«حركة المنصات» وسؤال التنظيم والسياسة

«حركة المنصات» وسؤال التنظيم والسياسة

من الأسئلة الملحّة التي تواجه أي حركة سياسية حيّة هي قضية تنظيم الحركة الاجتماعية وتأطيرها في فعل سياسي. وهذا السؤال يشتدّ إلحاحاً في مرحلة مصيرية تشهد تفكّكاً متزايداً في البنى الاجتماعية وتراجعاً في هوامش الحركة اليومية للأفراد، في مرحلة شديدة السيولة والتسارع، فيها وزن الوعي عالٍ (كما الحرب عليه)، بعد عقود من غياب العمل السياسي. إنها قضية التنظيم السياسي في العصر الراهن.

السبب العملي والوظيفي: اتجاهات عامة


ينبع السؤال حول التنظيم مع كل تفكير في مصير الصراع السياسي وتطوير الفعالية، ومن خلال ملاحظة الحركة في تطورها العفوي نسبياً التي تحاول أن تجيب فيه عن سؤالها السياسي. والوقائع العملية تقول باتجاهات عامة تفرض مسألة التفكير بأشكال للتنظيم تتلاءم مع ضرورات ووقائع المرحلة الراهنة.
أوّلاً، هناك الاتجاه المتزايد في عولمة وأممية الحركة وترابطها الشديد كملمح لهذه المرحلة التي تتميز بالترابط الشديد مما يجعل الحركة السياسية تنحو نحو الوحدة أكثر فأكثر.
ثانياً، هناك اتجاه آخر وهو غياب الاستقرار النسبي وانفتاح العالم على أزمات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأمنية وعسكرية انطلاقاً من كون المرحلة لها موقعها التاريخي النوعي، في كونها تقطع مع تاريخ المجتمع الطبقي ككل والرأسمالي ضمناً، مما يجعل الحرب حالة عضوية فيها، ما عظّم من حالات الهجرة والنزوح والإفقار تحت حالة عامة من عدم الثبات وتراجع «رفاهية» العمل السياسي.
ثالثاً، المستوى المعرفي، أيْ عدم التناسب (نسبياً) في فضاء الوعي بين تعقيد المرحلة وحاجاتها المعرفية وبين ما هو مهيمن بين القوى الاجتماعية وبين فضاء النخب بشكل خاص بعد عقود من التراجع الفكري وتراجع العمل السياسي (إلى حد توقفه)، والحرب على الوعي والانحطاط في مستوى التفكير العام.
رابعاً، التفكك في البنى التقليدية السياسية دولاً وأحزاباً وتنظيمات في كونها لم تعد معبّرة عن حاجات التطور التاريخية.
اتجاه آخر هو توسع مساحة الوعي في المرحلة الراهنة نتيجة التحولات في القرن الماضي، وخاصة مع ارتفاع دور العمل الذهني والاستقرار النسبي وارتفاع مستوى الحياة نسبياً، والدور الكبير للتكنولوجيا، دون النظر إلى شكل التحول بين المجتمعات. هذا التعاظم في الوزن الروحي فرضه بالضرورة اتجاه الليبرالية واقتصاد الاستهلاك و«المتعة».
هناك اتجاه آخر مرتبط بأن حدة التناقضات الراهنة تفرض نفسها على الواقع التجريبي مما يجعل من أي قوة حيّة فرداً أو تنظيماً أو دولة تحاول التفكير في حل هذه التناقضات ويجعلها تسلك مسلكاً ضرورياً بمعزل عن خلفياتها النظرية، وهي في ذلك تتحرك ضمن قطبي التطرّف والتوليف، والتوليف يفترض الاتجاه بالضد من الرأسمالية والإمبريالية خاصة. هذه الاتجاهات العامة ليست حصرية ولكنها كافية للتفكير في صعوبات الواقع التنظيمي للحركة الاجتماعية وما يمكن القيام به من أجل تطويره.


مؤشرات من الإعلام


الواقع أعلاه يفرض صعوبات تنظيمية كبرى لتأطير الحركة الاجتماعية وتحويلها إلى قوة سياسية فاعلة من أجل التصدّي للمهام الكبرى، وخاصة على المستوى الداخلي لأي دولة في ظل حرب هجينة تقتضي حلّاً للقضايا الاجتماعية والاقتصادية والروحية والثقافية التي تشكل مداخل للتدمير. هنا يبرز شكل جديد من الحركة التنظيمية العفوية والذي يبدو أنها تعبّر عن الاتجاهات السابقة المذكورة. هذا الشكل الجديد هو دور الإعلام «البديل» وخاصة شكل المنصات التي تحصل بمبادرات «فردية» أو على هوامش الحركات السياسية التقليدية أو مما انبثق عنها من بقايا حيّة لم تستطع التشكّل في حركة تنظيمية جديدة. هذا المستوى المتعاظم من الحركة، والذي ازداد حضوره مع تصاعد التوتر عالمياً، لا يمكن إلا أن يُلحَظ في كونه محاولة لحل المشاكل الناتجة عن الصعوبات في العمل السياسي التقليدي. ولا ننفي هنا وجود العمل السياسي التقليدي ولكننا نؤشر لحالة تزداد في حضورها وتأثيرها. وما يمكن ملاحظته بشكل خاص هو أن هذا النوع من الفعل يلعب دوراً معرفياً عالمياً وإقليمياً وداخلياً، من خلال تحويل هذه المنصات إلى مساحة جامعة للنخب السياسية والفكرية والثقافية والفنية المشتتة بشكل عابر للحدود والتنظيمات. وهذا الدور المعرفي هو بالتحديد قاعدة للتأطير السياسي الذي يحصل بشكل عفوي مع ما يطرحه من إجابات ومهام ويضبط إيقاع الحركة إلى هذا الحد أو ذاك. وما يمكن ملاحظته أيضاً هو التلاقي العام في اتجاه هذه المنصات والقنوات لناحية إطارها السياسي والفكري العام وهذا ما تظهره سرديتها ولغتها ومفاهيمها ونظرتها على الرغم من الاختلاف في العمق فيما بينها.


نحو تجاوز العفوية


هذا المستوى من الحركة، إلى جانب كونه يظهر ارتفاع المبادرة الضرورية، يؤشر إلى أن الحاجات التنظيمية تحتاج إلى أدوات تتجاوز الصعوبات التي تفرضها اتجاهات المرحلة الراهنة. ولا نقول بأن ما يحصل هو الإجابة الكاملة والوحيدة عن تلك الصعوبات، إلا أنه يعبّر عن تطور عام
عفوي للحركة يجب لَحْظُه ويمكن العمل على تطويره. وهذا يحتاج إلى مبادرات واعية به وبإمكاناته. من الاحتمالات على ذلك هو الدفع لتوحيد الجهود ليس فقط لناحية تقارب المهام وتنظيمها من قبل تلك المنصات، بل أيضاً لتحويلها إلى مساحة لحل القضايا المطروحة والبحث فيها وترتيب أولوياتها. فالخلاصة لا تفترض حصراً إضافة منصات جديدة (وإن كان ذلك ضرورياً أو مطلوباً)، بل التوجه نحو هذه المساحة وهذا المستوى من الحركة ككل والتعامل معه كشكل جديد من الحركة السياسية العفوية.
ما سبق ليس إجابة عن المسألة التنظيمية بقدر ما هو طرح لاحتمالية لها قاعدتها الموضوعية والتي يمكن العمل على تطويرها. والمراجعة التاريخية تقول بأن أشكالاً جامعة للحركة والتنظيم تفرض نفسها في لحظات الأزمات الكبرى، كمجالس السلام العالمي أو أطر مواجهة الفاشية. هذا التوجه الجامع له قاعدة تاريخية أكبر اليوم في ظل الخطر على البشرية الذي تتلمسه القوى الاجتماعية بشكل أكبر كل يوم. وهذا مثلاً ما كان تنبّأ به زعيم الحزب الشيوعي الإيطالي بالميرو تولياتي حول ضرورة التوحيد الأوسع للقوى الاجتماعية أمام الخطر الوجودي المهدّد للبشرية. إن تطوير هذه المساحة من تنظيم الحركة الاجتماعية وتأطيرها السياسي يجب التفكير في وضعها على جدول الأعمال كنوع من العمل الإبداعي.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1273