ترامب... من فضلك تكلم... نحن نشعر بالملل
في ليلة «تساقط الطائرات» أمريكية التسمية التي أطلقها عليها رواد التواصل الاجتماعي والتي شهدت إسقاط مقاتلات ومروحيات أمريكية في سماء إيران، نشرت السفارة الإيرانية في زيمبابوي تغريدة مقتضبة وساخرة للغاية عبر منصة إكس موجهة حديثها المباشر للرئيس الأمريكي ترامب: «ترامب، من فضلك تكلم... نحن نشعر بالملل»
لفتت هذه التغريدة الانظار ليس على الدبلوماسية الإيرانية فقط وقدراتها على التهكم وتحويل الخسائر الأمريكية إلى نكتة دولية يتردد صداها السياسي، بل على طاقات وإمكانيات أخرى مستخدمة في هذه الحرب كاستخدام الإعلام والسخرية والحرب النفسية... وغيرها من الوسائل والتي غالباً ما احتكرها الغرب وإعلامه في حروب سابقة.
لم تكن هذه التغريدة مجرد مزحة تسبب فيها صمت الرئيس الأمريكي تلك الليلة بل رسالة إظهار للثقة والصلابة والتأكيد على أن التهديدات الأمريكية لم تعد تثير الرعب كما كانت في الماضي.
ثمة حرب موازية للحربين الأخيرتين على غزة بعد طوفان الأقصى وعلى إيران يخوضها الإعلام الغربي و«إسرائيل» على جبهة الرأي العام الأوروبي، ويستخدم فيها أدوات رقمية واسعة الانتشار. حيث أشار تحقيق نشره موقع MintPress News إلى أنّ وكالة الإعلانات الحكومية «الإسرائيلية» أنفقت عشرات الملايين من الدولارات على حملات دعائية عبر منصة «يوتيوب»، وصلت إلى أكثر من 45 مليون مشاهد في أوروبا خلال شهر واحد فقط. استهدفت هذه الحملات دولاً رئيسة مثل المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليونان، في محاولة واضحة للتأثير على المزاج الشعبي الذي تغير بعد جرائم حرب الإبادة في قطاع غزة.
تبني هذه الإعلانات والدعاية خطتها على خطاب مزدوج؛ من جهة تحاول تصوير إيران كتهديد وجودي لأوروبا عبر برامج صاروخية «قادرة على ضرب القارة»، ومن جهة أخرى، تقديم «إسرائيل» كقوة «دفاعية» تحمي «الحضارة الغربية». فقد أظهرت بعض المقاطع سيناريوهات درامية لهجمات صاروخية تستهدف مدناً أوروبية، فيما تؤكد أخرى على أنّ الاحتلال «ينفّذ واحدة من أكبر العمليات الإنسانية في العالم» في قطاع غزة. لكن هذه الروايات تصطدم بانتقادات واسعة، بسبب تضاربها مع تقارير دولية توثّق حجم الدمار والضحايا المدنيين.
وبينما تواصل «إسرائيل» استثمار موارد هائلة في حملاتها الإعلامية، تواصل دماء الأبرياء في فلسطين ولبنان وإيران وغيرهم فضح البروباغندا «الإسرائيلية» والتشكيك في محتوى الروايات المُروّجة. فبحسب معطيات أوردها التحقيق الذي أجراه الموقع، أسفرت الضربات الإسرائيلية عن استشهاد مئات الإيرانيين مقابل عدد أقل بكثير من الضحايا في الجانب الإسرائيلي، ما يثير تساؤلات حول الادعاءات المتعلقة «بالضربات الدقيقة». كما وثّقت «منظمة الصحة العالمية» مئات الهجمات على منشآت طبية في قطاع غزة منذ عام 2023، في حين تشير تقديرات «اليونيسف» إلى وقوع عشرات آلاف الأطفال الفلسطينيين بين قتيل وجريح. وبين البروباغندا التي يقدّمها الاحتلال بتصوير حروبه بصفتها تسعى إلى تحقيق السلام، تأتي الوقائع من الجهات الأممية المحايدة لتكشف زيف ادعاءاته وتُضعف أثر سرديّته الدعائية على الجمهور الأوروبي.
رغم وصول المقاطع الدعائية إلى جمهور واسع، لكن أبرز مؤشرات فشلها في إقناع المشاهدين هو ضعف التفاعل العضوي. إذ يُظهر تحليل محتوى القنوات الرسمية أنّ فيديوهات البروباغندا «الإسرائيلية» غير المموّلة لا تحقق سوى عشرات المشاهدات يومياً، في تناقض صارخ مع الأرقام الضخمة للحملات الإعلانية. كما أنها لا تحظى إلا بعدد محدود جداً من الإعجابات أو التعليقات، ما يشير إلى أنّ الجزء الأكبر من انتشارها مدفوع مالياً. يتزامن هذا النشاط مع ارتفاع كبير في ميزانية «الدبلوماسية العامة» «الإسرائيلية»، التي زادت بأكثر من 2000%، مع تخصيص نحو 150 مليون دولار إضافي لوزارة الخارجية. ويبدو أنّ جزءاً كبيراً من هذه الأموال يُضخ في الحملات الرقمية الموجّهة إلى الخارج.
تثير هذه الحملات أيضاً تساؤلات حول مدى التزام شركة «غوغل» المالكة «ليوتيوب» بسياساتها الخاصة، التي تحظّر المحتوى الذي يروّج للعنف أو الكراهية. فبعض الإعلانات، وفق التحقيق، تتضمّن تبريراً مباشراً للهجمات العسكرية. وقد اكتفت الشركة بالتأكيد بأنّ لديها «سياسات صارمة» وأنها تزيل أي محتوى مخالف، من دون توضيح سبب السماح باستمرار هذه الحملات.
في هذا الإطار، تتشابك تل أبيب مع عملاق التكنولوجيا بعلاقة ليست بجديدة. فقد استثمرت «غوغل» في السوق «الإسرائيلية» منذ عام 2006، ووسّعت حضورها لاحقاً عبر صفقات ضخمة، أبرزها الاستحواذ على شركة الأمن السيبراني Wiz مقابل 32 مليار دولار.
ولا يقتصر الأمر على «غوغل»، إذ يشير التحقيق إلى وجود مئات من خريجي وحدة الاستخبارات «الإسرائيلية» الشهيرة 8200 في شركات كبرى مثل «ميتا» و«مايكروسوفت» و«أمازون»، ما يثير مخاوف بشأن تداخل المصالح بين التكنولوجيا والسياسة ويطرح تساؤلات حول أسباب انغماس عمالقة وادي السيليكون في خدمة مصالح الاحتلال.
رغم هذا الإنفاق الضخم، تشير استطلاعات الرأي إلى تراجع شعبية «إسرائيل» في أوروبا، حيث تسود نظرة سلبية واسعة في دول عدة، حتى تلك التي تُعد تقليدياً داعمة لها.
تكشف هذه المعطيات عن تحوّل الفضاء الرقمي إلى ساحة مركزية في المعركة ومن هنا تأتي أهمية استخدام الإعلام وأدواته، ومنها السخرية وتحطيم كبرياء الخصم ولو بتغريدة.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1272