تشالمرز جونسون  - ترجمة قاسيون تشالمرز جونسون - ترجمة قاسيون

المجمع الصناعي العسكري الأمريكي: كل مواطن أمريكي متهم حتى تثبت براءته!!

معظم الأمريكيين فكرتهم مشوّشة حول معنى مصطلح «المجمع الصناعي العسكري»، رغم أنهم كثيراً ما يقرؤون عنه في الصحف أو يسمعونه من السياسيين.

الرئيس دوايت دي إيزنهاور ذكر هذا المصطلح للجمهور أثناء خطاب الوداع في 17 كانون الثاني 1961: «منظمتنا العسكرية اليوم ليس لها علاقة بتلك التي كانت معروفة في زمن أي من أسلافي في زمن السلم، أو من المقاتلين في الحرب العالمية الثانية وكوريا.. لقد أجبرنا على خلق صناعة تسلح دائمة بحجم كبير.. لكن يجب أن نحتاط ضد حيازة القوة غير المبررة, سواء كانت مطلوبة أم غير مطلوبة، وذلك من خلال المجمع الصناعي العسكري».

مع أن إشارة إيزنهاور إلى «المجمع الصناعي العسكري» باتت معروفة جداً الآن، إلا أن تحذيره من «حيازة القوة غير المبررة» تم تجاهله بشكل كبير..

الاختراق «الخاص» وسط التعتيم والتكتم

منذ عام 1961 هناك دراسات قليلة جداً اهتمت بهذا الموضوع، وقد غابت النقاشات الجادة حول مصدر المجمع الصناعي العسكري وتغيرت عبر الزمن, ونجح التكتم الحكومي بإبعاد المسألة عن إشراف أعضاء الكونغرس أو المواطنين المعنيين, مما عرّض ويعرّض البنية الدستورية الأمريكية للخطر.

منذ نشوئها في أوائل الأربعينات, عندما كان الرئيس فرانكلين ديلانو روزفلت يبني «ترسانة الديمقراطية» وحتى اللحظة الحالية، افترض الرأي العام وجود علاقات متوازنة – وغالبا ما تسمى «شراكة» – بين القيادة العليا والأسياد المدنيين لجيش الولايات المتحدة، ومؤسسات الخدمة والصناعة الربحية ذات الملكية الخاصة، لكن حقيقة الأمر، أنه منذ النشوء الأول لهذه العلاقات لم تكن متوازنة أبداً.

في السنوات الأولى لـ«المجمع الصناعي العسكري»، كان الشعب لايزال معدوم الثقة بشركات التصنيع الخاصة بسبب دورها في الكساد الكبير، لذلك فإن الدور الأبرز في العلاقات جديدة العهد كان للقطاع الحكومي الرسمي، وكان الرئيس فرانكلين روزفلت ذو الشعبية الواسعة والحضور الساحر، الراعي لهذه العلاقات العامة- الخاصة، التي كسبت شرعية كبيرة لأن الهدف كان إعادة تسليح البلاد, وتسليح الأمم الحليفة حول العالم ضد الفاشية والقوى المناصرة لها. وقد كان القطاع الخاص تواقا للتعاون كطريقة لإعادة ثقة الشعب به، وكقناع لجني الأرباح في زمن الحرب.

في أواخر الثلاثينات لم يكن استخدام روزفلت لـ«العلاقات العامة-الخاصة» لبناء صناعة الذخيرة والتي تغلب بواسطتها على الكساد الكبير, خالياً تماماً من المعارضة، وكذلك تنبه بعض النقاد مبكراً للعلاقات التكافلية بين الحكومة والقطاع الخاص لأن كل منهما يحمي الآخر ويقويه في آن معاً, ويتم الخلط في فصل القوى. وبما أن نشاطات المؤسسة المشتركة غير خاضعة للتدقيق والفحص من الشعب أو من الكونغرس شأن المؤسسات العامة, فالعلاقات المتآزرة العامة-الخاصة تمنح القطاع الخاص حجماً إضافياً من الحماية ضد مثل هذا التدقيق.

هذه الاعتبارات غُمرت بالمساعي المتحمسة للحرب وفترة ما بعد الحرب من الرخاء الاقتصادي الذي أنتجته الحرب، لكن تحت السطح، كانت هناك حركة غير ملحوظة للأعمال الكبيرة لاستبدال المؤسسات الديمقراطية بالمؤسسات التي تمثل مصلحة رأس المال، وهذه الحركة هي السائدة اليوم، وأهدافها تشكك منذ وقت طويل في جدوى ما يسمى بـ«الحكومة الكبيرة»، في الوقت الذي كانت تغتنم المبالغ الهائلة التي يستثمرها القطاع العام في الدفاع القومي لمصلحتها الخاصة. 

لا للحكومة الكبيرة!

كتب المنظر الأول للديمقراطية في البلاد «شيلدون س. وولين» في (الديمقراطية المندمجة), عما يسميه «الاستبدادية المقلوبة»، مشيراً لنهوض المؤسسات الاستبدادية الأمريكية في تشابه وصرامة مقتطعة من الأشكال السابقة للقمع الذي مارسته الشرطة في ألمانيا, إيطاليا.. إلخ.. وحذّر من «اتساع القوة الخاصة (ويعني المشتركة) والتنازل الانتقائي عن المسؤوليات الحكومية..»، كما أنه انتقد بعنف إلى أي درجة تم بلؤم تقليص (ديمقراطيتنا) في ما يسمى بالخصخصة لنشاطات الحكومة, تاركة الأمريكيين مع اعتقاد عام أن الحكومة ليست ضرورية بعد الآن، وأنها في جميع الأحوال غير قادرة على أداء الوظائف التي عهدها لهم دافعو الضرائب. كتب وولين:

«خصخصة الخدمات العامة والمهمات، يظهر التطور الثابت لـ«القوة المشتركة» إلى «صيغة سياسية», وإلى شريك متكامل، وحتى مسيطر مع الحكومة. وهي مؤشر على تحول السياسيين الأمريكيين وثقافتهم السياسية من نظام تكون فيه الممارسات والقيم الديمقراطية -إذا لم تكن شديدة الوضوح- فعلى الأقل هي العناصر الأكثر إسهاماً, إلى نظام يكون فيه ما تبقى من عناصر الديمقراطية الحكومية مع برامجها الشعبية قابلة للتفكيك»..

مجرد مرتزقة!

المجمع الصناعي العسكري تغير جذرياً منذ الحرب العالمية الثانية، وحتى منذ الحرب الباردة. القطاع الخاص حالياً هو السائد.

القوى الجوية والبرية والبحرية في البلاد، بالإضافة إلى وكالات المخابرات بما فيها وكالة المخابرات المركزية, ووكالة الأمن القومي, ووكالة مخابرات الدفاع، وحتى الشبكات السرية الموكل لها العمل الخطر للاختراق والتجسس على المنظمات «الإرهابية».. أصبحت تعتمد جميعها على حشد من «المتعاقدين الخاصين».

في بيئة مهمات الأمن القومي الحكومية، المصطلح الأنسب لهؤلاء قد يكون «المرتزقة» كونهم يعملون منفردين لدى الشركات الربحية.

تيم شوروك محقق صحفي والمرجع الأول في هذا الموضوع, يلخص هذا الوضع المدمر في كتابه الجديد: «جواسيس للإيجار»، العالم السري للاستعانة بعناصر خارجية في المخابرات:

«في عام 2006، وصلت تكاليف التجسس الأمريكي وعمليات المراقبة التي تمت الاستعانة فيها بمتعاقدين خارجيين إلى 42 بليون دولار, أو ما يقارب 70 بالمئة من الـ 60 بليون دولار التقديرية التي تصرفها الحكومة سنوياً على المخابرات الخارجية والداخلية! عدد الموظفين المتعاقدين يتجاوز القوة العاملة المتفرغة في الـ«سي آي إيه» المكونة من 17500!! المتعاقدون يشكلون أكثر من نصف القوة العاملة في الخدمات السرية القومية للـ«سي آي إيه» (دائرة العمليات سابقاً) والتي تسيّر العمليات السرية والجواسيس المجندين خارج البلاد..

«لإشباع الحاجة النهمة لدى وكالة الأمن القومي لتقنية المعلومات والبيانات, تضخمت القاعدة الصناعية التي تسعى للعمل مع الوكالة من 144 شركة في عام 2001 إلى أكثر من 5400 شركة عام 2006!! في «مكتب الاستطلاع القومي» الوكالة المسؤولة عن إطلاق ورعاية المستكشفات الضوئية القومية والتنصت على الأقمار الصناعية, كامل القوة العاملة تقريباً مكونة من موظفين متعاقدين يعملون لدى شركات (خاصة)، مع ميزانية تقدر بـ8 بليون دولار, وهي الأكبر في (منظومة المخابرات), المتعاقدون يتحكمون بما تقارب قيمته 7 بليون دولار من العمل في مكتب الاستطلاع القومي, معطية صناعة التجسس بالأقمار الصناعية ميزة كونها الأكثر خصخصة في منظومة المخابرات.

«إذا كان هناك تعميم يمكن الوصول إليه حول برنامج تقنية المعلومات الذي يستعين بعناصر خارجية في وكالة الأمن القومي، فهو التالي: لم يعملوا جيداً! وبعضهم فشل فشلاً ذريعاً!

في عام 2006 لم تكن وكالة الأمن القومي قادرة على تحليل أغلب المعلومات التي تجمعها، وكنتيجة لهذا، فإن أكثر من 90 بالمئة من المعلومات التي تم جمعها جرى رميها دون أن يتم ترجمتها إلى صيغة متماسكة ومفهومة. فقط 5 بالمائة  تمت ترجمته من صيغته الرقمية إلى نص، وتم توجيهه إلى القسم الصحيح لتحليله».

«العبارة الأساسية في قاموس مكافحة الإرهاب هي (الشراكة العامة-الخاصة). في الواقع (الشراكة) هي غطاء ملائم للمصالح المشتركة الدائمة». 

سيطرة شاملة

يمكن استخراج العديد من الاستنتاجات من عرض الحقائق المروع الذي قدمه شوروك، أهمها أنه إذا أرادت إدارة تجسس أجنبية أن تخترق الجيش الأمريكي والأسرار الحكومية لن تكون وسيلتها الأسهل هي الحصول على مدخل للوكالات الحكومية الأمريكية, وإنما ببساطة أن تؤمن لعملائها وظائف في أي من الشركات الخاصة الكبيرة المتكيفة مع عمل المخابرات، والتي أصبحت تعتمد عليها الحكومة بشكل ملحوظ.

«بووز ألين هاميلتون» هو أحد أقدم المتعاقدين في مجال المخابرات والعمليات السرية، وقد كان حتى كانون الثاني 2007 موظفاً لدى مايك ماكنيل المدير الحالي للمخابرات القومية، وأول متعاقد خاص يتم تسميته لقيادة كامل منظومة المخابرات!.

وفقاً للميجر جنرال أنتوني تاغوبا الذي حقق في فضيحة التعذيب وإساءة المعاملة في أبو غريب، فإن أربعة من المحققين من الـ«سي إيه سي آي» كانوا بشكل مباشر أو غير مباشر مسؤولين عن تعذيب السجناء.

ملفت للنظر بما يكفي أن المؤسسة العالمية لتطبيق العلوم، قد أخذت مكان وكالة الأمن القومي كجامع أساسي لمخابرات الإشارات لدى الحكومة.. إنه أكبر عقد لوكالة الأمن القومي، وتلك الوكالة اليوم هي أكبر زبون لدى الشركة.

هناك آلاف من المشاريع الربحية التي تعمل لإمداد الحكومة بما يسمى الحاجات المخابراتية, وقد جرى في بعض الأوقات رشوة أعضاء الكونغرس لتمويل المشاريع التي لا يريدها أحد من الفرع الإداري.

هذه كانت حال عضو الكونغرس راندي «دوق» كانينغهام, وهو جمهوري من مقاطعة كاليفورنيا والذي حُكم عليه في عام 2006 بالسجن ثماني سنوات ونصف لأخذه رشوة من متعاقدي الدفاع. أحد الذين قدموا الرشوة, برنت ويلكنز الذي انتزع عقدا بـ9.7 مليون دولار لشركته إيه دي سي إس المحدودة.

الولايات المتحدة لديها سجل طويل عندما يتعلق الأمر بحماية مخابراتها من التسريب الأجنبي, لكن الوضع اليوم يبدو خطيراً بشكل واضح. 

الجمهوريون والديمقراطيون: الحرب والخداع والخصخصة!

الولايات المتحدة غارقة تقريباً بالعبارات المخادعة, وتحديداً الكلمات الجديدة المبتكرة أو المجلوبة لتبرير الغزو الأمريكي للعراق – صيغ ركز عليها برومويتش مثل «تغيير الحكومة», «تقنيات استجواب مجمّلة», «الحرب العالمية على الإرهاب», «آلام المخاض لولادة الشرق الأوسط الجديد», «زيادة طفيفة للعنف», «التعذيب بطريقة قانونية», «الغرق الكاذب»، وطبعاً «الضرر الملازم» وتعني قيام الجنود الأمريكيين والطائرات بذبح المدنيين غير المسلحين والتي يتبعها – ربما – اعتذار روتيني.

الانتقال الكامل للنشاط العسكري والمخابراتي إلى نشطاء خاصين، وغالباً مجهولين، نهضوا تحت رئاسة رونالد ريغن، وتسارع هذا النمو بشكل كبير بعد الحادي عشر من أيلول 2001 تحت رعاية جورج دبليو بوش وديك تشيني.

الشيء الذي غالباً يكون غير مفهوم هو التالي: أكبر توسع خاص داخل المخابرات والدوائر الحكومية الأخرى حدث تحت رئاسة بيل كلينتون، فلقد بدا أنه لا يملك الدوافع نفسها المضادة للحكومة، كما لا يملك أفكار المحافظين الجدد المشابهة لأصحاب الخصخصة (ريغان وبوش الثاني)، فسياساته تضمنت شكلاً نمطياً من عدم التحيز – وأحيانا بعض التجاهل – تجاه ما كان يحدث للحكومة الديمقراطية المسؤولة عن تخفيف التكاليف ومزاعم الفاعلية الأكبر.

إن إحدى نقاط القوة في دراسة شوروك هي أنه شرح بالتفصيل دور كلينتون في خصخصة الحكومة الأمريكية بالجملة, وبالتحديد وكالات المخابرات.

أطلق ريغان حملته لتقليص حجم الحكومة، وعرض حصة كبيرة من النفقات العامة على القطاع الخاص بخلق «مخطط القطاع الخاص في التحكم بالمصاريف» عام 1982، وكمسؤول عن المخطط الذي أصبح معروفاً باسم «لجنة غريس»، (نسبة لرئيسها رجل الأعمال المحافظ بيتر غريس رئيس مجلس إدارة شركة دبليو آر غريس إحدى أكبر الشركات الكيميائية في العالم وصاحبة السمعة السيئة)، تمت خصخصة سكة حديد الشحن للولايات الشمالية.. لم يحدث شيء آخر على هذه الجبهة خلال فترة إدارة بوش الأول, لكن بيل كلينتون عاد إلى الخصخصة بإفراط.

وفقا لشوروك:

«بيل كلينتون، أخذ الهراوة من المكان الذي تركها فيه رونالد ريغان، أخذها عميقاً داخل الإدارات التي كانت تعتبر يوماً ما حكومية, بما فيها العمليات العسكرية المحفوفة بالمخاطر والمهمات الاستخباراتية التي كانت مقتصرة يوماً ما على الوكالات الحكومية.

بنهاية الفترة الأولى لكلينتون أكثر من 100.000 وظيفة في البنتاغون انتقلت إلى شركات في القطاع الخاص – من بينها آلاف الوظائف في المخابرات. مع نهاية الفترة الرئاسية الثانية عام 2001، اقتطعت الإدارة 360.000 وظيفة من جدول الرواتب الفديرالي، والحكومة أصبحت تصرف أكثر بـ44 بالمئة على المتعاقدين مما كانت تفعل عام 1993.»

هذه النشاطات تصاعدت بعد أن سيطر الجمهوريون على مجلس النواب عام 1994 لأول مرة منذ 43 عاماً.

مؤسسة الإرث في الجناح اليميني وصفت ميزانية كلينتون عام 1996 بأنها «أوقح جدول أعمال للخصخصة وضعه أي رئيس حتى تاريخه».

بعد 2001 أضاف بوش وتشيني منطقا أيديولوجياً للعملية التي أطلقها كلينتون بفاعلية، فقد كانا داعمين متحمسين «لقيادة المحافظين الجدد للشلال الذي تصرفه الولايات المتحدة على الدفاع, الأمن القومي, والبرامج الاجتماعية والمؤسسات الكبيرة الصديقة لبوش وإدارته».

احذر.. أنت تحت المراقبة دائماً!

النتائج النهائية هي ما نراه اليوم: حكومة مفرغة من معاني المهمات العسكرية والاستخباراتية.

مؤسسة كي بي آر على سبيل المثال تقدم الغذاء, التنظيف, وغيرها من الخدمات الشخصية للجنود في العراق بعقود شديدة الربحية, بينما تقدم بلاك ووتر وورلد وايد الأمن والخدمات التحليلية للـ«سي آي إيه»  والقسم الحكومي في بغداد.

(المرتزقة المسلحون لهذه المؤسسة فتحوا النار وقتلوا 17 مدنياً أعزل في ساحة المنصور في بغداد في 16 أيلول 2007.. وهذا مجرد مثال).

تكاليف الخصخصة – المالية والبشرية – في القوات المسلحة ومنظومة المخابرات تجاوزت أي مزاعم للإنقاذ, وبعض العواقب على النظام الديمقراطي يتعذر إصلاحه.

هذه العواقب تتضمن: التضحية بالاحترافية داخل إدارات المخابرات. جاهزية المتعاقدين الخاصين للدخول في نشاطات غير قانونية دون أدنى تأنيب للضمير مع وجود حصانة. عدم قدرة الكونغرس أو المواطنين على تنفيذ مراقبة فاعلة على نشاطات المخابرات التي تنفذها شركات خاصة بسبب جدار السرية الذي يحيط بها. وربما الأكثر خطورة فقدان أكثر جوهر تملكه أي منظمة مخابرات – ذاكرة المؤسسة.

معظم النتائج واضحة حتى لو لم يتم التعليق عليها من السياسيين أو من الإعلام السائد. ثمة خسارة في الاحترافية داخل السي آي إيه.. ولعل الفشل الأكبر كان في التقييم العالمي للاستخبارات عام 2002 في امتلاك العراق لأسلحة التدمير الشامل.

من المذهل أنه لا يوجد موظف كبير واحد يبدو مهيئاً للاستقالة عندما تفشل الأبعاد الحقيقية للمخابرات الأمريكية في أن تكون واضحة, وعلى رأسها مدير المخابرات المركزية..

الرغبة في الدخول في نشاطات تتراوح من التردد إلى الإجرام الكامل، تبدو متفشية بين المتعاقدين في المخابرات أكثر منها بين أعضاء الوكالة أنفسهم, ومن الصعب على شخص من الخارج أن يكتشف.

على سبيل المثال، ما بعد الحادي عشر من أيلول، الأدميرال جون بوينديكستر الذي كان يعمل آنذاك لدى وكالة المشاريع الدفاعية عالية التطور (دي إيه آر بي إيه) لدى وزارة الدفاع, خطرت له الفكرة العبقرية أن الوكالة يجب أن تبدأ بجمع الملفات حول أكبر عدد ممكن من المواطنين الأمريكيين وذلك بهدف معرفة إذا ما كانت إجراءات التنقيب عن المعلومات تظهر أنماطاً من التصرف متوافقة مع النشاط الإرهابي.

نشرت نيويورك تايمز في 14  تشرين الثاني 2002 عموداً كتبه وليم سافير بعنوان «أنت مشبوه» يكشف فيه أن وكالة (دي إيه آ ربي إيه) أعطت ميزانية بـ200 مليون دولار لجمع الملفات حول 300 مليون أمريكي:

«كل عملية شراء أجريتها ببطاقتك الائتمانية, كل اشتراك في مجلة أو وصفة طبية, كل موقع إلكتروني زرته، وكل بريد إلكتروني أرسلته أو استلمته, كل إيداع بنكي أجريته, كل رحلة حجزتها, وكل فعالية حضرتها – كل هذه التعاملات والتواصلات ستذهب إلى ما تسميه وزارة الدفاع قاعدة البيانات المركزية الفعلية».

هذا صدم الكثير من أعضاء الكونغرس، لأنه قريب جداً من تصرفات الغوستابو والستاسي في عهد الدكتاتورية الألمانية, ولذلك، صوتوا في السنوات التي تلت لإيقاف تمويل المشروع، إلا أن تصرف الكونغرس لم يوقف برنامج «الإطلاع على كامل المعلومات»، فوكالة الأمن القومي قررت سراً أن تستمر بتنفيذه من خلال المتعاقدين الخاصين.. وهو ما يجري حتى الآن..