أين سوق العمل الذي يتحدثون عنه؟
في سورية، يقف جيل كامل أمام سؤال بسيط وقاسٍ: أين العمل؟
شباب درسوا سنوات، وحصلوا على شهادات، وتعلموا مهناً، وطوروا مهاراتهم، ثم خرجوا إلى الحياة وهم يعتقدون أن الخطوة الطبيعية التالية هي العثور على وظيفة وبناء مستقبل. لكنهم وجدوا أنفسهم في رحلة بحث شاقة بلا نهاية واضحة؛ سير ذاتية تُرسل، أبواب تُطرق، إعلانات تُتابع، مقابلات تُجرى، وانتظار طويل ينتهي في كثير من الأحيان بالعودة إلى النقطة صفر.
يقال لهم إن هناك سوق عمل. لكن أين هو هذا السوق؟
هناك سوق للحوم والخضار والألبسة، أسواق لها عناوين وأبواب وسلع وأسعار. أما سوق العمل، فكثير من الشباب لا يعرفون أين يبدأ ولا كيف يدخلونه ولا من يملك مفاتيحه.
والأشد قسوة أنهم يسمعون في الوقت نفسه تصريحات رسمية عن استثمارات بالمليارات، ومشاريع كبرى، ومصانع جديدة، وآلاف فرص العمل التي ستُخلق. فيتعلقون بهذا الكلام كما يتعلق الغريق بقشة. يتفاءلون بأن سنوات الانتظار ربما شارفت على النهاية، وأن فرصة العمل التي يبحثون عنها أصبحت قريبة.
ثم يصطدمون بالواقع... المليارات التي يسمعون عنها لا تتحول إلى وظيفة أمامهم، والمشاريع المعلنة لا تصل إلى أبوابهم، وآلاف فرص العمل الموعودة تبقى أرقاماً في المؤتمرات والتصريحات.
والشاب لا يستطيع أن يعيش على الوعود. لا يستطيع أن يؤسس أسرة باستثمار سيُنفذ غداً، ولا أن يدفع إيجاره بفرصة عمل «قادمة»، ولا أن يشتري حاجاته من أرقام الاستثمارات. هو يريد وظيفة موجودة فعلاً، براتب معلوم، وشروط واضحة، وباب مفتوح يستطيع أن يطرقه اليوم.
ثم تأتي الأرقام لتزيد المشهد ارتباكاً. تقديرات دولية تتحدث عن معدلات بطالة أقل بكثير، بينما صرح وزير الاقتصاد والصناعة بأن البطالة في سورية تتجاوز 60%. وبين الأرقام والتقديرات يقف الإنسان الحقيقي؛ خرّيج ينتظر، وشابة تؤجل حياتها، وشاب يفكر بالهجرة لأنه لم يعد يرى لنفسه مكاناً اقتصادياً في بلده.
هؤلاء ليسوا جيشاً من الكسالى. إنهم جيش متفرق من العاطلين عن العمل، كل فرد فيه يخوض معركته منفرداً، بلا خريطة واضحة ولا معلومات كافية ولا أفق.
والبطالة ليست مجرد نسبة في تقرير اقتصادي. إنها سنوات تضيع، وزواج يتأجل، وطموح ينطفئ، وثقة بالنفس تتآكل، وطاقة بشرية تتحول من قوة إنتاج إلى عبء، ثم إلى دافع للهجرة.
وهنا يجب أن نتوقف عن تحميل الشباب مسؤولية أزمة ليست من صنعهم.
الاقتصاد الحقيقي المنتج هو الذي يخلق فرص العمل المستدامة ويستقطب العمالة. الوظائف لا تُخلق بالتصريحات، ولا بمجرد الإعلان عن استثمارات ضخمة. إنها تُخلق عندما تعمل المصانع وتتوسع الشركات، وتنتج الزراعة، وتنشط الورش، وتكبر المشروعات، وتزداد الصادرات، وتتراكم الاستثمارات في اقتصاد قادر على الإنتاج والمنافسة.
وهنا يأتي الدور الرئيسي للدولة. فالدولة ليست مطالبة بأن توظف كل شاب في القطاع العام، لكنها مسؤولة عن بناء البيئة الاقتصادية التي تجعل الاستثمار منتجاً، وتحمي المنافسة، وتوفر البنية التحتية والطاقة والتمويل، وتربط التعليم والتدريب بحاجات الاقتصاد، وتدعم الصناعة والزراعة والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتفتح الأسواق أمام المنتج السوري. والأهم أنها مطالبة بأن تجعل خلق فرص العمل هدفاً اقتصادياً واضحاً وقابلاً للقياس، لا نتيجة جانبية نتمنى أن تأتي وحدها.
فالدولة التي تريد خفض البطالة لا يكفيها أن تعلن عن استثمارات؛ عليها أن تسأل: كم وظيفة مستدامة خلق هذا الاستثمار؟ وكم شاباً دخل سوق العمل؟ وكم مصنعاً بدأ الإنتاج؟ وكم مشروعاً توسع؟ وكم فرصة عمل جديدة أضيفت بالفعل؟
لا نحتاج إلى المزيد من الأرقام اللامعة والوعود المؤجلة. نحتاج إلى اقتصاد ينتج، ويستثمر، ويصنّع، ويزرع، ويصدّر، ويوظف.
الشباب لا يريدون صدقة، ولا خطاباً تحفيزياً، ولا وعداً جديداً. يريدون حقهم الطبيعي في العمل.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرق أبواب المسؤولين بإلحاح هو: أين الوظائف التي وعدتم بها؟ وأين سوق العمل الذي طلبتم من هذا الجيل أن يبحث فيه؟
فجيل كامل ينتظر، والصبر الذي يُستنزف اليوم لا يمكن تعويضه بتصريح جديد عن «فرص قادمة».
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1291