عادل ياسين عادل ياسين

حق التظاهر السلمي مقدمة لأي إصلاح سياسي- اقتصادي

في إحدى المقابلات التي أجرتها الفضائية الإخبارية السورية مع المواطنين في منطقة دوما، وجه المراسل سؤالاً للمواطنين عن مطالبهم وآرائهم في الإصلاحات التي طرحتها القيادة السياسية، وفي مقدمة تلك الإصلاحات إلغاء قانون الطوارئ وتوابعه، وإصدار قانون للأحزاب ينظم الحياة السياسية، وقانون الإعلام.. وسواها من الوعود الكثيرة التي طرحت، ولكن إلى الآن لم ير النور إلا القليل منها، حيث طغى على تلك الإصلاحات الضرورية مناخات أخرى سقط من جرائها العشرات من الشهداء، والجرحى دون مبرر مع أن مطالب المتظاهرين سلمياً كانت واضحة وضوح الشمس، حيث أكدوا ذلك من خلال شعاراتهم التي أكدت على الوحدة الوطنية بوصفها عنصراً أساسياً وضرورياً، والتي لا يمكن التحدث عن الصمود والمواجهة والمقاومة للمشاريع العدوانية الخارجية، وللقوى الداخلية المرتبطة بها دونها، وهي التي يؤمن بها الشعب السوري، وكانت من مرتكزاته الأساسية التي واجه بها الاحتلال الفرنسي، وحقق الاستقلال التام، وأصبحت بذلك سورية إحدى القلاع الأساسية ضمن حركات التحرر والمقاومة التي دفع شعبنا الغالي والرخيص من أجلها انطلاقاً من وطنيته العالية، كونه شعباً لا يقبل الخنوع والرضوخ والذل، وسيبقى كذلك يناضل من أجل حقوقه، ويدافع عن مصالحه التي أهدرت خلال عقود مضت، حتى باتت سورية تصنف من الدول الفقيرة رغم أنها غنية بثرواتها وغنية بخيرات شعبها التي تصدرها إلى كل أصقاع الأرض، دون أن تستفيد منها في تطوير قدراتها، وإمكانياتها لحل الأزمات المستعصية منذ عقود وفي مقدمتها الفقر والبطالة، وغياب الديمقراطية التي كانت تصدح بها حناجر المتظاهرين سلمياً.

 

 

السؤال الذي يمكن استنتاجه من تلك المقابلات التي أجريت مع المواطنين في دوما هو:

لماذا تظاهرت دوما وغيرها من المناطق؟!

هذا السؤال الكبير هو برسم النظام السياسي برمته، وليس الحكومة السابقة أو التالية فقط، لأن الإجابة تحتاج إلى وقفة لرؤية الأسباب العميقة السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي راكمت الأزمات، ودفعت بها إلى الأمام دون السعي الحقيقي لإيجاد الحلول التي تنتزع الفتيل، وتقطع الطريق على بؤر التوتر التي تحدثنا عنها كثيراً، والتي قلنا إنها بوابات العبور الرئيسية لتفجير الأوضاع داخلياً، ومن أهمها الجانب الاقتصادي السياسي، وليس الذي دفع بالناس إلى الشارع هو المؤامرة الخارجية، بل الذي دفعهم هو مطالبهم وشعورهم بالظلم الشديد، وهم يروا بأم أعينهم حالات الاغتناء السريع حتى التخمة لدى البعض، بينما الأغلبية تعيش ما دون كفاف يومها، صحيح أن القوى التي لها مصلحة بالتفجير لمصلحة مشاريعها الخاصة حاولت ركوب موجة الغليان الشعبي والغضب والتذمر مما يجري، ولكن من المؤكد أن أهدافها ستسقط أمام وعي الشعب ودرايته التامة بدور تلك القوى المشبوهة، والتي لا صلة لها بحقوقه ومصالحه المشروعة، التي عبرت عنها المظاهرات بجرأة وشجاعة، وبصدور عارية في مواجهة الرصاص الذي يطلق عليها، والتي أدانته بقوة وشجاعة من أية جهة جاءت تلك الطلقات.

إن الأوضاع الاقتصادية التي عاشتها الجماهير الفقيرة، ومازالت تعيشها، هي المحرك الأساسي لهذا الحراك الشعبي الواسع، فالسياسات الليبرالية التي جاءتنا من وراء المحيطات قد لعبت الدور الهام في تعميق التناقضات، التي أدت إلى فرز عميق داخل المجتمع، وأدت إلى خراب الاقتصاد الوطني وقطاعيه العام والخاص، وأدت أيضاً إلى تدهور أوضاع العاملين بالمجال المهني الحرفي حيث أصابتهم تلك السياسات بمقتل حرمتهم من مهنهم التي كانوا يعتاشون من خلالها.

فسياسة الانفتاح الواسع بما فيها فتح الأسواق على مصراعيها أمام البضائع الأجنبية الصينية والتركية التي نافست الإنتاج المحلي بأسعارها المتدنية، والتي هي أقل رخصاً مما ينتجه الحرفيون وأصحاب المهن، أدت إلى إغلاق مشاغلهم وتسريح عمالهم، وهذا ما عبر عنه أحد المواطنين (الدوامنة) حيث قال: (عندي مشغل صغير يعمل به عشرون عاملاً، وأغلقته بسبب عدم قدرتي على منافسة البضائع الصينية والتركية، وتم تسريح العمال).

هذا إلى جانب صناعة هامة يعمل بها أهالي ريف دمشق، وهي صناعة الموبيليا، هذه الصناعة العريقة التي بدأت تحتضر وتختفي من الأسواق بسبب المنافسة الضارية مع البضائع الأجنبية.

إن هذه السياسة غير العادلة التي سببتها السياسات الليبرالية قد جعلت الناس يهيمون على وجوههم بحثاً عن عمل دون فائدة.. أليس هذا السبب كافٍياً ليولد الغضب والتظاهر والسخط على من كان السبب فيما وصلوا إليه؟

 

إن احترام حق التظاهر السلمي الذي كفله الدستور السوري للمطالبة بالحقوق هو المقدمة الضرورية لأي إصلاح سياسي- اقتصادي تقتنع به الجماهير المطالبة بحقوقهاوالذي لن يسير الإصلاح المنشود دونه أية خطوة إلى الامام.