حين يُلاحق الصغار ويستعرض الكبار ثرواتهم... أي مكافحة للفساد؟
تتكرر حملات «مكافحة الفساد»، وتُعلن بين فترة وأخرى إحالة موظفين إلى التحقيق، أو تنفيذ جولات تفتيش مفاجئة، أو ضبط حالات رشوة داخل بعض المؤسسات. وتُقدم هذه الإجراءات بوصفها دليلاً على الجدية في مواجهة الفساد، لكن السؤال الذي لا ينبغي تجاهله هو: لماذا تتركز الأضواء غالباً على الموظف الصغير، بينما يبقى الفساد الكبير، بمراكزه وشبكاته وأدوات حمايته، بعيداً عن المساءلة العلنية؟
لا أحد يستطيع تبرير الرشوة أو التقليل من أثرها. فالمواطن الذي يُجبر على دفع المال لإنجاز معاملة يفترض أن يحصل عليها بوصفها حقاً، يتعرض للابتزاز، وتتحول الخدمة العامة إلى سلعة، وتفقد المؤسسات جزءاً من ثقة الناس بها. لكن تحويل الفساد الصغير إلى الواجهة الوحيدة لمعركة «المكافحة» لا يعني بالضرورة مواجهة الفساد، بل قد يكون طريقة مريحة لحصر المشكلة في حلقاتها الأضعف والأكثر سهولة في الملاحقة.
فالفساد الصغير ظاهر وقريب من المواطن، ويمكن ضبطه في جولة تفتيش أو إثباته بشكوى أو تسجيله كحالة فردية. أما الفساد الكبير، فلا يتحرك بالضرورة عند نافذة خدمة، ولا يحتاج إلى طلب رشوة مباشرة. إنه يعمل داخل مواقع القرار، وفي مسارات الإنفاق والإيرادات، وعبر العقود والمشتريات والمناقصات والمزادات، ومن خلال الاستثناءات والصلاحيات الواسعة وتضارب المصالح. وقد يمر تحت غطاء قانوني وإداري متقن، بحيث تبدو الإجراءات سليمة في ظاهرها، بينما تُوجه الموارد العامة لخدمة مصالح خاصة.
لكن الفساد الكبير، رغم قدرته على التخفي، لا يبقى دائماً غير مرئي. ففي كثير من الأحيان تظهر آثاره في مظاهر الثراء الفاحش، والإنفاق الاستعراضي، والبذخ المنفصل عن واقع المجتمع، وفي أنماط من التعالي والتفاخر تستفز الناس الذين يكافحون لتأمين احتياجاتهم الأساسية. وحين يرى المواطن مسؤولاً أو صاحب نفوذ يعيش في رفاه مبالغ فيه، ويحيط نفسه بمظاهر القوة والامتياز، بينما تتراجع الخدمات وتزداد الأعباء وتتسع دائرة الفقر، يصبح السؤال مشروعاً: من أين جاءت هذه الثروة؟ وكيف تراكمت؟ وهل خضعت مصادرها للتدقيق والمساءلة؟
إن الاستفزاز لا يأتي من وجود الثروة وحده، ولا من حق أي شخص في تحسين مستوى حياته، بل من التناقض الصارخ بين الثراء المتفاخر والواقع العام، ومن غياب الشفافية حول مصادر الثروة، ومن الشعور بأن بعض المواقع تمنح أصحابها قدرة على تحقيق مكاسب لا تتناسب مع الدخل المعلن أو مع الظروف الاقتصادية التي يعيشها المجتمع. ويزداد هذا الشعور حين تُطلب من المواطنين مزيد من التضحيات، بينما تُعرض أمامهم مظاهر البذخ وكأنها لا تحتاج إلى تفسير.
ومع ذلك، فإن المظاهر وحدها ليست دليلاً قانونياً على الفساد، ولا يجوز تحويل الانطباعات إلى أحكام. لكنها مؤشرات تستحق السؤال والتدقيق، خصوصاً عندما تترافق مع غياب الإفصاح، أو تضارب المصالح، أو احتكار المعلومات، أو ضعف الرقابة. فالمحاسبة الجادة لا تقوم على الشائعات، بل على تتبع الأموال، ومراجعة الذمم المالية، والتحقق من مصادر الثروة، وربطها بالدخل المشروع، وإتاحة المعلومات للجهات الرقابية المستقلة.
وهنا يجب قول الحقيقة بوضوح: القضاء على الفساد الكبير هو الطريق الأكثر فاعلية للقضاء على الفساد الصغير. فالأخير لا ينشأ دائماً بوصفه انحرافاً فردياً منفصلاً، بل ينمو في بيئة ترى فيها بعض مواقع النفوذ فوق المساءلة، وتصبح فيها القوانين أكثر صرامة على الضعفاء وأقل فاعلية أمام الأقوياء. وحين يرى الموظف أن من يملك النفوذ يستطيع الإفلات من المحاسبة، بينما يُحاسب العامل الأدنى على كل مخالفة، تتحول مكافحة الفساد إلى نظام مزدوج؛ عقوبات في الأسفل وحصانة في الأعلى.
إن ملاحقة الرشوة عند نافذة الخدمة، مع تجاهل الفساد الذي قد يتخفى في العقود والصفقات والقرارات والاستثناءات، تشبه تنظيف واجهة مبنى تتآكل أساساته. وقد تنجح الحملات في تقليل بعض المظاهر مؤقتاً، لكنها لن تغير البيئة التي تسمح بإعادة إنتاجها. فالفساد لا يُهزم بتبديل بعض الأشخاص إذا بقيت القواعد نفسها، والثغرات نفسها، وشبكات الحماية نفسها.
ولا يعني ذلك إعفاء الموظف الصغير من المسؤولية أو تبرير الرشوة بضعف الأجور. فالظروف المعيشية الصعبة تفسر بعض أسباب انتشار الفساد، لكنها لا تجعله مشروعاً. غير أن تجاهل هذه الظروف يجعل المعالجة ناقصة؛ إذ لا يمكن مطالبة موظف يعيش تحت ضغط اقتصادي دائم بالنزاهة باعتبارها واجباً أخلاقياً مجرداً، بينما تعجز الأجور عن تغطية الاحتياجات الأساسية، وتُترك الفجوة بين الدخل والإنفاق لتنتج أشكالاً مختلفة من الاستغلال.
لكن تحسين الأجور وحده لا يكفي. فقد يبقى الفساد قائماً إذا استمرت القوانين مليئة بالثغرات، والتعليمات غامضة، والإجراءات معقدة، والصلاحيات غير منضبطة، والرقابة لاحقة وانتقائية. لذلك، فإن مكافحة الفساد تتطلب معالجة متزامنة للثغرات المعيشية والقانونية والإدارية والرقابية، مع إعطاء الأولوية للمواقع التي تملك القدرة الأكبر على إنتاج الضرر العام.
ويجب أن تبدأ الرقابة من الأماكن التي تتركز فيها السلطة والمال، لا من المواقع الأسهل في الاستهداف فقط. فالمؤسسات والجهات المتحكمة بالإنفاق والإيرادات، والمشتريات والعقود والمناقصات والمزادات، ومنح التراخيص والاستثناءات، يجب أن تخضع لرقابة استباقية ودائمة، لا لعمليات تدقيق تأتي بعد إتمام الصفقة وضياع المال العام.
فالرقابة اللاحقة قد تكتشف المخالفة، لكنها كثيراً ما تصل بعد وقوع الضرر، حين تكون العقود قد نُفذت والأموال قد صُرفت والوثائق قد أُغلقت والمسؤوليات قد توزعت بطريقة تجعل تحديد المتسبب أمراً بالغ الصعوبة. أما الرقابة الاستباقية، فتقوم على تحليل المخاطر، وكشف تضارب المصالح، ومراجعة الشروط والأسعار والإجراءات قبل إبرام العقود، ومنع الاستثناءات غير المبررة قبل أن تتحول إلى أبواب للفساد.
وفي المواقع التي تشهد احتكاكاً مباشراً بين الموظف والمواطن، ينبغي تقليل السلطة التقديرية، وتبسيط الإجراءات، وتوسيع الأتمتة، وإتاحة تتبع المعاملات. فكل خطوة غامضة، وكل تأخير غير مبرر، وكل قرار يعتمد على مزاج الموظف، يمكن أن يتحول إلى منفذ للرشوة أو المحسوبية. كما يجب أن تشمل الرقابة أنماطاً أكثر تطوراً، مثل «الرشوة المؤجلة»، حيث يُدفع المقابل بعد إنجاز المعاملة أو خارج المؤسسة، للالتفاف على الرقابة التي تركز على لحظة تقديم الخدمة فقط.
ولا يجوز قياس نجاح مكافحة الفساد بعدد الموظفين الذين أُوقفوا أو أُحيلوا إلى التحقيق. فالرقم قد يكون كبيراً، لكن السؤال هو: هل أُغلقت الثغرات؟ هل استُرد المال العام؟ هل خضعت العقود الكبرى للتدقيق؟ هل كُشف تضارب المصالح؟ وهل وصلت المساءلة إلى أصحاب القرار، أم توقفت عند من نفذ التعليمات أو شغل الحلقة الأضعف؟
إن المحاسبة التي تبدأ من الموظف الصغير وتتوقف قبل الوصول إلى مواقع النفوذ لا تجفف منابع الفساد، بل تعيد ترتيب واجهته. وقد تمنح انطباعاً بالحزم، لكنها لا تفسر لماذا تتكرر المخالفات، ولا لماذا تبقى بعض المواقع قادرة على إنتاج الامتيازات وحماية أصحابها.
المعركة الحقيقية ضد الفساد تبدأ من الأعلى، لأن الفساد الكبير هو الأقدر على صناعة البيئة التي يتكاثر داخلها الفساد الصغير. وحين تخضع مراكز القرار للشفافية، وتُراجع مصادر الثروة، وتُكشف المصالح المتعارضة، وتُراقب العقود قبل إبرامها، وتُرفع الحماية عن أصحاب النفوذ، تضيق المساحات التي يتحرك فيها الفساد في المستويات الأدنى.
أما الاستمرار في مطاردة الرشاوى الصغيرة، بينما تبقى الثروات غير المفسرة ومظاهر البذخ والاستعراض بعيدة عن التدقيق، فلن يقنع الناس بأن العدالة تُطبق على الجميع. فالمواطن لا يقيس جدية مكافحة الفساد بعدد البيانات ولا بعدد الموظفين الذين أُحيلوا إلى التحقيق، بل بما يراه من عدالة في توزيع المسؤولية، وشفافية في إدارة المال العام، ومساءلة تصل إلى الأقوياء قبل أن تتوقف عند الضعفاء.
إن بناء دولة تحترم مواطنيها لا يتحقق بمنع الموظف فقط من طلب الرشوة، بل بمنع أصحاب السلطة والنفوذ من تحويل الموقع العام إلى مصدر للثروة والامتياز. وعندما تبدأ المحاسبة من مراكز القرار، وتُغلق المنافذ الكبرى، وتصبح الشفافية قاعدة لا استثناء، يصبح تراجع الفساد الصغير نتيجة طبيعية لإصلاح حقيقي، لا مجرد وعد يتكرر في حملات موسمية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291