عمال الدواجن... الحلقة المنسية في صناعة تُدار على أكتاف المهمشين
حين يُفتح الحديث عن قطاع الدواجن في سورية، تتصدر المشهد عادةً أرقام الإنتاج، وأسعار الفروج، وتكاليف الأعلاف، وخسائر المربين، وأزمات الاستيراد والتصدير. أما العامل الذي يدخل المدجنة قبل الجميع ويغادرها بعد الجميع، ويحمل العلف وينظف الفضلات ويلتقط الطيور النافقة ويتعامل مع الأقفاص والمواد الكيميائية، فيكاد لا يظهر في الصورة. وكأن الفروج يُنتج وحده، بلا يد عاملة تقف خلف كل دورة تربية.
في منشآت الدواجن، المرخصة منها وغير المرخصة، يعيش جزء من العمالة على هامش سوق العمل؛ عمال مؤقتون، مياومون، أو يعملون بنظام «الجمعية»، بلا استقرار وظيفي حقيقي ولا عقد واضح ولا ضمانات تقيهم تقلبات العمل. وبين حاجة العامل إلى أي دخل، وحاجة صاحب المدجنة إلى تخفيض تكاليف الإنتاج، تصبح اليد العاملة الحلقة الأسهل للضغط. وفي وقت تتحدث فيه الجهات الرسمية عن ارتفاع تكاليف الإنتاج، ومنها أجور العمال، يبقى السؤال الأقل حضوراً: كم يتقاضى العامل فعلياً، وكم ساعة يعمل، وما الذي يحصل عليه إذا مرض أو أصيب؟
المشكلة لا تتوقف عند الأجر الهزيل وساعات العمل الطويلة، والعمل في أيام العطل، والمناوبات غير المنتظمة، والبقاء في موقع العمل لفترات ممتدة، كلها أمور يمكن أن تجعل يوم العامل أطول بكثير من يوم العمل الطبيعي. وفي المنشآت الصغيرة أو غير النظامية، يصبح تطبيق قواعد العمل والسلامة أكثر صعوبة، بينما يملك العامل الهش هامشاً ضئيلاً للاعتراض خوفاً من خسارة مصدر رزقه.
والثمن الصحي ليس أقل قسوة. العامل يتعامل يومياً مع الغبار والريش والفضلات والأمونيا، ومع مواد التنظيف والتطهير، وقد يتعرض للحرارة والتهوية السيئة، وحمل أكياس العلف والصناديق، والانحناء والحركات المتكررة. كما أن الاحتكاك بالطيور المريضة أو النافقة يفتح باباً لمخاطر بيولوجية وأمراض حيوانية المنشأ. وفي كثير من الحالات، لا تكون معدات الوقاية الشخصية أو التدريب على استخدامها في مقدمة الأولويات.
المفارقة أن الدولة نفسها تتحدث اليوم عن تنظيم قطاع الدواجن ورفع كفاءة منشآته، بل وعن التوسع في المنشآت المرخصة وغير المرخصة ضمن خطط تطوير القطاع. لكن أي خطة لتنظيم الصناعة ستبقى ناقصة إذا نظرت إلى الدواجن بوصفها أعلافاً وطيوراً وأسعاراً فقط، وتجاهلت الإنسان الذي يقف داخل الحظيرة.
فالقطاع الذي يوفر الغذاء وفرص العمل لا يمكن أن يكون مستقراً إذا كان جزء من قوته العاملة يعيش بلا عقد، وبلا تأمين، وبلا أجر عادل، وبلا حماية من مخاطر المهنة.
الدجاج ليس وحده من يُنتج في هذه المنشآت؛ هناك أيضاً استغلال صامت لعمالة لا تجد من يتحدث باسمها. والحديث عن إنقاذ قطاع الدواجن يجب أن يبدأ، قبل الأسعار والأرباح، من سؤال بسيط: من يحمي العامل الذي ينتج هذا الغذاء؟
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291