سرديات الاحتلال «قبيحة ومُهدِّدة»
في روايته«بندول فوكو»، يوضح الأديب الإيطالي أمبرتو إيكو أن سحر سردية ما، لا يكمن في دقتها، بل في قدرتها على تحويل أي تفصيلة عابرة، إلى دليل ضمن خطة كونية.
أشعل غلاف مجلّة «لاسبريسو» الإيطالية نقاشاً واسعاً وجدلاً عالمياً، نتيجة التجسيد البصري لعنف الاستيطان في الضفة الغربية الذي كثفته صورة الغلاف، وأثارت الصورة نقاشاً ومواجهة ديبلوماسية مع «إسرائيل»، بعد تصاعد الجدل في الأوساط الأوروبية بشأن ما يحدث فلسطين من فظائع يرتكبها جيش الاحتلال، وحول حدود حرية الصحافة في توثيق الانتهاكات الميدانية.
صورة تمثل «الانتهاك»
وتُظهر الصورة، موضوع النقاش وغلاف العدد الأخير من مجلة «لاسبريسو»، إحدى أقدم المجلات الإخبارية في إيطاليا وأكثرها انتشاراً، مستوطناً إسرائيلياً يضع الكيباه، أي القلنسوة الصغيرة المستديرة التي يرتديها اليهود الأرثوذكس، وهو يوجّه هاتفه المحمول نحو امرأة ترتدي حجاباً مزخرفاً. ويظهر المستوطن المُسلّح مبتسماً بطريقة ساخرة ومتعجرفة، وهو يحمل سلاحاً بيد وبالأخرى هاتفاً يريد تصوير الفتاة به، وهي طريقة للتخويف حيث يصبح وجهها معروفاً لديهم لملاحقة لاحقة. بينما ترتسم على وجه الفتاة الفلسطينية المتمسّكة بأرضها أمام محاولة طردها، تعابير الألم والصمود في آن معاً، وقد أوضحت الصحيفة صورة غلاف بعنوان L’abuso، وهي تعني الانتهاك، وفضحت بها ما يحدث دائماً وما تكثف مؤخراً من ممارسات الكيان وغاراته الروتينية في الضفة الغربية.
وعلى إثر انتشار الصورة الواسع، بدأت موجة إعلامية إسرائيلية واسعة، وأشعلت خلافاً ديبلوماسياً مع إيطاليا، استنفر فيه سفير الاحتلال في روما جوناثان بيلد، في محاولة لململة فضائح كيانه المأزوم أمام شعوب العالم، فادعى أن الصورة قد جرى التلاعب بها، وركز على التعليقات التي تقول إنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، وكتب على منصّة إكس: «ندين بشدّة الاستخدام التلاعبي لغلاف مجلّة «لاسبريسو» الأخير. فهذه الصورة تشوه الواقع المعقّد الذي يتعيّن على إسرائيل التعايش معه، وتروّج للصور النمطية والكراهية. يجب أن تتّسم الصحافة المسؤولة بالتوازن والدقة». لكن مسعاه اصطدم بتعليقات المستخدمين وحوّلت مداخلته إلى فرصة جديدة لكشف زيف الادعاءات الدعائية للاحتلال.
مشروع «إسرائيل الكبرى»
تأتي هذه الصورة كجزءٍ من مشروع وثائقي للمصور الإيطالي بيترو ماستورزو. ويتناول المقال الرئيسي الذي كتبه دانييلي ماستروجياكومو في المجلة، مشروع «إسرائيل الكبرى» وجذوره التوراتية وتعارضه مع القانون الدولي، إلى جانب المقال المصاحب الذي كتبته آلاء السعيد، والمرفق بتقرير ماستورزو، يتطرّق إلى ما تصفه المجلّة بحملة تطهير عرقي تجري في الضفة الغربية في أعقاب الإبادة الجماعية في قطاع غزة. وقد جلبت جرأة بيلد ومحاولته تحوير الحقائق المدعمة بالوثائق والدماء الفلسطينية، ردوداً تجاوزت خمسة آلاف تعليق، من كل حدبٍ وصوب، غالبيّتها تدين الاحتلال.
لم تقتصر الردود الإسرائيلية على الديبلوماسية. إذ حاولت «موكيد»، المنصة الرئيسية للحياة المجتمعية اليهودية الإيطالية، تهديد المجلّة والتحريض على أعمالها بحجّة معاداة السامية، مدّعية أنّ الغلاف يشكّل «مهرجاناً للصور النمطية»، بحجة تصوير الجندي الإسرائيلي على أنه «قبيح ومُهدِّد».
واعتبرت «موكيد» أنّ الصورة ترقى إلى «شكل من أشكال إضفاء الصبغة الجوهرية على الخصائص السلبية على شعب بأكمله». ودعت نقابة الصحافيين الإيطالية إلى تطبيق إعلان القدس بشأن معاداة السامية، الذي اعتمدته النقابة رسمياً في 31 آذار، مع التزام معلن بمكافحة معاداة السامية إلى جانب جميع أشكال العنصرية والتمييز الأخرى.
بينما ألصقت منصة «إكس» خاصيّتها الفريدة «ملاحظات المجتمع»، وهي تعليق يلاحق المنشور الرئيسي عندما تشكّ الخوارزميات في مصداقية البيان، وأظهرت في حالة بيلد تنبيهاً بأنّ ادعاءاته باطلة والصورة حقيقية ومأخوذة من حادثة حصلت في الضفة الغربية، كما نشرتها وكالات دولية وأجنبية أخرى.
وكان ردّ فعل الجمهور على تدخل سفير الاحتلال كبيراً ومؤثراً، فقد عمل الناشطون على إعادة مشاركة الغلاف على نطاق واسع على وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرين الاحتجاج الديبلوماسي نفسه بمثابة محاولة لقمع الصحافة المصورة المشروعة.
كما أن «لاسبريسو» لم تتراجع أمام حملة التهديد والوعيد، وأبقت على غلافها من دون إصدار أي اعتذار. واعتبر أنّ العدد أوضح الموقف التحريري بكل وضوح، إذ توثق الصورة «الانتهاكات اليومية التي يعانيها أولئك الذين ابتلوا بسوء الحظ بأن يولدوا في الأراضي التي يدعي المستوطنون احتلالها من أجل تحقيق حلم إسرائيل الكبرى»، واصفةً جرائم المستوطنين بأنها مستمرة، ومدعومةً من القوات «الإسرائيلية»، ولا تلقى أي إدانة ذات مغزى من المجتمع الدولي.
الصورة تساوي ألف كلمة
في عشرينيات القرن الماضي، استعمل الصحافي فريد برنارد عبارة «الصورة تساوي ألف كلمة»، واليوم تتجاوز الصور توثيقها قضية شعب يجري قضم أرضه، إلى فضح مشاهد الوحشية وانعدام الإنسانية لدى المستوطنين وجيش الاحتلال وإصرارهم على احتلال المزيد من الأرض وارتكاب المجازر في سبيل حلم كاذب.
قبل فترة وجيزة شهدت مدينة روما نفسها مسيرة صامتة تخليداً لأكثر من 21 ألف طفل فلسطيني استشهدوا في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، حيث سار المشاركون بخطوات هادئة حاملين كفناً رمزياً على شكل لافتة كتب عليها أسماء الأطفال الشهداء إضافة إلى الكثير من صورهم، في رسالة صامتة ومدوية بآن معاً حمّلت فيها العالم كله مسؤولية ما يحدث. ولتؤكد أن ثمة تحولاً في الوعي الجمعي للشعوب الغربية التي جرى تضليلها لعقود سابقة بالسرديات الصهيونية وأكاذيبها، وعبر وسائل إعلام مهيمن عليها من رأس المال العالمي وسلطاته.
واليوم تحدث تغيرات كبرى في العالم أجمع وتتحول صورة غلاف مجلة إلى مجال للمواجهة واستفزاز حالة من النقاش والجدل، وهو ما أثار استنفار الاحتلال ليس بسبب الصورة فقط، بل كمحاولة للترهيب تجاه أية أعمال مستقبلية مشابهة، خصوصاً مع موافقة الحكومة الإسرائيلية مؤخراً على بناء 27 ألف وحدة استيطانية جديدة في الضفة الغربية و37 ألف في القدس الشرقية. ورغم الإدانات المتكررة من الأمم المتحدة ومن جمهور يتسع يوماً بعد آخر، يواصل المستوطنون مضايقة الفلسطينيين وإرهابهم ومحاولة إجبارهم على الرضوخ والتخلّي عن أراضيهم، مع إفلات تام من العقاب.
فلسطين بوصلة حق
ترتقي القضية الفلسطينية إلى الواجهة العالمية بوصفها بوصلة حقّ بشكل غير مسبوق. وتسهم منصات التواصل الاجتماعي في إظهار الحقائق والمعاناة ليس في قطاع غزة وحدها بل في كل مكان من الأراضي المحتلة، ويبدو أن الإعلام التقليدي أيضاً بدأ يسهم، كما فعلت المجلّة الإيطالية، في تقديم المحتوى المنصف الذي لم يعد يساوي بين الجلّاد والضحية.
ثمة شيء من التبدّل والتحول في السياسة التحريرية لوسائل الإعلام الغربية، نتيجة تبدّل حاد في مزاج الرأي العام خاصة بعد تكشف الأهوال والفظائع التي ارتكبها الاحتلال، كما يتصاعد النقاش الإعلامي في كثير من البلدان بقوة غير معتادة حيال قضايا الشرق الأوسط المتعدّدة، حيث أصبحت الكثير من الصور تحمل وزناً سياسياً وإنسانياً ويمكن لها أن تكشف مظلوميّة تاريخية حقيقية.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1274
إيمان الأحمد