياسات السابقة والحالية، كما كانت الطروحات المدافعة عن الحكومة شبه غائبة من الحضور.

ياسر حورية: اقتصاد السوق له إيجابيات!!

وباستثناء الدكتور ياسر حورية الذي قدم مداخلة انتقد فيها الدكتور منير الحمش، معتبراً أن الحمش أغفل دور المؤامرة فيما وصلت إليه سورية اليوم. كما برئ ياسر حورية، رئيس جامعة الشام الخاصة، السياسات الاقتصادية الاجتماعية الليبرالية من مسؤوليتها عن الأزمة، حيث أشار إلى أن: (اقتصاد السوق الاجتماعي، كان له من الإيجابيات أكثر من السلبيات كما يرى البعض، وبالفعل من إيجابياته: تجاوز مستوى الدخل والحد الأدنى للأجور في تلك المرحلة، لخط الفقر 205 دولار بتعريف الأمم المتحدة، ووصول معدل النمو 5,2 وقلما وصل معدل النمو إلى ذاك المستوى في الدول الاخرى)!.

حيان سليمان: لستم صقوراً في حضور المسؤول!

أما الدكتور حيان سليمان معاون وزير الاقتصاد، والذي بدا انفعاله واضحاً من الانتقادات اللاذعة، أن الناتج المحلي خلال الأزمة انخفض بسبب الأعمال الإرهابية والعقوبات من 1470 مليار ليرة عام 2010 إلى 959 مليار ليرة عام 2014. كما أضاف منتقداً ما قدمه المحاضرون: (الموازنة لم تتراجع، نريد حلولاً، وليس توصيفات ولوم اقتصاد السوق الاجتماعي) واضطر سلمان لمهاجمة بعض الحضور قائلاً: (اعذروني.. أراكم صقوراً في غياب أصحاب القرارـ ولستم صقوراً في حضورهم!)، ما استدعى استهجان معظم الحضور، وقام السيد عمر حورية عضو المكتب التنفيذي للنقابات بالرد مباشرة عليه بما مفاده: بأن النقابات لم تخشى شيئاً يوماً، وهي عليها على الأقل أن توصف واقع الطبقة العاملة، قائلاً: (مهمتكم أن تجدوا الحلول، وهدف المؤتمر من دعوة المختصين والحكومة هو هذا الأمر،  فعلى الحكومة أن ( لا تزعل كتير) إذا وصفنا!!)..

اسماعيل اسماعيل: يجب أن لا نجلد أنفسنا!

وزير المالية الدكتور اسماعيل اسماعيل أشار في رده إلى جملة قضايا، موضحاً مسألة هامة حول الرقم الإحصائي، حيث أعلن أن المكتب المركزي للإحصاء يجري حساباته بشكل كامل، إلا أن عدم النشر هو بقرار من رئاسة مجلس الوزراء والحكومة لأسباب معينة! كما قال في رده على انتقاد السياسات: (يجب أن لا نجلد أنفسنا كثيراً، فمؤسسات التدخل الإيجابي بالتشارك مع القطاع الخاص تؤدي دوراً فعالاً ضمن الممكن)!.

معن خالد: الحلول الجذرية تستدعي حلاً سياسياً

بدوره قدم الرفيق معن خالد من حزب الإرادة الشعبية مداخلة مكثفة رد بها على طروحات بعض المداخلين، ومعقباً على المحاضرين، وركز على أهم التحولات التي ينبغي البناء عليها في معرض الحديث عن الوضع الاقتصادي في الأزمة. ورداً على مداخلات بعض المسؤولين الحكوميين الذين طالبوا الحضور بحلول بدل مناقشة ونقد السياسات الحكومية أكد خالد أنه: (من حق الجميع أن يطالب بحلول جذرية للوضع الاقتصادي لأنه أصبح صعباً، لكن ذلك يستدعي رؤية الصورة بشموليتها، فطالما أن الحرب قائمة فلا يمكن الحديث عن حلول جذرية للوضع الاقتصادي، إلا بإنهاء الحرب عبر الحل السياسي الذي يعتبر الطريقة الوحيدة لحلول كاملة وجذرية للوضع الاقتصادي). وبما يخص الوضع الحالي وحلوله فأوضح بأن: (...المشكلة لم تعد لدى الحكومة، فالحكومة تنفذ سياسات، المشكلة في السياسات نفسها، والدكتور منير الحمش، تحدث عن أن السياسات تعبّر عن مصالح الفئات الحاكمة وهذا صحيح، ويجب أن يبنى عليه، فالسياسات المنفذة اليوم باتت تعكس التحولات في بنية النظام الاقتصادي الاجتماعي... اليوم أصبح لدينا رأسمالية طفيلية بدلاً من رأسمالية الدولة التي كانت قائمة قبل 15 عاماً، وهي تريد أن تنتعش وتُثري خلال الحرب، مؤدية إلى تردي الوضع الاقتصادي الاجتماعي بشكل أكبر، وهي المسؤولة اليوم عن وضع السياسات. وإلا كيف يفسر اليوم أن يُعطى الدولار بملايين الدولارات لشركات الصرافة عوضاً أن يعطى للقطاع العام المنتج الاستثماري)!

أديب ميالة: لست وحدي المسؤول.. الحكومة أيضاً موافقة!

أما مداخلة حاكم مصرف سورية المركزي أديب ميالة، فرغم أنها طالت، إلا أنها  لم تستطع الإجابة على تساؤلات الجميع حول مسألة سعر الصرف وتذبذباته. بل كان الغرض منها دفاعيٌّ بحت، أراد ميالة من خلالها أن يؤكد على أنه ليس المسؤول الوحيد عن سياسات المركزي، فهذه الإجراءات والسياسات تتم بموافقة الحكومة معتبراً أن: (من ينتقد هذه السياسة ويتحدث عن المزادات وغيرها، يجب أن يعلم أنها كانت كلها بعلم وموافقة من رئاسة مجلس الوزراء مجتمعاً، ومن يحاول أن يحمل الحاكم ويحمل فلان أو غيره، نقول: كانت باقتراح من الحاكم أيضاً وموافقة مجلس الوزراء مجتمعاً. وكانت هذه السياسة لحماية سعر الصرف، اليوم كل العالم يشهد كيف حافظ سعر الصرف لليرة السورية، نوعاً ما على استقرار معين..)!.

القلاع يشكو حال التجار!

جاءت الجلسة الثانية من الملتقى تحت عنوان (الوضع المعيشي وتحديات الأزمة) والذي قدم فيه الدكتور قحطان سيوفي مجموعة مقترحات علمية للسياسة المالية والنقدية، أما ممثل غرف التجارة غسان قلاع فقد وضح للحضور، ظروف التاجر السوري، الذي (أصبح اليوم يبادل الكغ بـ 900 غرام) في إشارة منه على آثار التقلبات في سعر الصرف، على عمليات الاستيراد، وعلى تسعير البضائع، منتقداً الاتهامات الكثيرة التي توجه للتجار، شاكياً للحضور تردي حال التجار الذين يعانون كما يعاني المواطن، وفق إدعائه! كما انتقد الحكومة وحملها المسؤولية في عدم الوضوح في نهجها وسياساتها.

عشتار محمود: صمود الاقتصاد الوطني من صمود العمال والأجور أصبحت مَهَانة

وفي هذا المحور قدمت الرفيقة عشتار محمود من حزب الإرادة الشعبية ومسؤولة قسم الشؤون الاقتصادية في جريدة قاسيون مداخلة أكدت فيها على أن: (صمود الطبقة العاملة ليس شعاراً يرفع ويتداول فقط، بل أصبح من الواضح منطقياً والمثبت علمياً بأن تعزيز صمود الاقتصاد الوطني مرتبط بالضرورة بصمود الطبقة العاملة ومستوى معيشتها. وإذا أردنا أن نتحدث عن وضع الطبقة العاملة، ولأي درجة هي معززة ومصانة، ينبغي العودة إلى ما قبل الأزمة، واستخدام معادلة حصة الأرباح والأجور من الدخل الوطني، والتي كانت قبل الأزمة موزعة بنسبة 75% لأصحاب الأرباح، و25% لأصحاب الأجور، وحسابات قاسيون في عام 2012 أشارت إلى وصول حصة  أصحاب الأرباح إلى 80%، مقابل  20% لأصحاب لأجور، ويمكن لتقدير تراجع قيمة الأجور يكفي أن نقول بأن أجر العامل اليوم لا يكفي لتأمين غذاء أسرته الضروري فقط. ووصولنا إلى هذا المستوى لا يقيم على أنه سياسة، بل لا نستطيع أن نعتبره أقل من (مهانة))!.

كما أضافت في معرض ردها على اعتبار رئيس غرف التجارة أن التجار خاسرين كغيرهم في الظروف الحالية: (من الضروري أن نسأل من يربح اليوم في ظل الحرب، هذه النسب الكبيرة أي أكثر من 80% من الدخل الوطني؟! فطالما أن الإنتاج متراجع أي الصناعة والزراعة، فإن من يربح أولاً هو من يؤمن المواد، أي كبار التجار المستوردين المحتكرين، وإن وزن التجار وأرباحهم يمنع اليوم الاتجاه نحو زيادة الإنتاج. وينبغي الإشارة إلى أن تعزيز النزعة التجارية للاقتصاد الوطني في الظروف الحالية متناقض تماماً مع مقولة "صمود الاقتصاد الوطني"!.وبالطبع ليس التجار الرابحون الوحيدون، بل يضاف إليهم كل المضاربين والسماسرة، والمستثمرين بالعنف والحرب).

رسلان خضور: يجب توجيه الموارد الخارجية وفق السيادة الوطنية

أما الجلسة الثالثة والتي جاءت بعنوان (الاقتصاد الوطني انطلاقة جديدة) فقد بدأها الدكتور رسلان خضور عميد كلية الاقتصاد في جامعة دمشق، في حديثه حول عملية إعادة البناء، ومبادئ وضروريات التمويل، التي اعتبر أنها إلى جانب المصادر الداخلية، فإنها واقعياً ستعتمد على الخارج، ولكن ينبغي تحديد أي خارج يمكن الاعتماد عليه، ويفترض أن تتم بالطريقة التي تؤدي إلى إمكانية التحكم بهذه الموارد وتوجيهها وفق السيادة الوطنية والمصلحة الوطنية السورية.

عادل اللحام: استعادة أموال الفساد لتكون مصدر لتمويل إعادة البناء

كما جاءت مداخلة الرفيق عادل اللحام أمين حزب الإرادة الشعبية لتؤكد أنه ينبغي (وضع أموال الفساد كمصدر من مصادر تمويل إعادة البناء، وعدم ترك هذه الأموال تفوز باستثمارات في الفترة اللاحقة فهي تتأهب لتبيض أموالها عبر استثمارات إعادة الإعمار)، كما انتقد اللحام طروحات أحد المحاضرين التي تحدث أن معدل ساعات عمل موظفي القطاع العام لا يتجاوز 30 دقيقة جازماً بأن هذا الكلام (غير صحيح)، تبع ذلك اعتراض معظم الحاضرين في القاعة على هذه المقولة ما استدعى الدكتور شادي بيطار صاحب هذه المقولة إلى الاعتذار والتراجع عنها، وتوقف الرفيق عادل عند طروحات هيكلة القطاع العام مؤكداً أن (هذه المقولة تعود إلى حقبة الدردري وكانت تعني إضعاف دور الدولة والتخلي عن القطاع العام).  

 

فارس الشهابي: المنطقة الصناعية في حلب نموذج للسياسات غير المتجاوبة

رئيس غرف الصناعة فارس الشهابي، قدم في محوره، انتقاداته أيضاً على مجموعة العراقيل التي توضع في وجه الصناعيين وعودتهم إلى العمل، معتبراً أن ما يجب أن يتم هو (سياسة تشغيل، وليست سياسة تحصيل). حيث أوضح عن أن (المنطقة الصناعية المحررة في حلب منذ أكثر من تسعة أشهر، تعتبر نموذجاً على السياسات غير المتجاوبة والمعرقلة وأثرها على عودة الإنتاج إلى حلب وغيرها، حيث نجحت غرف الصناعة بإعادة 400 ورشة ومعمل للمنطقة، وتقلص العدد لاحقاً إلى 100 بسبب تلك السياسات... حيث صدرت عقوبات منع السفر، بالإضافة إلى انفلات عمليات السرقة، وعدم توفير الإنارة أو الخدمات أو غيرها رغم أن المنطقة بيد الحكومة).

جمال القادري: هدفنا تعزيز الصمود وتصويب الإعوجاج.. سياسات اقتصادية سلبية للدولة أوصلتنا إلى هنا

أما جمال القادري رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال فقد اختتم الملتقى بشكره للحضور، وتأكيده على أن هذا النشاط الاقتصادي للاتحاد مستمر، وأن الملتقى سيعقبه عمل نقابي دؤوب على صياغة التوصيات ووضعها لدى الحكومة، مذكراً بأن النقابات قدمت رؤيتها الاقتصادية، التي أتت ردود حكومية عليها سيعقبها رد نقابي. كما أوضح أن (هدف هذا النشاط الاقتصادي ليس تصيّد الأخطاء أو استنباط سياسات جديدة بل تعزيزاً للصمود وتصويباً للإعوجاج) ورداً على إحدى الطروحات التي حاولت أن تنفي وجود سياسات تدخل سلبية للدولة قال القادري جازماً: (هناك تدخل سلبي للدولة أحياناً، فنحن شاهدنا كيف ساهمت السياسات الاقتصادية بخلل بنيوي، فتلك السياسات لم تكون مسؤولة.. ولو سمع صوتنا حينها لما وصلنا إلى هنا).

قبل الختام كان الملتقى قد خلص إلى جملة من المقترحات والتوصيات تعهد القائمون على الملتقى بصياغتها وطرحها على المسؤولين، الذين وبكل تأكيد باتو يستشعرون درجة التردي الاقتصادي الذي أوصلتنا إليه سياساتهم، والتي انعكست في الملتقى بفتح النار على تلك السياسات من كل الجبهات.  

 

 

خاص قاسيون