«يا نور عيني... رحنا ضحية»
إيمان الأحمد إيمان الأحمد

«يا نور عيني... رحنا ضحية»

يختصر زياد الرحباني في كثير من الأحيان حالة سياسية كاملة، مفضلاً التعبير عنها في كلمات بسيطة تقولها كلمات أغنية كتبها أو لحنها. في أغنية «يا نور عيني رحنا ضحية» يرسم صورة هزلية لمآل البعض من «ثورجية» زمان ومكان محددين.

ثمة اختصار واضح لحالة الخذلان وشعور الخيبة التي تصيب الناس بعد أن يجري خداعهم وسوقهم إلى الوهم باسم الشعارات الكبيرة. تصلح توصيفات ما يقوم به «الثائر حار يأكل النار» وادعاءاته لإعادة التفكير ومحاولة فهم ما يجري اليوم في المشهد السياسي والإعلامي في المنطقة بعد طوفان الأقصى وسورية بعد سقوط السلطة السابقة.
تظهر الأبواق التي تصفق للعدوان الأمريكي على إيران، سواء من إعلاميين أو ناشطين، وخطابها السطحي والانفعالي افتقارها الشديد إلى العمق المعرفي وإلى فهم تعقيدات السياسة، على أقل تقدير، في مرحلة تكاد تكون مفصلية في تاريخ العالم أجمع.


مهنية غائبة وضحالة معرفية


لا تكمن المشكلة هنا بالمهنية الغائبة في كثير من الأحيان فحسب، بل في كونها مشكلة معرفية وسياسية أعمق تعبر عن ضحالة معرفية وضيق أفق، يتحول فيها الإعلامي، الذي لا يمتلك أدوات التحليل التاريخي والجيوسياسي، بسهولة إلى ناقل شعارات، على أقل تقدير، أو بوق مأجور في أحيان أخرى، وتكون النتائج كارثية في ظل غياب الثقافة السياسية ويصبح الإعلام دون وجود خط سياسي واضح منبراً للانطباعات الشخصية والاصطفافات المختلفة، يتبدل الخطاب فيه من ضفة إلى أخرى دون معرفة أو حساب لموازين القوى وتبدلاتها وأكثر من ذلك دون ثبات على معايير أو قيم واضحة. ناهيك عن حساب المصالح، وفهم التشابك الإقليمي والدولي وتغيراته.


نكاية «بالطهارة»


ثمة من يهلل لأي تصعيد أمريكي وضد أي من كان، بدافع النكاية فقط، نكاية سياسية أو أيديولوجية، في أحسن الأحوال، دون إدراك لمنطق الحروب الذي لا يخضع لأحكام «الخصومة الضيقة»، فالتهليل من موقع الشماتة يعكس ضيق أفق صاحبه فقط تجاه السياسة العالمية وطبيعة النظام الدولي، الذي تحكمه المصالح لا العواطف، وتضبطه استراتيجيات بعيدة المدى لا حسابات آنية.
يتجاهل مثل هذا الخطاب ما تؤكده التجارب مرة بعد أخرى، فالنار حين تشتعل في الإقليم لا تميز بين شعب وآخر. وما زالت دروس التاريخ قريبة ونتائجها مستمرة. ما زلنا نتذكر كذب قادة الولايات المتحدة وتبريراتهم لغزو للعراق عام 2003 في الأروقة الدولية وتأكيدهم «امتلاك نظام صدام حسين أسلحة دمار شامل« ليتبيّن لاحقاً أن تلك الذريعة ليست مزيفة فقط ولم تكن قائمة على أدلة حقيقية، وأن الحرب التي قادتها إدارة جورج دبليو بوش أُسست على سردية ثبت زيفها، بل كانت نتيجتها تدمير دولة وتمزيق مجتمع وفتح الباب أمام فوضى إقليمية لا تزال آثارها قائمة. ومع ذلك، يتكرر الخطاب ذاته اليوم، مع تغيير العنوان فقط.


ثنائية الخير والشر


يتخذ الحديث اليوم عن إيران، خاصة المصدر لمنطقتنا، لغة أخلاقية تبسيطية، كما لو أن المسألة صراع بين خير وشر مثلاً، ظهر ذلك واضحاً في الطريقة المسرحية التي
أعلن فيها ترامب من منتجعه بداية الحرب، والتي تشبه إلى حد كبير الطريقة التي أعلن فيها جورج بوش الابن في حينه الحرب على العراق، ولكن السياسة الدولية لا تُدار بهذه الثنائية، بقدر ما تدار بمنطق المصالح وسياقاته المختلفة. وحين تُطرح مبررات تتعلق بالأمن أو منع الانتشار النووي، ينبغي التفكير والسؤال حول من يستفيد من إعادة رسم موازين الخرائط والقوى؟ ومن يحدد معايير التهديد؟ فضلاً عن التكاليف الباهظة للحروب والتي غالباً ما تدفعها الشعوب لا الحكومات.
لا يكتفي بعض الإعلام سواء الرسمي أو مواقع التواصل بترديد ما يصدر عن مراكز القرار الغربية، بل يتبنى مواقفها دون مساءلة، ومثل هذا الخطاب غالباً ما يحول الجمهور إلى «ضحية» للحدث الدولي هذه المرة، بعد محاولات تحويله لـ«ضحية» الحدث الداخلي وخطاب الكراهية والتأجيج الطائفي والقومي سابقاً.


«ونحن من؟ مزيكاتية»


يمكن لمتابعي تجربة الرحباني أن يلاحظوا -ليس ذلك الخط العام فقط والذي يربط أعماله في سلسلة تكاد تكون نهجاً، بل امتلاكه الشجاعة أيضاً في التعبير عنها وقول ما يلزم أن يقال في الوقت المناسب. أثبت زياد فهمه للمعادلات الصعبة والمعقدة، وأعاد تعريف «ونحن من؟» بطريقة «إثبات العكس» الساخرة، وأنه ليس مجرد «مزيكاتية»!

معلومات إضافية

العدد رقم:
1268