الوداع الطويل للدولار الأمريكي
أيها الأصدقاء الأعزاء،
تحية طيبة من مكتب معهد ترايكُنْتِينَنْتال للبحوث الاجتماعية.
فيجاي براشاد
(نُشر في ٢٤ تموز ٢٠٢٦)
تأتي لحظات في التاريخ يبدو فيها النظام مكتملاً إلى درجة يصعب معها تصور نهايته. ففي زمن كانت فيه بريطانيا «تسيطر على الأمواج»، ساد الاعتقاد في أرجاء واسعة من العالم بأن الجنيه الإسترليني لم يكن مجرد عملة، بل هو اللغة الطبيعية للتجارة ذاتها. ومنذ منتصف القرن العشرين، تتحدث الولايات المتحدة عن الدولار الأمريكي بمنطق مماثل. ففي عام ١٩٨٠، وفي خضم أزمة نظام ما بعد بريتون وودز، لاحظ الاقتصادي الأرجنتيني راؤول بريبش أن «وهم الدولار المقتدر» كان سائداً في الولايات المتحدة. غير أن هذا لم يعد وهماً أمريكياً فحسب بحلول ذلك الوقت، إذ كان الدولار قد صار العملة الاحتياطية الرئيسية في العالم والعملة المهيمنة في التجارة الدولية. والآن، بدأ هذا الوهم، ببطء وبتفاوت، يتآكل.
يُظهر ملفنا الأخير، بنية القوة؛ الدولار، الأمولة المالية، والنضال من أجل السيادة، أن الدولار ليس مجرد نقود، بل هو مؤسسة من مؤسسات القوة الإمبريالية. إذ ينظم نظام الدولار التجارة، ويحدد إمكانية الوصول إلى الائتمان، ويُخضع الحكومات، ويموّل الحروب، ويعيد إنتاج التسلسل الهرمي بين شمال العالم وجنوبه. ومن ثم، فإن الجدل الدائر حول الدولار ليس مسألة تفضيل عملة على أخرى – الدولار على الـرنمينبي أو اليورو – بل هو مسألة ما إذا كانت البشرية قادرة على بناء نظام نقدي دولي يخدم التنمية لا الهيمنة.
التجارة بالعملات المحلية
كانت الإغراءات في السنوات الأخيرة هي الإجابة عن هذا السؤال بعجالة شديدة. فكل اتفاق ثنائي يُسوّى بالـرنمينبي بدلاً من الدولار، وكل إعلان من جانب مجموعة بريكس+ حول التجارة بالعملات المحلية، وكل زيادة في مشتريات البنوك المركزية من الذهب، قوبلت بتصريحات تُعلن أن إزالة الدولرة قد حانت. إن العناوين الرئيسية مُغرية، لكن الواقع أكثر تعقيداً بكثير. ومن نقاط القوة الكبرى في ملفنا أنه يأبى الخلط بين الرغبة السياسية والحقيقة الاقتصادية.
في الوقت ذاته، تغير شيء جوهري. لقد حولت الولايات المتحدة الدولار على نحو متزايد من أداة للتبادل إلى أداة للإكراه. إذ أثبتت العقوبات المالية، وتجميد الاحتياطيات السيادية، والاستبعاد من أنظمة المدفوعات، وتسليح التمويل الدولي، للحكومات في جميع أنحاء الجنوب العالمي أن الاعتماد على الدولار يحمل مخاطر سياسية متنامية. حين جُمِّدت نحو نصف احتياطيات روسيا من النقد الأجنبي، تساءلت العديد من وزارات المالية في العالم بهدوء عن سؤال بدا حتى ذلك الحين شبه مستحيل التصور: إذا كان هذا يمكن أن يحدث لروسيا، فلماذا لا يمكن أن يحدث لنا؟ لقد انكشف الدولار، الذي قُدّم ذات يوم على أنه
محايد سياسياً، عن كونه متجذراً بعمق في الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة.
اختزال العملات الاحتياطية
يواصل الدولار هيمنته على الاقتصاد العالمي، ليس لأن الولايات المتحدة تنتج معظم سلع العالم، فهي لا تفعل ذلك، ولا لأنها تمثل الجزء الأكبر من التجارة العالمية، فهي أيضاً لا تفعل ذلك. بل يهيمن الدولار على الاقتصاد العالمي لأن النظام المالي الدولي مبني حوله، ولأن الأسواق التي بُنيت على مدى أجيال تولد تأثيرات شبكية هائلة. فلا يمكن اختزال العملات الاحتياطية إلى مجرد وسائط للتبادل؛ فهي أيضاً مخازن للقيمة، ووحدات حساب، وآليات تسوية، وأسس تُقام عليها أسواق مالية شاسعة. تحتفظ الحكومات بالدولار لأن الحكومات الأخرى تستخدم الدولار، وتُقرض البنوك بالدولار لأن المقترضين يتوقعون السداد بالدولار. وكما يوضح الملف بدقة، لا يزال الدولار يمثل الحصة الأكبر من تسعير السلع الأساسية، ومعاملات الصرف الأجنبي، والاحتياطيات الرسمية، وتمويل التجارة، رغم أن الثقل الاقتصادي النسبي للولايات المتحدة قد تراجع باطراد. وهذا التناقض – بين تراجع الوزن الإنتاجي للولايات المتحدة واستمرار مركزية الدولار – هو ما يضفي على الجدل الدائر حول إزالة الدولرة إلحاحه.
بريطانيا المركز المالي
وبينما يتركز الكثير من الديناميكية الصناعية في القرن الحادي والعشرين في آسيا بدلاً من شمال الأطلسي، يظل التمويل منظماً حول وول ستريت. فالإنتاج والتمويل يعملان عبر جغرافيات مختلفة، وهذا الانحراف لا يمكن أن يحل نفسه تلقائياً. فافتتاح خزينة للذهب في هونغ كونغ، على سبيل المثال، يدل على التوسع السريع في بنية تخزين وتداول السبائك في آسيا، لكن مثل هذه التطورات لا تخلق وحدها نظاماً نقدياً جديداً. لقد بقيت بريطانيا المركز المالي للعالم طويلاً بعد تآكل تفوقها الصناعي، وكذلك تواصل الولايات المتحدة التمتع بـ «الامتياز الباهظ» من خلال الاستخدام العالمي للدولار طويلاً بعد انهيار حصتها في التصنيع. والسؤال الحاسم ليس ما إذا كان نظام الدولار في حالة تراجع (فهو كذلك)، بل ما الذي يمكن أن يحل محله بشكل واقعي.
الانتقال إلى ما وراء الدولار
ومع ذلك، فإن الانتقال إلى ما وراء الدولار لن يعتمد على التحولات الاقتصادية فحسب، بل على الابتكار والبناء المؤسسي أيضاً. في ورقته البحثية الأخيرة الجيوسياسية والنقد الدولي – طريق إلى عملة احتياطية جديدة، يطرح باولو نوجيرا باتيستا جونيور، المدير التنفيذي السابق لصندوق النقد الدولي ونائب الرئيس السابق لبنك التنمية الجديد، السؤال الآتي: ما هي البنية المؤسسية المطلوبة لبناء بديل لنظام الدولار؟ يرى نوجيرا باتيستا أن الـرنمينبي لن يحل محل الدولار ببساطة، وهذا ليس محتملاً ولا مرغوباً فيه. فالحكومة الصينية ليست لديها رغبة تذكر في مثل هذه الخطوة، لأنها تتطلب قدراً أعظم بكثير من تحرير الحساب الرأسمالي، مما يسمح لرأس المال بالتحرك بحرية أكبر من وإلى الصين. وقد يعرض ذلك البلاد لتدفقات مالية مزعزعة للاستقرار، ويدفع بقيمة الـرنمينبي إلى الارتفاع، ويجعل الصادرات الصينية أكثر تكلفة، ويُضعف بالتحديد المزايا الإنتاجية التي جعلت تنمية الصين ممكنة. وقد طرح الخبير الاقتصادي الصيني يو يونغدينغ مقترحات مهمة لتوسيع الاستخدام الدولي للـرنمينبي، بما في ذلك في سياق مناقشات مجموعة بريكس+ حول إزالة الدولرة، لكن حتى هذه المقترحات لا توحي باستبدال الهيمنة النقدية الأمريكية بهيمنة نقدية صينية.

أنظمة التسوية الثنائية
على مدى العقد الماضي، توسعت أنظمة التسوية الثنائية والمتعددة الأطراف للعملات بسرعة. وتشمل هذه النظام الروسي للرسائل المالية (SPFS)، الذي طُور في عام ٢٠١٤؛ ونظام المدفوعات بين البنوك عبر الحدود الصيني (CIPS)، الذي أُطلق في عام ٢٠١٥؛ وأطر التسوية بالعملات المحلية مثل الترتيب بين إندونيسيا وماليزيا وتايلاند الذي أُقر في عام ٢٠١٨؛ واتفاقات البنوك المركزية التي تتيح للدول الوصول إلى عملات بعضها البعض في أوقات الحاجة؛ وحسابات متخصصة، مثل حسابات غازبرومبنك من فئة «ك»، التي تسمح لبعض المدفوعات عبر الحدود بتجاوز القنوات القائمة على الدولار. ورغم أن هذه الأدوات لم تحل بعد محل نظام الدولار، فإنها تشكل جزءاً من البنية التحتية التي قد ينبثق منها نظام مالي جديد.
أصل احتياطي جديد
يقدم نوجيرا باتيستا خطة أكثر طموحاً للبناء التدريجي لأصل احتياطي جديد، يُنشأ بشكل جماعي من قبل ائتلاف من دول الجنوب العالمي، وتدعمه مؤسسة دولية جديدة، ويُصمم حصرياً للتسويات الدولية والحيازات الاحتياطية بدلاً من التداول المحلي. فمثل هذه العملة لن تلغي العملات الوطنية، لكنها ستكون بمثابة أداة احتياطية مشتركة قادرة على تقليل الاعتماد على الدولار. وكما يجادل ملفنا، فإن أهمية البدائل المؤسسية للدولار لا تكمن في الاستبدال الفوري لإطار نقدي بآخر، بل في بناء بنى تحتية دائمة قادرة على تعزيز تحرر البشرية.
التعاون النقدي أداة للازدهار المشترك
غير أن المؤسسات وحدها لا تستطيع أن تستنفد السؤال الأعمق. إذ إن إضعاف النظام المتمركز حول الدولار يطرح مشكلة أكبر من مجرد تصميم عملة احتياطية جديدة أو بنية مدفوعات مختلفة. فالمشكلة المركزية ليست نقدية فحسب، بل تنموية أيضاً. لقد نظمت المؤسسات التي نشأت بعد الحرب العالمية الثانية التمويل العالمي حول حماية الثروة بدلاً من تحويل الإنتاج، مما كافأ المضاربة بينما قيد التصنيع في معظم أنحاء العالم التي كانت مستعمرة سابقاً. ومن ثم، يجب الحكم على أي نظام نقدي جديد ليس باستقرار سعر الصرف فحسب، بل بقدرته على تمويل التحول الهيكلي، والتحديث التكنولوجي، والسيادة الغذائية، والتحول البيئي، والعمالة اللائقة. ينبغي أن تخدم ضوابط رأس المال، وبنوك التنمية، وأنظمة المدفوعات، والأصول الاحتياطية توسيع القدرات الإنتاجية بدلاً من تراكم المطالبات المالية. وبهذا المعنى، لا يمكن لخليفة نظام الدولار أن يحل محل عملة دولية بأخرى فحسب. بل يجب أن يدمج التمويل ضمن بنية تنموية أوسع، بحيث يصبح التعاون النقدي أداة للازدهار المشترك، والتنمية السيادية، والحد من اللا مساواة العالمية.
بين «الدولار المقتدر» والدولار المحتضر
النقود هي محور كل شيء في عالمنا، لأن الكثير من الحياة قد سُلِعت وأُخضعت لانضباط السوق الرأسمالي. فالمياه تُعبأ في زجاجات، والهواء يُكيف، بينما يظل الحنين إلى المقايضة على هامش كل المفاوضات. الدولار يلوح في أعلى رؤوسنا، وخلفه تقف الترسانة العسكرية الهائلة للولايات المتحدة والإرادة السياسية لاستخدام تلك القوة للدفاع عن عملتها. حين كتب واشنطن إيرفينغ عن «الدولار المقتدر» في القرية الكريولية (١٨٣٧)، كانت العبارة سابقة لأوانها. لكن في عصرنا هذا، أصبحت تبدو شبه طبيعية. إن ثروات دول الجنوب العالمي الغنية بالموارد تغادر بالدولارات وتعود في صورة ديون، بينما تتلألأ مدن المال غير الواقعية مثل لندن ونيويورك بالثروة الاجتماعية للعالم.
لكن هناك ارتجاف هنا وهناك، كما يشير ملفنا. فنحن لا نريد أن نبالغ في واقع إزالة الدولرة، بل نريد أن نظهر كيف لا يزال نظام الدولار يعمل اليوم، وكيف أُضعف، ولماذا لا يزال سليماً من الناحية البنيوية.
مع خالص الود،
فيجاي
عن فيجاي براشاد
فيجاي براشاد مؤرخ هندي ومحرر وصحفي. وهو زميل كتابة ومراسل رئيسي في Globetrotter. وهو محرر في دار LeftWord Books ومدير معهد ترايكُنْتِينَنْتال للبحوث الاجتماعية. وهو زميل أول غير مقيم في معهد تشونغ يانغ للدراسات المالية، جامعة رنمين الصينية. ألف أكثر من ٢٠ كتاباً، من بينها الأمم الأكثر ظلمة والأمم الأفقر. من كتبه الأخيرة النضال يجعلنا بشراً: التعلم من حركات الاشتراكية و(مع نعوم تشومسكي( الانسحاب: العراق وليبيا وأفغانستان وهشاشة القوة الأمريكية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1288