الإمبريالية الأمريكية المتجددة: قراءة في بنية الهيمنة المعاصرة
يشهد العالم منذ ما يزيد على عقد من الزمان تحولاً جيوسياسياً عميقاً، تجّلت ملامحه في حروب مفتوحة، كالحرب الروسية الأوكرانية، وفي إبادة جماعية ممنهجة في فلسطين، فضلاً عن أدوات الإكراه الاقتصادي التي تمارسها الولايات المتحدة بحق خصومها، من عقوبات شاملة إلى تجميد احتياطيات البنوك المركزية وعزل دول بأكملها عن المنظومة المالية العالمية. ومع ولاية دونالد ترامب الثانية، تصاعدت حدة هذا العدوان، فشُنَّت حربٌ على إيران، وفُرِضَت رسوم جمركية على كبرى الشركاء التجاريين، وأُعلِنَت نسخة جديدة من مبدأ مونرو، مع تهديدات بضم جرينلاند واختطاف رئيس فنزويلا.
عن مقالة في مجلة المراجعة الشهرية بقلم كوستاس لابافيتساس بتصرف
هذه التطورات ليست طارئة أو مجرد انعكاس لأهواء سياسية، بل هي تعبير عن أزمة بنيوية في الرأسمالية المعاصرة. والسؤال الجوهري الذي يطرحه هذا المقال، المنتمي إلى المدرسة الماركسية، هو: كيف يمكن تفسير هذا التصعيد الإمبريالي في ضوء آليات التراكم الرأسمالي الراهنة؟ وما هي الصلة الجدلية بين الاضطرابات الجيوسياسية، وبطء النمو الإنتاجي في قلب النظام الرأسمالي، وتوسع رأس المال المالي المضاربي؟
الأسس البنيوية للإمبريالية المعاصرة
تستند الإمبريالية الأمريكية اليوم إلى دعامتين أساسيتين: الأولى هي الاقتران بين رأس المال الإنتاجي المعولم Globalized ورأس المال المالي المدولن Internationalized *، والثانية هي هيمنة الدولار كنقود عالمية. فالعالم منظم في سلاسل إنتاجية تمتد عبر عشرات الدول، تقودها شركات متعددة الجنسيات، ومعظمها أمريكية، تتحكم في التصميم، والملكية الفكرية، والخدمات اللوجستية، والتسعير، والائتمان. وتُفَوَّضُ معظم الصادرات العالمية بالدولار، مما يُلزِم الموردين في فيتنام أو المكسيك بالتمويل بعملة أجنبية لسد الفجوة بين دفع تكاليف الإنتاج واستلام أثمان البضائع بعد ستين إلى تسعين يوماً.
هذا الهيكل الإنتاجي لا ينفصل عن النظام المالي الدولي، حيث تعمل ميزانيات الشركات العملاقة كمرآة للهرمية النقدية. فالشركات الأمريكية تصدر أكثر من نصف الديون طويلة الأجل وتحتفظ بنحو 39% من إجمالي النقد، بينما تتحمل الشركات الصينية، رغم تمثيلها أكثر من 20% من أكبر الشركات الصناعية، حصة غير متناسبة من الاقتراض قصير الأجل. وهذا الاختلاف ليس صدفة، بل هو انعكاس لكون الدولار عملة محلية وعالمية في آن، مما يمنح الشركات الأمريكية قدرة على التمويل بشروط أفضل وتجنب مخاطر إعادة التمويل.
هيمنة الدولار وآليات الإكراه
لا تقوم هيمنة الدولار على التفوق التجاري أو الإنتاجي للولايات المتحدة، بل على القدرات المؤسسية والقسرية للدولة الأمريكية. فالاحتياطي الفيدرالي يحدد أي الأصول تعتبر سائلة عالمياً، وأي الأوراق المالية تصلح كضمانات، وأي الميزانيات العمومية سيتم تثبيتها في الأزمات. كما أن النظام القانوني، الذي يخضع معظم العقود المالية الدولية لقضاء نيويورك أو لندن، يُشكِّل فضاءً قانونياً عابراً للحدود يخدم مصالح الهيمنة. وتأتي العقوبات كتعبير صريح عن هذه السلطة الكامنة، كما تجلى في تجميد احتياطيات البنك المركزي الروسي عام 2022.
وتتجلى هذه الآليات بوضوح في أوقات الأزمات، فخلال أزمة 2008 وجائحة 2020، مدّ الاحتياطي الفيدرالي خطوط مبادلة دولارية لـ14 مصرفاً مركزياً فقط، هي حلفاء الولايات المتحدة، مما سمح لها بتثبيت أنظمتها المالية في أيام، بينما عانت دول الجنوب العالمي، كالهند وإندونيسيا وجنوب إفريقيا، من تقلبات حادة وخسائر في الاحتياطيات واضطرار إلى سياسات تقشفية. وهذه الخطوط لا تغطي سوى نحو 55% من الواردات الأمريكية و60% من صادراتها، لكنها تشمل البلدان التي تنتشر فيها القواعد العسكرية الأمريكية، مما يؤكد أن الهيمنة النقدية والحضور العسكري وجهان لعملة واحدة.
من التمويل في مرحلته الأولى إلى مرحلته الثانية
شهدت الرأسمالية تحولاً نوعياً بعد أزمة 2008. ففي المرحلة الأولى من التمويل (Financialization Mark I)، كانت البنوك التجارية هي محور التراكم المالي، عبر الإقراض للأسر والمضاربة في الأسواق، وبلغت أرباحها ذروتها قرب 40% من إجمالي الأرباح الأمريكية قبل الأزمة. لكن هذه المرحلة استنفدت نفسها، فتراجع اقتراض الأسر، ولم تعد البنوك التجارية قادرة على قيادة التراكم.
وحل محلها ما يمكن تسميته «بـالتمويل في مرحلته الثانية» (Financialization Mark II)، والذي يقوم على بنوك الظل (Shadow Banks)، أي مديري الأصول وصناديق التحوط وشركات التأمين، التي تدير محافظ من الأوراق المالية العامة والخاصة. فشركات «الثلاثة الكبار» - بلاك روك، وفانغارد، وستيت ستريت - زادت حصصها المجمعة في شركات مؤشر S&P 500 من 6% عام 2008 إلى أكثر من 20% بحلول 2025. وبحلول منتصف 2025، كان نحو 40% من أسهم جميع الشركات التي تزيد قيمتها على مليار دولار في العالم تحت سيطرة مديري الأصول، وتُعَدّ الشركات الأمريكية الأكبر بين المستثمرين الأجانب في كل منطقة خارج أمريكا الشمالية. وهذا يمثل شكلاً من أشكال القوة الإمبريالية التي تمارس عبر الميزانيات العمومية لا عبر السيطرة الإقليمية المباشرة.
التمويل التابع في الجنوب العالمي
يشكل التمويل التابع (Subordinate Financialization) الجانب الآخر من هذه العملية، حيث تندمج اقتصادات الجنوب كعقد تابعة في النظام العالمي. فتصدير السلع بالدولار يخلق عدم تطابق عملات (Currency Mismatch) بين التزامات الشركات المقومة بالدولار وإيراداتها المحلية. وتضطر الدول الطرفية إلى رفع أسعار الفائدة بشكل دائم لجذب رؤوس الأموال المتقلبة، ففي تشرين الأول 2025، كان متوسط سعر الفائدة في البرازيل والهند وإندونيسيا والمكسيك وجنوب إفريقيا أعلى بأربع نقاط مئوية من سعر الفائدة الفيدرالي. وهذا الفرق يشكل ضريبة سيولة تفرض على هذه الدول للمشاركة في النظام العالمي، ويؤدي إلى ارتفاع سعر الصرف، مما يضعف القدرة التنافسية للصناعة المحلية، ويشجع على الاقتراض بالدولار، ويحول احتياطيات البلاد إلى أصول منخفضة العائد، بدلاً من استثمارها محلياً.
المفارقة الهيكلية وصعود اليمين المتطرف
المفارقة المحورية التي يعرضها المقال هي أن حصة الولايات المتحدة من القيمة المضافة في التصنيع العالمي انهارت من نحو 50% بعد الحرب العالمية الثانية إلى 16-17% اليوم، بينما لم تهبط حصة الدولار في الاحتياطيات الرسمية عن 60%. وهذا يعني هيمنة نقدية ومالية تصاحبها أفول القاعدة الإنتاجية.
وهذه المفارقة هي الخلفية المادية لصعود ترامب. فالشركات الأمريكية قادت عقوداً من تصدير رأس المال الإنتاجي وبناء سلاسل التوريد العالمية، مما أفاد رأس المال الأمريكي بشكل هائل، لكنه في الوقت نفسه جرد الولايات المتحدة من قاعدتها الصناعية وخلق الخراب الاجتماعي الذي غذى صعود اليمين. ويحاول ترامب التوفيق بين هدفين متعارضين؛ الحفاظ على هيمنة الدولار والمالية الأمريكية، واستعادة القدرة الإنتاجية الوطنية عبر الرسوم الجمركية والسياسات التقشفية. لكن هذه الأهداف متضاربة، لأن إعادة التصنيع تتعارض مع طبيعة رأس المال المعولم الذي يعتمد على سلاسل التوريد الرخيصة في الخارج.
الموقع الصيني ومستقبل النظام
ترى الدراسة أن الصين، على الرغم من كونها القوة الإنتاجية الكبرى بحصة 30% من التصنيع العالمي، لا تستطيع حالياً تحدي نظام الدولار، لأن اليوان لا يشكل سوى أقل من 3% من الاحتياطيات والمدفوعات العالمية. ولكي تصبح أي عملة نقوداً عالمية، يجب أن تتوفر لها أسواق مالية عميقة وسائلة في أصول عامة آمنة، وحماية قانونية لحاملي الأوراق المالية الأجانب، وانفتاح حساب رأس المال. وهذه الشروط تعرض النظام المالي المحلي لضغوط خارجية، وتتناقض مع نموذج التنمية الصيني الذي صُمم لتجنب هذا الانفتاح، لأنه كان سيعيق التنمية الصناعية ويشجع التمويل التابع.
خاتمة: نحو سياسة مناهضة للإمبريالية
إن الصراع الراهن - من احتجاز الاحتياطيات إلى استبعاد الدول من أنظمة الدفع وحظر التكنولوجيا وسباق التسلح والحروب بالوكالة - ليس اضطراباً عابراً، بل تعبير عن صراع إمبريالي عميق بلا نهاية واضحة. النظام النقدي العالمي لا يمكن إصلاحه سلمياً، والهيمنة الأمريكية لم تعد قادرة على إعادة توزيع المكاسب لتوليد الموافقة الطوعية، وأصبحت تتصرف كمنافس عدواني يفرض الإذعان على أعدائه وحلفائه على حد سواء.
لكن القوة العسكرية الأمريكية لم تعد كافية لإخافة خصومها، كما أثبتت الحرب في إيران. والموقف المناهض للإمبريالية يجب أن يدرك أن هذا النظام يستنزف الطبقة العاملة في الداخل الأمريكي كما يستنزف شعوب الجنوب، فالطبقة العاملة في قلب الإمبراطورية لا تجني مكاسب دائمة من هيمنة الدولار التي تدعم القوة القسرية؛ بل على العكس، كلما سعت الولايات المتحدة إلى تعزيز تفوقها الإمبريالي، زادت تقويض اقتصادها المحلي. وهكذا يخلق النظام ذاته ظروفاً موضوعية لنضال سياسي أممي مناهض للرأسمالية والإمبريالية معاً، يربط بين معاناة العمال في المركز ومعاناة المضطهدين في الأطراف، في مواجهة هيكل واحد من الاستغلال والإكراه.
*المدولن» يعني «الذي أصبح عالمي النطاق في حركته وتداوله»
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1289