لماذا يكذب حكام أمريكا!
إن السلطة غالباً لا تمارَس بالقوة فقط، بل بإنتاج المعنى أيضاً، وحين تتحول الممارسات التضليلية إلى جزء من النظام الثقافي، لا يعود الكذب استثناء، بل يصبح منهجاً وتقليداً. ولأن الرأسمالية نظام رمزي إضافة إلى كونها نظاماً اقتصادياً فإن الحقيقة أيضاً تحولت إلى ساحة صراع.
في الفهم الأخلاقي التقليدي يشار إلى الكذب بوصفه فعلاً فردياً، وأبسط مثال عليه: شخص يقول شيئاً غير صحيح. في المنظومة الرأسمالية جرى نقله من مستوى «الأخلاق» بالصيغة التقليدية الى مستوى آخر يتعلق «بالبنية الاجتماعية» وأعيد تعريف الكذب ليصبح منظومة هدفها أنتاج «واقع رمزي»، له وظيفته داخل النظام. فقد استُخدم الكذب بشكل ممنهج من قبل الطبقات الحاكمة كآلية للإنتاج الإيديولوجي. وتحول إلى أداة منظَّمة تستخدمها النخب السياسية والاقتصادية للحفاظ على السلطة.
يشير ميشيل فوكو هنا إلى أن «السلطة لا تمنع الحقيقة، بل تنتج أنظمة خاصة للحقيقة»
لماذا تحتاج الكذبة إلى قصة؟
يحتاج الكذب القوي إلى «شرعية سردية». وذلك يعني أن تُقدَّم الكذبة داخل إطار حكائي منطقي وكلما كانت القصة محكمة، أصبح من الصعب كشف زيفها، لأن الناس لا تتفاعل مع الوقائع فقط، بل مع القصص التي تعطي الوقائع معنى، فالبشر لا يعيشون داخل معطى خام، بل داخل حكايات وأساطير وسرديات وقصص... إلخ. هنا يصبح للخيال السياسي معنى، فالكذبة لا تُفرض بالقوة، بل تُدمَج داخل قصة أكبر تمنحها معنى. تقدم الحروب كتحرير مثلاً، أو يقدم الاستغلال كفرصة...إلخ. تمنح القصة الفعل شرعية أخلاقية. يتحول المعنى إلى سلعة، في النظام الرأسمالي حيث تعاد إنتاج الدلالات، وحيث لم تعد السلعة تُستهلك لقيمتها الاستعمالية، بل لقيمتها الرمزية، كم يؤكد جان بودريار. ولأن «الرأسمالية لا تنتج بضائع فقط، إنها تنتج رموزاً، وإيديولوجيا، ومعانيَ»، فهي لا تبيع «أشياء»، بل تبيع معنى، أو هوية، وهنا يتحوّل المعنى إلى سلعة من
جهة، كما أن المعنى نفسه يُنتَج وفق منطق الربح من جهة أخرى، وتقاس الحقيقة بقدرتها على التداول، لا بصدقها.
صناعة الجهل
في الفكر المعاصر لا ينتج الجهل من نقص المعرفة فقط، بل من إنتاج ممنهج للشك والتشويش.
فعند تضخيم دراسات هامشية، أو خلق جدل وهمي، أو تشتيت النقاش... لا يكون الهدف إقناع الأشخاص بالكذبة بل إنهاكهم معرفياً، ويصبح الشعار «لا أحد يعرف الحقيقة»، مناسباً للوضع القائم.
لا يحدث الكذب عن طريق الخطأ، بل كجزء من تخطيط، يجري تصنيع الجهل من خلال إنتاج وإدارة الشك أو التشويش أو المعلومات المضللة لمنع الناس من تكوين وعي نقدي حقيقي. وقد يصبح الجهل نفسه منتجاً قابلاً للبيع والاستثمار.
قد يفسر هذا كله إعادة إنتاج كذبات عفى عليها الزمن، تخرج بسهولة من أفواه أباطرة العالم الغربي دون حياء أو خجل، لا يهم هؤلاء ما يقولونه مادام يصب في حماية مصالحهم واستمرار سيطرتهم على العالم.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1268