«إرهاق الحرب» يعقّد مساعدات الغرب لأوكرانيا
ام.كي. بادراكومار ام.كي. بادراكومار

«إرهاق الحرب» يعقّد مساعدات الغرب لأوكرانيا

خيّم ظلام من الكآبة على أوروبا مع ظهور حالة عدم اليقين التي كان يُخشى منها منذ فترة طويلة خلال عطلة نهاية الأسبوع بشأن المدة التي سيتحمل فيها الغرب الجماعي الحرب بالوكالة في أوكرانيا. ولرفع معنوياتهم المتدنية، استقلّ بعض وزراء الخارجية الأوروبيين القطار بشكل مرتجل إلى كييف لقضاء يوم الاثنين مع الرئيس زيلينسكي. لقد كان مشهداً غير عادي لتحدي نداء القدر.

ترجمة: قاسيون

أدّى اتفاق في واشنطن إلى تجنب إغلاق الحكومة في الوقت الحالي، لكنّه قطع التمويل عن كييف. الحملة الانتخابية البولندية التي استخدم فيها حزب القانون والعدالة الحاكم، الذي كان حتى وقت قريب من أشد المؤيدين لأوكرانيا، تدابير مختلفة مثل التشكيك في تسليم المزيد من الأسلحة ومنع وصول المنتجات الزراعية إلى جارته من أجل استمالة الناخبين. نتائج الانتخابات البرلمانية المذهلة في سلوفاكيا، والتي قفزت بحزب سياسي يساري موالٍ لروسيا إلى السلطة، وكانت بمثابة الإشارة إلى أول تجسيد سياسي حقيقي لـ «الإرهاق الأوكراني» - وفجأة، ظهر شعار الغرب المتمثل في الوقوف إلى جانب أوكرانيا مهما حدث، يبدو عرضة للتشكيك بجدية.

ربما بالغت شبكة سي إن إن في تعليقها على أن التطورات المذكورة أعلاه «يبدو أنّها ألقت بأوكرانيا وحربها مع روسيا تحت الحافلة»، ولكن ليس كثيراً. عبرت سياسة الحرب في أوكرانيا نقطة انعطاف، وتستعد لأشياء أكبر في الأشهر الحرجة المقبلة. لا يعني هذا وقف المساعدات الأمريكية لأوكرانيا. لدى الإدارة ما يكفي من الموارد لدعم كييف على مدى الشهر ونصف الشهر المقبلَين، والأهم من ذلك، أنّه من المستبعد للغاية توقّع أي تغييرات جدية في الاتجاه الأوكراني للسياسة الخارجية الأمريكية قبل انتخابات عام 2024. لكن الأهمية تكمن في مكان آخر - على وجه التحديد، أن موضوع المساعدة لأوكرانيا يغلي في مرجل الخلافات بين الجمهوريين والديمقراطيين، وبات لا يمكن فصله عن قضايا البرامج الاجتماعية التي تمزق المجتمع الأمريكي وتصبح مادة لسياسييه المتصارعين.

أصبحت حرب أوكرانيا بمثابة كرة قدم سياسية قبل ما يزيد قليلاً عن عام على الانتخابات الرئاسية الأمريكية، مع تزايد التساؤلات حول المساعدات التي وافق عليها الكونجرس والتي يبلغ مجموعها 100 مليار دولار حتى الآن، بما في ذلك 43 مليار دولار للأسلحة. ببساطة، بالنسبة للجمهوريين اليمينيين، أصبح تمويل كييف أداة للتلاعب السياسي لإدارة بايدن والتي يأملون من خلالها الحصول على المزايا والتنازلات. ودونالد ترامب ينتظر في الأروقة. في الوقت نفسه، هناك رواية صراع داخل الحزب الجمهوري نفسه وجدت تعبيراتها في إقالة رئيس مجلس النواب الجمهوري كيفن مكارثي من قبل الجمهوري المتشدد مات غايتس، وهو أحد الأعضاء اليمينيين المتشددين في الحزب الذين يعارضون بشدة أي مساعدات إضافية لأوكرانيا.

الأمر الأكثر أهمية هو أن الإشارة الأوسع إلى العالم ضرورية. تتطلع العواصم الأوروبية بالفعل بقلق إلى إمكانية عودة ترامب إلى البيت الأبيض، وأعرب جوزيب بوريل، مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي والشريك الرئيسي للولايات المتحدة في تقديم المساعدات لأوكرانيا، عن دهشته وأعرب عن أسفه العميق للقرار الأمريكي. قال بوريل «آمل ألا يكون هذا قراراً نهائياً وأن تستمر أوكرانيا في الحصول على دعم الولايات المتحدة». والحقيقة أن هناك مشكلة أوسع نطاقاً، ألا وهي الإرهاق من الحرب بين الناخبين الأمريكيّين والأوروبيين الذين أصابهم التضخم.

ومن نواحٍ عديدة، فإن انتصار حزب Smerالشعبوي اليساري الذي يتزعمه رئيس الوزراء السابق روبرت فيكو في الانتخابات البرلمانية التي جرت نهاية هذا الأسبوع في سلوفاكيا يمكن أن يُعزى أيضاً إلى الإرهاق من الحرب. وقال فيكو إنه لن يتم إرسال المزيد من الأسلحة إلى أوكرانيا. كما شكك في منطق العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي على روسيا وأشاد بموسكو، وألقى باللوم على حلف شمال الأطلسي في التسبب في الحرب التي يقول إنها بدأت بعد أن «بدأ النازيون والفاشيون الأوكرانيون في قتل المواطنين الروس في دونباس ولوغانسك».

داخل الاتحاد الأوروبي، سيكون لدى المجر والنمسا الآن حليف في سلوفاكيا، وهي دولة على خط المواجهة، تدعو إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية في أوكرانيا ومفاوضات السلام. وفيكو نفسه حليف وثيق لرئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان - ومن الممكن أن تنضم إليهما بولندا إذا نجح حزب القانون والعدالة الحاكم في تأمين ولاية جديدة، وهو ما يبدو مرجحاً، في الانتخابات البرلمانية المقرر إجراؤها في 15 أكتوبر. تشير جميع المؤشرات إلى أن بولندا تنحرف بعيداً عن موقفها المؤيد لأوكرانيا منذ فترة طويلة. قال رئيس الوزراء البولندي ماتيوس مورافيتسكي مؤخراً «لم نعد ننقل أي أسلحة إلى أوكرانيا لأننا نسلح أنفسنا الآن بأحدث الأسلحة».

الخوف ينخر الغرب ومؤسساته

بعد ذلك، وكما كتبت شبكة سي إن إن: «خارج الاتحاد الأوروبي، داخل حلف شمال الأطلسي، هناك خوف مماثل من عواقب توسّع الكتلة المناهضة لأوكرانيا... وقد أعلن كل من أوربان في المجر وفيكو في سلوفاكيا أنهما يعارضان بشدة أي تحرك للترحيب بانضمام أوكرانيا إلى التحالف». والحقيقة هي أن الهجوم المضاد في أوكرانيا، والذي يجب أن يتضاءل مع قدوم فصل الشتاء، لم يحقق حتى الآن سوى القليل من التقدم الجوهري على جبهة القتال. إنّ وصول الأحزاب المناهضة لأوكرانيا إلى دول المواجهة، جنباً إلى جنب مع الهراء من جانب أعداء الكرملين الرئيسيين مثل الولايات المتحدة، يشكل مزيجاً ساماً حقاً.

وبالنظر إلى المستقبل، يمكن توقّع المزيد من تآكل الدعم للحرب في أوكرانيا، وحتى الانهيار المحتمل للدعم لأوكرانيا عبر الغرب الجماعي لا يمكن استبعاده في الأشهر المقبلة، خاصة إذا قررت قيادة الكرملين أخيراً توجيه ضربة قاضية لأوكرانيا، كأن يحصل الجيش الروسي على أوامر بعبور نهر الدنيبر والاستيلاء على كييف وأوديسا. وحتى لو لم يحصل ذلك، فالوقت العصيب يأتي مع انتخابات البرلمان الأوروبي في 6-9 حزيران 2024. هناك احتمال واضح لفوز الأحزاب المناهضة لأوكرانيا بكتلة كبيرة من الأصوات في الانتخابات. إذا حدث ذلك، فإن المؤامرة الخبيثة التي طرحتها ألمانيا وفرنسا لإلغاء قاعدة الإجماع المطلوبة لاتخاذ قرارات كبرى في الاتحاد الأوروبي «على سبيل المثال، فرض عقوبات على روسيا وتجديدها كل ستة أشهر» سوف تتعثر.

وقد أعلن كل من أوربان وفيكو معارضتهما للعقوبات على روسيا. ويكفي أن نقول إنّ سياسات الحرب على أوكرانيا والعقوبات الروسية تدخل منطقة مجهولة، حيث إن المجر المتحالفة مع سلوفاكيا - وربما مع بولندا - ستكون في وضع يسمح لها بتعقيد الجهود المؤيدة لأوكرانيا والمناهضة لروسيا من قبل بقية الاتحاد الأوروبي. في فن السياسة، حصل السياسيون الأمريكيون في الأصل على براءة اختراع في «المماطلة»، وهو إجراء سياسي يقوم فيه واحد أو أكثر من أعضاء الهيئة التشريعية عبر إطالة أمد النقاش حول التشريع المقترح من أجل تأخير القرار أو منعه بالكامل. يخترع السياسيون الأوروبيون الآن البديل الخاص بهم من فنّ المماطلة هذا.

بقي أوربان يمارس هذه الممارسة منذ عقد من الزمان، وببراعة متزايدة، للمضي قدماً في برنامجه القومي المتمثل في «الديمقراطية السيادية» في المجر. هذا هو المكان الذي قد تصبح فيه الانتخابات السلوفاكية وعودة فيكو إلى السلطة لحظة حاسمة في سياسة الحرب الأوكرانية.

بتصرّف عن:
War Fatigue Complicates West’s Aid to Ukraine

معلومات إضافية

العدد رقم:
1143
آخر تعديل على الخميس, 19 تشرين1/أكتوير 2023 16:39