عقدٌ مؤقت لعاملٍ دائم: حين يتحول قانون العمل إلى أداةٍ بيد رب العمل؟

عقدٌ مؤقت لعاملٍ دائم: حين يتحول قانون العمل إلى أداةٍ بيد رب العمل؟

في سوق العمل الذي تضعف فيه الرقابة النقابية وتزداد فيه البطالة، يستطيع رب العمل أن يُحوّل عقد العمل محدد المدة من وسيلة لتنظيم علاقة العمل إلى أداة للسيطرة على العامل، وإبقائه في حالة دائمة من الخوف والقلق، فبدلاً من أن يكون العامل صاحب حق مستقر في عمله، يتحول إلى شخص ينتظر دائماً موعد انتهاء عقده، ويعرف أن أي مطالبة بحقوقه أو اعتراض على شروط العمل قد تعني ببساطة عدم تجديد العقد.

ومن أكثر الأساليب التي تكشف هذا الخلل، أن يعمد بعض أصحاب العمل إلى تشغيل العامل لمدة سنتين أو ثلاث سنوات، ثم الاستغناء عنه قبل أن تتراكم لديه حقوق وخبرة وموقع تفاوضي قوي داخل المنشأة، وبعد ذلك يجري استبداله بعامل جديد يبدأ الدورة نفسها من البداية، وهكذا يصبح دوران العمالة سياسة مقصودة، وليس نتيجة طبيعية لحاجة المنشأة الاقتصادية.
المشكلة لا تكمن في وجود العقد محدد المدة بحد ذاته، فقد يكون مشروعاً عندما تفرض طبيعة العمل تحديداً زمنياً واضحاً، لكن الخطر يبدأ عندما يستخدم العقد محدد المدة بصورة متكررة للتحايل على روح قانون العمل، ولمنع العامل من الوصول إلى حالة من الاستقرار الوظيفي، أو عندما يصبح انتهاء العقد وسيلة للتخلص من العامل الذي يطالب بأجر عادل، أو بإجازاته، أو بالتسجيل والتأمين، أو بسائر حقوقه القانونية.
ويزداد الأمر خطورة عندما يجد العامل نفسه أمام منظومة قانونية يستطيع رب العمل من خلالها إنهاء العلاقة أو عدم تجديدها، بينما يفتقر العامل إلى الوسائل العملية للدفاع عن نفسه. فالعامل الذي يعيش على أجره الشهري لا يستطيع غالباً الدخول في مواجهة طويلة مع صاحب العمل، ولا يستطيع تحمل فقدان مصدر رزقه في بيئة تعاني أصلاً من البطالة وانخفاض الأجور.
وهنا يظهر التناقض الأساسي: القانون الذي يفترض أن يحمي الطرف الأضعف في علاقة العمل يمكن أن يتحول، في التطبيق السيئ، إلى غطاء لممارسة ضغط اقتصادي واجتماعي على العامل. فالنصوص المتعلقة بالتسريح التعسفي لا ينبغي أن تُفهم بمعزل عن واقع علاقة العمل، لأن حماية العامل لا تتحقق بمجرد منحه حق اللجوء إلى القضاء بعد فقدان وظيفته، وإنما تبدأ بمنع صاحب العمل من استخدام أشكال التعاقد للتحايل على الاستقرار الوظيفي.
إن العامل ليس سلعة قابلة للاستبدال كل سنتين أو ثلاث سنوات. هو إنسان يبني حياته والتزاماته وأسرته على أساس استمرار دخله، ولذلك فإن العدالة العمالية تقتضي وضع قيود واضحة على الاستخدام المتكرر للعقود محددة المدة، والتأكد من وجود سبب حقيقي ومشروع لتحديد مدة العقد، ومراقبة التجديدات المتكررة التي تخفي في حقيقتها علاقة عمل دائمة.
كما أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تترك للعامل الفرد وحده، فالقوة الحقيقية للعمال تبدأ من تنظيمهم النقابي وقدرتهم على الدفاع الجماعي عن حقوقهم. فكلما كان العامل منفرداً كان أكثر تعرضاً للابتزاز، وكلما كان منظماً أصبح قادراً على فرض التوازن داخل علاقة العمل.
إن حماية العامل من التسريح والتحايل على استقرار عمله ليست امتيازاً، بل ضرورة اجتماعية واقتصادية. فالعمل المستقر لا يحمي العامل وحده، وإنما يبني مجتمعاً أكثر استقراراً وإنتاجاً وعدالة، بينما تحويل الوظيفة إلى عقد مؤقت دائم التجدد يعني في النهاية تحويل الخوف من البطالة إلى وسيلة دائمة لإخضاع قوة العمل.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1291