لا قانون عمل جديد بلا اعتراف صريح بحق الإضراب
ميلاد شوقي ميلاد شوقي

لا قانون عمل جديد بلا اعتراف صريح بحق الإضراب

لا يكفي أن يحمل قانون العمل الجديد في سورية عنواناً براقاً يتحدث عن حماية العامل، أو أن يتضمن مجموعة من المواد المتعلقة بالأجور والإجازات والتعويضات والسلامة المهنية، فالقوانين العمالية لا تُقاس فقط بما تمنحه للعامل من حقوق فردية، وإنما بما تمنحه له من وسائل جماعية يستطيع من خلالها الدفاع عن هذه الحقوق وانتزاعها عندما لا يلتزم بها صاحب العمل. وفي مقدمة هذه الوسائل يأتي حق الإضراب، بوصفه أحد أهم أدوات الطبقة العاملة في مواجهة اختلال ميزان القوة داخل علاقة العمل.

ومن هنا فإن تضمين قانون العمل الجديد نصاً صريحاً وواضحاً يقر بحق العمال ونقاباتهم في الإضراب السلمي، وفق ضوابط قانونية محددة، ينبغي ألا يكون مسألة ثانوية أو تفصيلاً يمكن تأجيله، إنه اختبار سياسي واجتماعي حقيقي يكشف إلى أي حد تريد السلطة الجديدة بناء علاقة متوازنة بين العمل ورأس المال، وإلى أي حد ستنحاز فعلياً إلى الأغلبية العاملة في المجتمع، أم ستعيد إنتاج منظومة تشريعية تجعل مصالح أصحاب العمل مقدمة على حقوق العمال.
لقد أثبت قانون العمل رقم 17 لعام 2010 محدودية الحماية الجماعية والفردية للعمال، إذ لا يظهر حق الإضراب فيه باعتباره حقاً عمالياً أصيلاً، وتشير المراجع القانونية المتعلقة بسورية إلى أن التشريع السوري لم يوفر ضمانة واضحة لممارسة هذا الحق، وهو ما انعكس أيضاً في تقييمات دولية لواقع الحرية النقابية وحق الإضراب في سورية.


هنا يجب أن نطرح السؤال الأساسي: ماذا يعني حق الإضراب؟


الإضراب ليس رغبة العامل في التوقف عن العمل، وليس وسيلة للفوضى أو تعطيل الإنتاج لمجرد التعطيل، إنه، في جوهره، وسيلة تفاوض جماعية يلجأ إليها العمال عندما تصبح قدرتهم الفردية على التفاوض غير كافية لحماية مصالحهم، فالعامل الفرد يدخل إلى علاقة العمل وهو الطرف الأضعف: صاحب العمل يملك رأس المال وقرار الاستثمار والتوظيف والتسريح، بينما العامل لا يملك في معظم الأحيان سوى قوة عمله التي يبيعها مقابل أجر.
ولهذا فإن القول بوجود حرية تعاقدية كاملة بين العامل وصاحب العمل يتجاهل الواقع الاقتصادي للعلاقة. العامل الذي يحتاج إلى أجره لإطعام أسرته ودفع إيجار منزله وتأمين احتياجات أطفاله لا يستطيع، في كثير من الأحيان، أن يفاوض صاحب العمل من موقع متكافئ، وإذا كان القانون يمنعه أيضاً من التضامن مع زملائه، أو التوقف الجماعي عن العمل احتجاجاً على الظلم، فإن ما يسمى بالتفاوض يتحول عملياً إلى قبول بشروط الطرف الأقوى.


الإضراب هنا يعيد شيئاً من التوازن إلى هذه العلاقة


عندما يتوقف عشرات أو مئات العمال عن العمل بصورة منظمة وسلمية للمطالبة بزيادة الأجور، أو رفض التسريح التعسفي، أو تحسين شروط السلامة، أو تطبيق اتفاق جماعي، فإنهم لا يعتدون على حق صاحب العمل، وإنما يستخدمون قوة العمل الجماعية التي يمتلكونها للدفاع عن مصالحهم، ولذلك تعتبر منظمة العمل الدولية حق الإضراب حقاً أساسياً للعمال، ووسيلة رئيسية للدفاع عن مصالحهم الاقتصادية والاجتماعية، مع إمكانية وضع شروط وإجراءات قانونية لممارسته، مثل: الإخطار المسبق، أو استنفاد وسائل التفاوض والتوفيق.


من المهم هنا التمييز بين تنظيم حق الإضراب وإفراغه من مضمونه.


من حق المشرّع أن يضع إجراءات واضحة للإضراب، كاشتراط اللجوء أولاً إلى التفاوض أو الوساطة، وتحديد آلية اتخاذ قرار الإضراب، وتنظيم الإخطار، وضمان استمرار الخدمات الأساسية التي يؤدي توقفها إلى تهديد حياة الناس أو سلامتهم، وهذه الضوابط موجودة في تجارب قانونية عديدة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الإجراءات إلى قيود تجعل ممارسة الإضراب مستحيلة عملياً، فليس من المنطقي أن يقول القانون للعامل: لك حق الإضراب، ثم يضع أمامه عشرات الشروط والعقوبات والقيود التي تجعل هذا الحق مجرد عبارة على الورق.
إن قانون العمل الجديد، إذا كان يريد فعلاً أن يكون قانوناً عصرياً، مطالب بأن يبدأ من الاعتراف بأن العامل ليس مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، وإنما صاحب حق ومواطن وشريك في المجتمع، وإذا كانت السلطة تتحدث عن إعادة بناء الاقتصاد وتحقيق التنمية وجذب الاستثمارات، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر إضعاف العمال وتحويلهم إلى قوة عمل رخيصة وخائفة، بل عبر بناء علاقة مستقرة ومتوازنة بين العمال وأصحاب العمل.
فالاستثمار الحقيقي لا يحتاج إلى عامل منزوع الحقوق، وإنما إلى بيئة عمل مستقرة، وقواعد واضحة، ونقابات قادرة على التفاوض، وآليات قانونية لحل النزاعات قبل تحولها إلى صراعات مفتوحة.
من هنا يصبح حق الإضراب جزءاً من الاستقرار الاقتصادي وليس نقيضاً له
والأهم، أن هذا الحق يجب أن يقترن بحماية العامل من الانتقام بسبب ممارسته القانونية، فلا قيمة للإضراب إذا كان العامل يعلم أنه قد يفقد عمله بمجرد مشاركته فيه، أو إذا كان صاحب العمل يستطيع استبدال العمال المضربين، أو فصلهم، أو معاقبتهم، أو حرمانهم من حقوقهم، يجب أن يتضمن القانون ضمانات صريحة تمنع التسريح، أو العقوبة، أو التمييز، بسبب المشاركة في إضراب مشروع، وأن تفرض جزاءات على صاحب العمل الذي ينتقم من العمال بسبب ممارستهم حقاً كفله القانون.
كما يجب أن يكون الحق في الإضراب مرتبطاً بحرية التنظيم النقابي، فلا يمكن الحديث عن إضراب حقيقي إذا كانت النقابة نفسها ضعيفة، أو مقيدة، أو عاجزة عن تمثيل العمال باستقلال، وقد سبق للجنة الخبراء في منظمة العمل الدولية أن أثارت بشأن سورية مسائل تتعلق بالحماية الفعلية للحق في التنظيم النقابي وبالقيود على التعددية النقابية.


هنا تكمن المسألة السياسية الأعمق


إن الطبقة العاملة لا تحتاج إلى قانون يمنحها حقوقاً جميلة في النصوص، ثم يسحب منها أدوات الدفاع عن تلك الحقوق في الواقع، لا معنى للحديث عن الحد الأدنى للأجور إذا لم يمتلك العمال وسائل جماعية للمطالبة بأجر يتناسب مع تكاليف المعيشة، ولا معنى للحديث عن السلامة المهنية إذا لم يستطع العمال الاحتجاج على ظروف العمل الخطرة، ولا معنى للحديث عن المفاوضة الجماعية إذا كان الطرف الأقوى يعرف مسبقاً أن الطرف الآخر لا يمتلك سوى الشكوى الفردية والقضاء البطيء.
لذلك سيكون موقف السلطة من حق الإضراب مؤشراً بالغ الأهمية على طبيعة التوجه الاقتصادي والاجتماعي للمرحلة المقبلة.
فإذا أقر القانون حق الإضراب بوضوح، وحماه من الانتقام، ونظم ممارسته دون إلغائه، وضمن استقلال التنظيم النقابي، وحق العمال في التفاوض الجماعي، فإن ذلك سيكون رسالة واضحة بأن الدولة تريد بناء علاقة عمل قائمة على التوازن الاجتماعي.
أما إذا جرى تجاهل الحق، أو تركه غامضاً، أو إحاطته بقيود تجعل ممارسته شبه مستحيلة، أو منح أصحاب العمل وسائل واسعة لمعاقبة العمال المضربين، فإن الرسالة ستكون مختلفة تماماً: حماية حرية رأس المال في إدارة العمل أهم من حماية القوة العاملة التي تنتج الثروة.


هنا تحديداً يجب أن يكون العمال ونقاباتهم في حالة يقظة


فالقانون لا يصنع وحده ميزان القوى داخل المجتمع، لكنه يعكسه أيضاً، وكلما كان العمال أكثر تنظيماً ووعياً وقدرة على الدفاع الجماعي عن مصالحهم، استطاعوا التأثير في مضمون التشريع نفسه، أما انتظار أن تأتي حقوقهم من أعلى، دون ضغط اجتماعي ونقابي، فيعني ترك صياغة مستقبل علاقات العمل لمن يملك النفوذ الاقتصادي الأكبر.
إن حق الإضراب ليس امتيازاً يمنحه صاحب السلطة للعمال، بل حق اجتماعي ينبغي أن يعترف به القانون ويحمي ممارسته، والاختبار الحقيقي لقانون العمل الجديد لن يكون في عدد المواد التي تتحدث عن حقوق العمال، وإنما في السؤال البسيط:

--------1_result


هل يستطيع العامل أن يقول «لا» للظلم دون أن يخسر لقمة عيشه؟
إذا كانت الإجابة نعم، فإننا أمام خطوة حقيقية نحو العدالة الاجتماعية.


أما إذا كانت الإجابة لا، فإن كل الحديث عن حماية الطبقة العاملة سيبقى مجرد شعارات.
وفي بلد أنهكت اقتصاده سنوات الحرب والأزمة وارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، تحتاج الطبقة العاملة إلى قانون يمنحها أدوات فعلية للدفاع عن أجرها وكرامتها ومستقبلها، لا إلى قانون يطلب منها أن تتحمل وحدها كلفة الأزمة الاقتصادية.
إن النص الصريح على حق الإضراب في قانون العمل الجديد ليس تفصيلاً قانونياً؛ إنه امتحان لانحياز الدولة الاجتماعي، ومن خلال هذا الامتحان سيعرف العمال ما إذا كانت السلطة تنظر إليهم باعتبارهم أغلبية منتجة تستحق الحماية والتمثيل، أم باعتبارهم مجرد يد عاملة ينبغي أن تبقى رخيصة ومنضبطة.


الفارق بين النموذجين ليس لغوياً


إنه الفارق بين قانون عمل يحاول تحقيق التوازن بين العمل ورأس المال، وقانون عمل يتحول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى أداة لحماية مصالح رأس المال على حساب العمل.
ولهذا يجب أن يكون شعار العمال واضحاً: لا قانون عمل جديد بلا اعتراف صريح بحق الإضراب، ولا حق إضراب بلا ضمانات تحمي العامل من الانتقام، ولا عدالة اجتماعية بلا قوة جماعية للطبقة العاملة.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291