الحرب كجرعة واقعية لترتيب علاقة الذات والموضوع

الحرب كجرعة واقعية لترتيب علاقة الذات والموضوع

في قلب الحرب القائمة يمتلئ الفضاء العام اليوم بنقاشات حول مدى «الجنون» الذي وصل إليه عالمنا، وتجري مقاربة «الترامبية» والموقف منها على قاعدة هذا «الجنون» إما في نقاشها كظاهرة معزولة أو دون تأطير تاريخي كاف لأبعادها والمدى الذي تؤسس له خاصة لناحية أي عالم ضروري يجب تقديمه في وجهها.

الحرب-الأزمة مدخلاً تاريخياً للواقعية


على الرغم من أن الحرب الحالية ذات الجوهر العالمي والممتدة منذ عقدين تقريباً وتتصاعد، تختلف في الشكل عن سابقاتها، الحربين العالميتين الأولى والثانية وحتى الأحداث الثورية في القرن التاسع عشر كثورات 1848 عالمية الطابع في جوهرها، إلا أنها كما سابقاتها أيضاً، أطلقت، وما زالت، موجة من الواقعية تفعل فعلها في حقول السياسة والفكر والوعي والعلوم وتعيد ترتيب العلاقة بين الذات والموضوع، والتي بدأنا نلمس نتائجها تدريجياً.


في الانفصال والثنائية المتطرفة


في مواد سابقة حاولنا الاستعانة بالفلسفة وتطورها التاريخي، كحقل من النشاط البشري عالي التجريد، من أجل الخروج بأدوات تعينها على فهم التحولات التاريخية الحاصلة. وفي هذه الاستعانة تتمثل أداة منهجية استعملها ماركس والمعروفة بمنهجية التفكير العكسي. وتقوم المنهجية على دراسة مستويات التطور العليا من أي ظاهرة من أجل فهم مستوياتها الأقل تطوراً، ففي مستويات التطور العليا يظهر الاتجاه العام الكامن في الظاهرة. وإذا استعرنا هذه المنهجية وطبقناها على الفلسفة نفسها كأقصى شكل من التطور التاريخي متمثلاً في حركة الفكر المجرد كنشاط بشري، يمكن فهم مسار الحدث التاريخي اليوم. هذه الاستعارة المنهجية وتطبيقها المقارن بين حقلي الفلسفة وحقل التطور التاريخي الاقتصادي السياسي الاجتماعي تستند إلى خلاصة أخرى وهي أن المرحلة الراهنة هي تعبير عن وصول التناقضات في الرأسمالية إلى أعلى مستوى من تطورها التاريخي، ومعها المجتمع الطبقي ككل. هذا يسمح للمرحلة بأن تكون كاشفة عن جوهر الانقسام الطبقي تاريخياً، وبالتالي يؤسس إلى اقتراب الواقع الفعلي من شكله الفلسفي الذي يتكثف في تاريخ الفلسفة بالذات، وفي معادلة انقسام الذات والموضوع بشكل خاص.


مفاعيل ما بعد الحداثة


بعد التقارب الكبير بين الذات والموضوع نتيجة لتضييق الهوة بين رأس المال والعمل كمفاعيل لثورات النصف الأول من القرن الماضي بشكل خاص، جاءت مرحلة ما بعد الحداثة لتعيد توسيع الانقسام بين الذات والموضوع وتدفعه إلى مستوى متطرف. هذا التوسيع أخذ مثلاً شكل النموذج الفرداني ومعه كل النموذج الليبرالي في الاقتصاد والثقافة والسياسة، والذي توحّش لاحقاً ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. فكان انحداراً كبيراً للعقلانية نحو اللا عقلانية، ومنها دفع العقل والوعي التاريخي بعيداً عن الواقع وقطع الممارسة الفاعلة، والتي تأخذ شكل الاستهلاك المفرط السلبي، وتتمثل في حقل السياسة بقتل الفعل السياسي للشعوب. هذا التوجه نحو اللا عقلانية والتطّرف في ثنائية الذات والموضوع، بدأ بالتصاعد نتيجة أزمة 2008 وبداية الانغلاق التاريخي أمام الإمبريالية والرأسمالية بشكل عام. ومع تصاعد الأزمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، شهد الحقل التاريخي تحقيقاً للانقسام الفلسفي بين الذات والموضوع آخذاً شكل المادية المتطرفة والمثالية المتطرفة، حيث يجري من ناحية المثالية المتطرفة نفي الموضوع (تدمير المجتمع بحد ذاته والطبيعة والوجود المادي للإنسان) ومن ناحية المادية المتطرفة بنفي الذات (تدمير العقل). وهذان التطرفان يتحركان جنباً إلى جنب كما في تاريخ الفلسفة التي يتطلب فيها قطبا الانقسام المتطرف المادي-المثالي بعضهما البعض. وهذا التطرف نراه في شكله الأقصى في دفع الكوكب نحو الدمار المحقق والتأسيس للفناء البشري وتدمير المجتمعات، كتعبير عن نفي الموضوع وتناقضاته، ومن ناحية ثانية، في انفصال العقل عن الواقع وتحوّله إلى حالة نكران للواقع وهلوسات وكذب وهذيان هو نفسه تدمير للعقل كنشاط فاعل واقعي تحويلي للتناقضات الموضوعية. وما الترامبية والسلوك الغربي والأمريكي خاصة إلا تكثيف لهذا التطور التاريخي الآخذ شكل «الجنون» هو اللا عقلانية في فعلها الإجرامي التدميري.


خلخلة المعادلة المتطرفة


وإن كانت كل أزمة خلال السنوات الماضية تدفع نحو تعميق الانقسام بين الذات والموضوع في العالم المهيمن، فهي قد كانت على العكس تؤسس لتقاربهما في العالم الجديد الذي يولد في قلب العالم القديم. هذا نراه مثلاً في الحقل السياسي في الاختلاف بين مقاربات عقلانية لحل القضايا المنفجرة، والتي بدأت دول العالم بالتقارب أكثر فأكثر حولها، وبين مقاربات لا عقلانية في حلّها تدفع الكوكب نحو كارثة اقتصادية
غذائية اجتماعية طاقوية وبيئية. ونرى أيضاً التقارب بين الذات والموضوع في إطلاق حيوية وفعالية سياسية تاريخية في المجتمعات تتمثل في ارتفاع المبادرة الشعبية السياسية لدى القوى التي أُخرجت في العقود السابقة من حقل الفعل التاريخي أو في ولادة قوى جديدة تتجاوز الأطر والأجسام التي فقدت قدرتها على المبادرة والفعل، ليس في دول الأطراف فقط، بل في دول المركز الغربي خاصة (وهذا له بوادر كبرى بدأت بالظهور تدريجياً).
في هذا السياق تتحرك الحرب الحالية، في وجه إيران شكلاً، وجوهراً كحرب في وجه العالم الجديد. هذه الحرب تمدّ الموجة المتصاعدة من الواقعية بطاقة كبيرة في علاقة طردية مع البعد التاريخي لهذه الحرب والتناقضات التي تفجرها في قلب العالم القديم، إن كان على مستوى مراكز الطاقة ومصادرها وأشكال نهبها مثلاً، أو في هشاشة اقتصاد السوق غير العقلاني الذي يمكن له أن ينهار على حساب إغلاق مساحة بحرية لا تتجاوز الـ54 كيلومتراً في أضيق نقطة، ونقصد بذلك مضيق هرمز، أو في تركز القوة العالمية لدى طرف هو الأقلية التي لا تزال تحاول إدارة العالم لصالحها وتقامر بمصير البشرية.

الحرب الراهنة في كونها مدخلاً إلى الواقعية تؤسس للعقلانية التاريخية بمعناها الواسع، أي للنموذج الحضاري للبشرية. وهذا لا ينحصر في المستوى السياسي فقط وإدارة الثروة وعلاقات الانتاج وتقسيم العمل على المستوى الدولي، بل يتجاوزها نحو تحويل في شكل المجتمعات ككل، وإطلاق أقصى الطاقات الحية في وجه «الجنون» التدميري ولاعقلانية النموذج الحضاري المأزوم. وإطلاق تلك الطاقات يتطلب تجاوزاً في الانقسام التاريخي الذي طبع المجتمع الطبقي، أي الانقسام بين قوة العمل ورأس المال الذي يتخذ شكل القمع التاريخي لقوة العمل، ما ينتج الشكل السياسي للديمقراطية البورجوازية في المركز وفي شكلها المشوه في الأطراف. أليس الكلام اليوم عن الصمود الداخلي وتجاوز الاقتتال والتقسيم الأهلي هو تعبير غير مباشر عن الحاجة لتغيير في النموذج الاقتصادي والسياسي لكل دولة تواجه خطر التدمير؟!
الحيوية التي أطلقتها الحرب ستتصاعد مع كل تعمق في أزمة العالم القديم وتطور شكل الاشتباك. الحرب بهذا المعنى هي جرعة واقعية «مفرطة» لتوليف الانقسام التاريخي ورد العقل إلى حقل الواقع وتناقضاته. الحرب ببعدها الوجودي اليوم هي في المصطلح الفلسفي حقلٌ للممارسة التي تفرض نفسها على العامل الذاتي أمام موضوع منفجر.


خلاصة عامة


هذه الحيوية الواقعية بدأت تظهر مفاعيلها في إعادة ترتيب التوازنات الدولية، وجذب أوسع القوى الاجتماعية إلى المبادرة، من أصغر قرية في دول المواجهة، إلى فنانين ومواقفهم الفردية وصولاً إلى حد السلوك الانتحاري لدى البعض، ووصولاً إلى قطاعات شعبية في الغرب تخرج من قوقعتها الفردانية التاريخية إلى رحاب الألم الواقعي الذي يترافق مع انهيار العالم الوهمي الذي اعتادوا عليه، ووصولاً إلى سلوك الدول التي تخرج من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم الاستراتيجي كالسلوك الإيراني المدعوم من القوى الدولية كروسيا والصين. ولهذا فإن مصير هذا المسار التاريخي لن يتوقف عند حدود فهم وإحداثيات العالم القديم بالمعنى الاصلاحي بل يفتح الأفق نحو التجاوز الجذري لإحداثيات المجتمع الطبقي ككل. هذا ما يجب الدفع نحوه في حقل الفكر السياسي وجدول الأعمال العام.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1270