المأزق البنيوي للرأسمالية: الركود والفاشية الجديدة ومشروع إعادة الاستعمار

المأزق البنيوي للرأسمالية: الركود والفاشية الجديدة ومشروع إعادة الاستعمار

الملخص: يمر النظام الرأسمالي العالمي بأزمة بنيوية غير مسبوقة، تتجاوز التقلبات الدورية التقليدية، وتتجلى في ركود مزمن، وتفاوت طبقي متصاعد، وعجز إمبريالي متراكم، وصعود تيارات فاشية جديدة. تحلل هذه الورقة التناقضات الداخلية للنظام النيوليبرالي التي تحوّله إلى طريق مسدود، وتكشف عن محدودية الحلول السياسية المتمثلة في الفاشية الجديدة، وتفكك مشروع إعادة استعمار الجنوب العالمي الذي تقوده واشنطن كآلية يائسة للحفاظ على الهيمنة، وذلك في سياق مقاومة شعوب الجنوب التي تحمل في طياتها إمكانيات تحولية كبرى قد تعيد تشكيل مستقبل العلاقات الدولية.

برابهات باتنيك
عن المراجعة الشهرية بتصرف


أولاً: فائض الفائض والركود المزمن... التناقض الداخلي للنيوليبرالية


يكمن البُعد الأول للأزمة البنيوية للرأسمالية في ظاهرة الركود والبطالة المقنعة التي طبعت العقد الأخير من القرن الحالي. ففي عقد 2010م، كان معدل النمو الاقتصادي العالمي الأدنى منذ الحرب العالمية الثانية، وهو مؤشر صارخ على عمق الخلل الهيكلي. وهذه الظاهرة ليست عارضة أو نتيجة لصدمات خارجية، بل هي نتيجة حتمية لطبيعة الرأسمالية النيوليبرالية التي أشعلت سباقاً تنافسياً شرساً في السوق العالمية، ورفعت منسوب الابتكار التكنولوجي، لكنها في الوقت ذاته عمّقت الفجوة الطبقية
بشكل غير مسبوق، وأحدثت شرخاً كبيراً بين إنتاجية العمل والأجور.
في ظل حرية تنقل رأس المال المالي والإنتاجي عبر الحدود، بينما يظل العمال أسرى لدولهم (إلا في حالات الهجرة المحدودة والمصرح بها)، يُجبر عمال الشمال (الدول المتقدمة) على منافسة عمال الجنوب (الدول النامية) ذوي الأجور المنخفضة. فهذه المنافسة، إلى جانب الاحتياطي الهائل من العمالة في الجنوب (وهو إرث استعماري يعود إلى قرون من النهب والتفريغ السكاني)، تؤدي إلى كبح جماح الأجور الحقيقية في كلا القطبين. ففي الشمال، تكاد الأجور تتجمّد، وقد وثّق الاقتصادي جوزيف ستيجليتز أن متوسط أجر العامل الأمريكي الذكر في عام 2011 كان أدنى من نظيره في عام 1968، وهو تراجع مذهل يمتد إلى أكثر من أربعين عاماً. وفي الجنوب، تظل الأجور مثبتة عند مستوى الكفاف، نظراً لوجود احتياطي لا ينضب من العمالة، وهو ما يمنح رأس المال قدرة تفاوضية هائلة.
في المقابل، تواصل إنتاجية العمل ارتفاعها بفضل التغير التكنولوجي المتسارع، الذي أصبح ضرورة تنافسية في ظل العولمة. وهذا الانفصال بين الإنتاجية والأجور يولّد ما يمكن تسميته «بفائض الفائض»؛ أي زيادة متصاعدة في حصة الأرباح والريع والإيجارات المالية على حساب دخل العمال والطبقات الوسطى. ولما كان العمال يستهلكون نسبة أكبر من دخلهم مقارنة بالطبقات المالكة (التي تدخر جزءاً كبيراً من ثرواتها)، فإن هذا التحول في توزيع الدخل يُفضي إلى نقص مزمن في الطلب الكلي الاستهلاكي، وبالتالي إلى نزعة مفرطة للإنتاج (ex ante overproduction)، التي تتجلى في صورة ركود وطاقات عاطلة عن العمل، وتراكم للسلع غير المباعة، وانكماش في فرص الاستثمار الإنتاجي.


ثانياً: تحييد الدولة وإجهاض السياسات الإنقاذية... مأزق النيوليبرالية


الأكثر إثارة في هذه الأزمة ليس الركود بحد ذاته، بل عجز أقوى أداة تقليدية لمواجهته، ألا وهي الإنفاق الحكومي الموسع. ففي المنطق الكينزي الكلاسيكي، يمكن للدولة تحفيز الطلب عبر تمويل عجز مالي (بحيث تزيد إنفاقها دون زيادة الضرائب، مما يضخ سيولة في الاقتصاد)، أو عبر فرض ضرائب تصاعدية على الأغنياء (الذين يدخرون جزءاً من دخلهم، مما يعني أن إنفاق الإيرادات الضريبية يولد مضاعفاً إيجابياً في الطلب الكلي). ولكن النيوليبرالية تُحبط هذين المسارين بشكل ممنهج وتُفرغهما من محتواهما الفعال.
فرأس المال المالي العالمي، الذي يمتلك نفوذاً مهيمناً على الدول القومية بفضل حرية حركته وقدرته على الإضراب عن الاستثمار، يعارض بشدة أي زيادة في الضرائب على الأثرياء، الذين يمثلون شريحة كبرى من المستثمرين الماليين وصناع القرار في البورصات العالمية. كما يعارض أي توسع في عجز الميزانية، مستنداً في ذلك إلى تشريعات «المسؤولية المالية» التي تقيد العجز بنحو 3% من الناتج المحلي، والتي تم تعميمها في معظم دول العالم تحت إشراف المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وحيث إن المال معولم والدولة قومية، فإن إرادة الأول تسود؛ وأي محاولة لتجاوز هذه القيود ستواجه هروب رؤوس الأموال، وانخفاض قيمة العملة، وارتفاع أسعار الفائدة، وأزمة مالية فورية قد تؤدي إلى إفلاس سيادي. وهكذا، تُحاصر النيوليبرالية نفسها في طريق مسدود؛ فهي تُحدث الركود، ثم تُعمّد عجزها عن معالجته، مما يجعل تجاوز النيوليبرالية ذاتها شرطاً حتمياً للخلاص من المأزق الراهن. وهذا هو السبب الجوهري وراء شعور الشعوب بالعجز والغضب المتزايد تجاه الأنظمة السياسية القائمة، وهو ما يفتح الباب أمام البدائل المتطرفة.


ثالثاً: الفاشية الجديدة... استجابة سياسية هزيلة لأزمة بنيوية


عجز النظام عن تقديم حل اقتصادي ملموس دفعه نحو البديل السياسي المتمثل في صعود التيارات الفاشية الجديدة. ففي كل مجتمع، توجد نزعات كراهية تجاه الأقليات الدينية أو الإثنية، لكنها تظل هامشية إلى أن تدعمها شرائح من رأس المال الاحتكاري، ويحدث ذلك تحديداً عندما تخلق الأزمة الاقتصادية استياءً عميقاً بين البرجوازية الصغرى والعمال وصغار الرأسماليين، مما يهدد الاستقرار الاجتماعي الذي تقوم عليه هيمنة الاحتكارات.
عندئذٍ، يتبلور تحالف بين رأس المال الكبير والفاشية الجديدة، يعمل على قمع الحقوق الديمقراطية، وتكميم الأفواه، واستخدام مزيج من القمع الحكومي وعنف البلطجية، وبناء عبادة الشخصية حول «الزعيم» الذي يُفترض أنه يرمز إلى «الأمة» في مواجهة مؤامرات الخارج والداخل، وإشعال خطاب كراهية مُشتت يهدف إلى تقسيم الطبقة العاملة ومنع أي تحدٍّ جذري لهيمنة الاحتكارات. وقد وصلت هذه التيارات إلى سدة الحكم في دول كالولايات المتحدة (عودة ترامب)، والهند (تحت حكم المودي)، وإيطاليا (تحت حكم ميلوني)، والأرجنتين (تحت حكم ميلي)، وأصبحت على مقربة من ذلك في دول أوروبية أخرى كفرنسا وألمانيا.
لكن الفاشية الجديدة، خلافاً لما حدث في ثلاثينيات القرن العشرين، لا تستطيع تقديم حل اقتصادي حقيقي. ففي الماضي، تغلبت الفاشية الكلاسيكية على البطالة الجماعية عبر الإنفاق العسكري الضخم المموّل بالعجز المالي، مما أدى إلى انتعاش الطلب وامتصاص البطالة، وإن كان ذلك على حساب التضخم والاستعداد للحرب. أما اليوم، فإن عولمة المال تقيّد يد الدولة الفاشية الجديدة تماماً كما تقيّد يد الدولة الليبرالية؛ فهي لا تستطيع فرض رقابة على رأس المال، ولا تستطيع تنسيق تحفيز مالي عالمي دون مصادقة الاحتكارات التي ترفض ذلك جملة وتفصيلاً.
وهكذا، تفشل الفاشية الجديدة في حل الأزمة الاقتصادية، لكنها، على عكس سابقتها، تصبح ظاهرة أكثر استمراراً وأقل حدة في قمعها؛ فهي قد تُطاح عبر الانتخابات (رغم محاولاتها التلاعب بالعملية الديمقراطية)، لكنها تظل حاضرة في الأجنحة، قابلة للعودة كأداة احتياطية لإدارة الغضب الشعبي دون المساس بجوهر النظام الرأسمالي. وهذا يجعلها خطراً مزمناً، ليس لأنها تقدم حلولاً، بل لأنها تؤجل المواجهة الحقيقية مع التناقضات البنيوية.


رابعاً: الإمبريالية الأمريكية... قائد بلا مستعمرات ومعضلة الدين الخارجي


بينما يرتبط البُعد الأول للأزمة بفائض الإنتاج وعجز الطلب، يرتبط البُعد الثاني بالتناقض الهيكلي في موقع القيادة الإمبريالية، وتحديداً معضلة «القائد بلا مستعمرات». فالتاريخ الاقتصادي يُظهر أن القوة الرأسمالية الرائدة تحتاج إلى عجز في الحساب الجاري لاستيعاب صادرات الدول الناشئة (لكي ينمو النظام في مناطق جديدة)، ولكي تنفق على إدارة النظام العالمي (القواعد العسكرية، الحروب، الإنفاق الدبلوماسي، والمساعدات). في حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى، كانت بريطانيا تغطي هذا العجز عبر الاستنزاف المباشر لمستعمراتها، وخصوصاً شبه القارة الهندية.
ففي عام 1910، بلغ فائض بريطانيا من الهند (عبر رسوم الشحن، التأمين، وتصدير البضائع الإنجليزية، والاستيلاء على فائض الصادرات الهندية تجاه بقية العالم) نحو 60 مليون جنيه إسترليني، وهو ما سدّ نحو ثلثي عجز بريطانيا تجاه أوروبا القارية والولايات المتحدة، وخمسي عجزها تجاه العالم بأسره. ولم تكن هذه الأرقام مجرد إحصاءات؛ بل كانت تمثل نهباً منظماً للثروة الهندية، وسبباً رئيسياً في تجويع الملايين وتدمير النسيج الصناعي الهندي التقليدي.
أما الولايات المتحدة، التي ورثت القيادة بعد الحرب العالمية الثانية من دون أن ترث إمبراطورية استعمارية بالمعنى التقليدي (أي من دون قدرتها على «استنزاف» مواردها الخاضعة مجاناً وفرض رسوم جمركية عليها)، فقد اضطرت لتمويل عجزها الجاري عبر الاقتراض الخارجي المتراكم. فالدولار الأمريكي، رغم كونه عملة احتياطية عالمية في نظام «بريتون وودز»، ثم تحوله إلى «معيار النفط-الدولار» بعد انهيار القاعدة الذهبية عام 1971 على يد نيكسون، لم يمنع تراكم الديون الخارجية الأمريكية. فالولايات المتحدة اليوم هي الدولة الأكثر مديونية في العالم، حيث تتجاوز ديونها الخارجية 30 تريليون دولار، وهذا يشكل قنبلة موقوتة للنظام المالي العالمي.
فأي هزة ثقة، أو أي تحول في توقعات حائزي الدولارات، قد تدفعهم إلى التحويل نحو سلعة استراتيجية كالنفط أو الذهب، مما سيفجر تضخماً عالمياً حاداً يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة بشكل كبير، ويجبر على اتخاذ إجراءات تقشفية قاسية تؤدي إلى كساد عظيم. وهذه الهشاشة المالية تُضاف إلى هشاشة الطلب الكلي، لتكوّن أزمة مزدوجة؛ أزمة ركود وأزمة مالية، وهو ما يذكرنا بأحلك فترات الكساد الكبير، لكن مع تعقيدات العولمة الحديثة.

 

--3_result


خامساً: استراتيجية ترامب بين تقاسم الأعباء وإعادة الاستعمار


في هذا السياق المعقد، تكتسب استراتيجية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، رغم ما يكتنفها من فوضى ظاهرية وتناقضات، منطقاً داخلياً واضحاً. فهي ليست انفعالات فردية أو قرارات عشوائية، بل خطة ذات شقين لإنقاذ الهيمنة الأمريكية من الانهيار. الشق الأول: تقاسم الأعباء، أي إجبار الحلفاء الأوروبيين وحلفاء الناتو على تحمل جزء أكبر من تكلفة الدفاع عن النظام الرأسمالي (كالمطالبة برفع الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي)، مما سيخفف العبء عن الميزانية الأمريكية ويُقلل عجزها الجاري. وهذا يشبه إلى حد ما محاولة إعادة توزيع تكاليف القيادة، بدلاً من تحملها منفردة.
أما الشق الثاني، والأكثر خطورة وتطرفاً، فهو مشروع إعادة استعمار الجنوب العالمي. يهدف هذا المشروع إلى فرض معاهدات تجارية غير متكافئة تُماثل العلاقة الاستعمارية القديمة؛ إذ تسمح للولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية عالية على بضائع الجنوب، بينما يُجبر الجنوب على فتح أسواقه أمام البضائع الأمريكية بلا قيود جمركية تذكر، بل وتحديد حصص إلزامية للواردات، كما يُرى في المعاهدة التجارية المفروضة على الهند والتي تحدد أهدافاً كمّية لاستيراد الهند من الولايات المتحدة بحلول تواريخ محددة، وهي أهداف تفوق بكثير المستويات الحالية. وهذا يتجاوز حتى ما كان سائداً في الفترة الاستعمارية البريطانية، حيث كانت الكميات المستوردة تُترك للسوق، بينما هنا تُفرض كمّياً.
وهذا يهدف إلى تحويل الطلب الكلي لصالح المنتج الأمريكي، وتقليص العجز التجاري، وخلق فرص عمل داخل الولايات المتحدة، دون الحاجة إلى زيادة الإنفاق الحكومي (وبالتالي دون الدخول في صدام مع رأس المال المالي). إنها سياسة «إفقار الجار» (beggar-thy-neighbor) بامتياز، تهدف إلى تصدير الأزمة إلى الجنوب، وتحويل عبء الركود إليه.
بالتوازي مع هذه المعاهدات، تعمل واشنطن على الاستيلاء المباشر على مصادر الثروات الحيوية في الجنوب، وفي مقدمتها النفط (كما في الهجوم العسكري على إيران وفنزويلا) والمعادن النادرة (كما في المطالبة بجرينلاند، التي تمتلك احتياطيات كبيرة من العناصر الأرضية النادرة المستخدمة في الصناعات التكنولوجية المتطورة). فالسيطرة على أسواق النفط العالمية لا تهدف إلى توفير الإمدادات فقط، بل إلى تدعيم «معيار النفط-الدولار»؛ فإمساك واشنطن بخناق الإمدادات النفطية يضمن بقاء الدولار عملة التسعير والتداول الأساسية، ويُحبط أي محاولة من الدول المنتجة للتحول نحو عملات أخرى (كاليوان الصيني أو اليورو) أو نحو مقايضة السلع. وهذا يُبقي على القيمة الاسمية للدولار ويمنع انهياره المفاجئ.
وهذه الخطوة تمثل استئنافاً «للاستنزاف» الإمبريالي بالمعنى البريطاني القديم، لكن هذه المرة بقوة السلاح المباشر والتهديد العسكري، مما يفتح فصلاً جديداً وأكثر وحشية في تاريخ الإمبريالية، ويكشف عن يأس النخبة الأمريكية من الحلول السلمية أو الدبلوماسية.


سادساً: مقاومة الجنوب العالمي... الآفاق الثورية في مواجهة إعادة الاستعمار


لكن مشروع إعادة الاستعمار هذا يصطدم بحائط المقاومة الشعبية في الجنوب العالمي. فبينما تحولت البرجوازيات الكبرى في دول الجنوب، المدفوعة بمصالحها الطبقية ورغبة أبنائها في الاندماج في المراكز الإمبريالية والحصول على الجنسيات الغربية، إلى طرف متواطئ مع مشروع إعادة الاستعمار، فإن الفلاحين، والعمال، والبرجوازية الصغرى، وهي الفئات التي شكلت العمود الفقري للنضال المناهض للاستعمار في القرن العشرين، ستدفعها الضائقة الاقتصادية المتصاعدة والتفاوت المتزايد إلى التصدي بشراسة لهذا المشروع.
فالمعاهدات غير المتكافئة ستؤدي إلى تدمير الصناعات المحلية، وتسريح العمال، وارتفاع الأسعار، وانهيار القطاع الزراعي التقليدي، مما يخلق ظروفاً موضوعية للثورة الاجتماعية. والأهم من ذلك أن هذه المقاومة لا يمكن فصلها عن الصراع ضد الأنظمة الفاشية الجديدة المحلية التي تقف في خدمة الاحتكارات وتعمل كحراس لهذا النظام الاستعماري الجديد. فالفاشية الجديدة، في هذا السياق، تصبح أداة لقمع أي احتجاج شعبي، مما يضفي على الصراع أبعاداً ثورية حادة، ويوحد تحت راية واحدة كل القوى المعارضة للهيمنة الإمبريالية والاستغلال الداخلي.
وقد أثبتت المقاومة الإيرانية الباسلة، في مواجهة العدوان الأمريكي المباشر، أن طريق إعادة الاستعمار ليس ممهداً بالسهولة التي تصورتها الإمبريالية؛ فصمود إيران، رغم الحصار والعقوبات، لم يربك حسابات واشنطن فحسب، بل شكّل حافزاً أخلاقياً وسياسياً لبقية شعوب الجنوب، وكسر حاجز الرهبة النفسانية الذي كانت الإمبريالية تعوّل عليه. ووفقاً لمنطق «جدلية المقاومة»، فإن كل صمود لجبهة ما يقوّي عزيمة الجبهات الأخرى، بينما أي استسلام أو انهيار يُضعف الروح العامة ويشجع الإمبريالية على المزيد من العدوان.
وهكذا، فإن المأزق الأمريكي، بدلاً من أن يحل أزمته، يعمّق التناقضات ويوسع
دائرة الصراع، ويخلق ظروفاً لنضال تحرري جديد في الجنوب العالمي، قد يعيد تشكيل خريطة القوى العالمية، ويتجاوز هيمنة رأس المال الطفيلي والعسكري.


خاتمة


تقف الرأسمالية اليوم أمام أزمة نظامية متعددة الأبعاد؛ فهي تعاني ركوداً عضوياً تفرضه هيمنة رأس المال المالي، وعجزاً سياسياً تجسد في فاشية جديدة عاجزة عن تجاوز قيود العولمة، وأزمة قيادة إمبريالية تدفع نحو مغامرة إعادة الاستعمار التي ستُقابل بمقاومة شعبية عنيفة. وهذه المعادلة -التي تجمع المأزق الاقتصادي، واليأس السياسي، والمقاومة الشعبية- ترسم ملامح مرحلة انتقالية حافلة بالصراعات. إن السعي إلى إعادة إنتاج علاقات التبعية الاستعمارية في القرن الحادي والعشرين، بإمكانياته المادية الهائلة وقدرات الاتصال المتطورة، لن يفعل سوى تسريع وتيرة الوعي الطبقي، وتوسيع قاعدة التضامن الدولي، وخلق ظروف موضوعية للنضال من أجل نظام عالمي جديد، يقوم على السيادة الغذائية، والعدالة التوزيعية، والتحرر من هيمنة رأس المال. الطريق طويل وشائك، لكن التناقضات الداخلية للنظام كشفت عن هشاشته، وبوابة المستقبل تُفتح على مصراعيها من خلال أصوات المضطهدين في كل مكان، والنضال من أجل كرامة الإنسان وحقه في حياة كريمة فوق كل الاعتبارات.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1288