ما هو الاستغلال المُفْرِط؟ (بريطانيا مثالاً)

ما هو الاستغلال المُفْرِط؟ (بريطانيا مثالاً)

مصطلح «الاستغلال» الذي يُستخدم في اللغة الدارجة للإشارة إلى أخذ ميزة غير عادلة من شخص ما، عاطفياً أو جسدياً، يُستخدم من قبل الماركسيين بمعنى تقني دقيق للغاية، يتعلق بالكيفية التي يتم بها إنتاج وتبادل السلع والخدمات في إطار الرأسمالية، وبمن المستفيد.

هذا ما أوضحته مقالة سابقة في سلسلة «فول ماركس». ونشر في مقال لاحق في صحيفة «مورننغ ستار» أونلاين في 15 شباط 2026، تذكير بمبادئ ركز عليها ماركس، منها أن من بين السمات الفريدة للإنسان هو العمل – أي إنتاج «القيمة الاستعمالية»، والتي تشكل أساس البقاء. لقد تغيرت منتجات العمل وطريقة إنتاجها عبر التاريخ، وفي المجتمعات الطبقية تنطوي على علاقات قوى واستيلاء الطبقة الحاكمة على جزء من ذلك المنتج.
في ظل الرأسمالية، يأخذ هذا عادةً شكل العمل المأجور، حيث لا يُدفع للعمال سوى جزء من قيمة ما ينتجونه – وهو بشكل عام ما يكفي لغذائهم وكسائهم وسكنهم وسكن أسرهم ولإنتاج الجيل القادم من العمال. أما الباقي – «القيمة الزائدة» – فيستولي عليه أصحاب رأس المال كفائدة أو إيجار أو ربح، ويُستثمر في المزيد من رأس المال لتحقيق المزيد من الأرباح. هذا هو «الاستغلال».
إذن، ماذا عن «الاستغلال المُفْرِط» – وهو مصطلح يزداد استخدامه مع إدراك الناس للطرق المعقدة التي يستغل بها رأس المال الناس، أفراداً وجماعات؟ يتجاوز هذا المفهوم الفهم الماركسي الأساسي للاستغلال، مشيراً إلى شكل مكثف وقمعي من الاستغلال يحد بشكل منهجي من صحة العامل أو سعادته أو يهددهما، وأحياناً يهدد حياته أو متوسط عمره المتوقع.

لم يستخدم ماركس ولا إنجلس مصطلح «الاستغلال المُفْرِط». ومع ذلك، فقد تم تحديد سماته بوضوح في كتاب «رأس المال» على أنه «التخفيض القسري للأجور إلى ما دون قيمتها» وكأحد العوامل التي يمكن للرأسماليين استخدامها لتعويض ميل معدل الربح إلى الانخفاض. في مناقشته حول التراكم البدئي لرأس المال، وثق ماركس حالات من العمل غير المأجور، مثل العبودية الاستعمارية والسخرة التعاقدية أو الإجبارية، حيث تُنهك قوة العمل وتُجعل قابلة للاستغلال بسهولة وتُقوَّم بأقل من قيمتها.
لاحقاً، صاغ ماركسيون مصطلح «الاستغلال المُفْرِط» اعترافاً بحقيقة أن هذا «الاستهلاك المنخفض» ليس حالة استثنائية بأي حال من الأحوال، بل هو سمة دائمة وهيكلية للرأسمالية. وهذا ينطبق بشكل خاص على بلدان الجنوب العالمي، حيث تعوض طبقاتها الحاكمة عن موقعها غير المواتي في التجارة الدولية غير المتكافئة بمكافأة قوة العمل بأقل مما كان سيعتبر ضرورياً لدعم عمالها وأسرهم. ثم يتحقق قدر كبير من فائض القيمة الإضافي في الدول الرأسمالية، مما يساعد في الحفاظ على تفوقها المالي والعسكري.
يشكل الاستغلال المُفْرِط عنصراً أساسياً في العلاقة بين «النواة» الرأسمالية الإمبريالية و«أطرافها» شبه الاستعمارية – وهو عنصر رئيسي في «نظرية التبعية». إنها سمة هيكلية للاقتصاد العالمي، حيث تساعد في الحفاظ على أرباح أعلى (وتنازلات للعمال مثل «دولة الرفاهية» البريطانية) في المراكز الحضرية الإمبريالية.

وهي تعتمد على سلاسل التوريد العالمية وعمالة المصانع الاستغلالية (السوييت شوب) على حساب العمال (بمن فيهم النساء والأطفال الذين غالباً ما يتحملون ظروفاً مروعة مقابل أجور زهيدة) في قطاعات تتراوح بين التعدين والصناعة التحويلية (خاصة صناعة الإلكترونيات والتكنولوجيا أو لأجلها) والزراعة وتجهيز الأغذية في «أطراف» الجنوب العالمي.
تشمل السمات الرئيسية دفع أجور للعمال تقل عن «الأجر المعيشي» – أي ما يعتبر «عادةً» ضرورياً لإعالة أنفسهم وأسرهم – وهو ما ينطوي غالباً على ساعات طويلة من الجهد المضني في ظروف عمل غير آمنة، مما يؤدي بشكل متكرر إلى الإرهاق البدني أو الذهني أو اعتلال الصحة.

العمال أنفسهم هم من يدفعون الثمن: أحياناً بحياتهم. نادراً ما تتصدر العواقب المترتبة على ذلك عناوين الأخبار، كما حدث في انهيار مصنع رانا بلازا في بنغلاديش عام 2013، الذي كان يورد منتجاته لعلامات تجارية مثل بريمارك. فقد كشف هذا الحادث عن العواقب المميتة (1134 قتيلاً ونحو 2500 جريح) لتدني معايير السلامة الناتجة عن خفض التكاليف والسعي وراء الربح.
إنجلس نفسه قارن بين الظروف المروعة للعمال في المستعمرات البريطانية والفئات العاملة المهمشة مثل المهاجرين الأيرلنديين في إنكلترا وعمال الصناعات المنزلية الريفية في ألمانيا، حيث كان العمال يتقاضون أجوراً متدنية بشكل منهجي ولم يكونوا ليبقوا على قيد الحياة لولا وجود وسائل عيش أخرى لديهم، بما في ذلك الصدقات أو ربما حديقة صغيرة.
اليوم، بينما تتأرجح الرأسمالية العالمية من أزمة إلى أخرى، أصبح الاستغلال المُفْرِط شائعاً بشكل متزايد في دول «النواة» الرأسمالية. في بريطانيا، يتجلى ذلك في الاستخدام المتزايد لعقود الساعات الصفرية، والعمل بالقطعة، و«العمل الحر» الوهمي. تنتشر هذه الأشكال بشكل خاص في قطاعات الضيافة وتجارة التجزئة والرعاية الاجتماعية.

والنتيجة هي هشاشة مالية: دخل غير متوقع وديون مربكة (عبودية الديون)، مما يجعل عملية إعداد الميزانية وتأمين أشياء مثل اتفاقيات الإيجار أو القروض صعبة للغاية. كثيرون، وخاصة الشباب اليوم، تخلوا منذ زمن طويل عن أي أمل في استئجار منزل خاص بهم (ناهيك عن شرائه) ويعيشون في مساكن مشتركة أو مع والديهم أو أصدقائهم.
يشعر العديد من العمال بضغط هائل لقبول كل وردية عمل تُعرض عليهم خوفاً من عدم تخصيص ساعات عمل لهم في المستقبل، مما يضعهم تحت رحمة المديرين. يستخدم أصحاب العمل عقود الساعات الصفرية للتهرب من الالتزامات مثل الإجازات المرضية مدفوعة الأجر، وإجازة الأمومة، ومكافآت نهاية الخدمة، مما يزيد من خفض الدخل الإجمالي إلى ما دون المستوى الضروري اجتماعياً لرفاهية العامل. وعقود الساعات الصفرية هذه (Zero-hours contracts) هي نوع من عقود العمل، منتشرة في بريطانيا، تتميز بعدم التزام صاحب العمل بتوفير حد أدنى محدد من ساعات العمل للعامل، وفي المقابل، لا يلتزم العامل بقبول أي ساعات عمل تُعرض عليه.
غالباً ما تُحدد أجور القطعة (الدفع مقابل كل وحدة عمل مُنجزة) بمستوى منخفض يجعل العمال يكافحون لكسب أجر معيشي، على الرغم من ساعات العمل الطويلة والمضنية، وقد يدفعون بأنفسهم إلى حدود قصوى جسدياً أو يُشركون أفراد أسرهم غير مدفوعي الأجر في محاولة للوفاء بالحصص المطلوبة، مما يؤدي إلى الإرهاق والمشاكل الصحية.
تنشأ مشاكل مماثلة من الالتزام «التطوعي» للمعلمين وممرضي هيئة الخدمات الصحية الوطنية والأطباء ومسعفي الإسعاف، الذين تم الإشادة بهم خلال جائحة كوفيد-19 ثم تجاهلتهم الحكومات إلى حد كبير – سواء حكومة المحافظين أو حكومة العمال – منذ ذلك الحين.
غالباً ما يتم فرض الاستغلال المُفْرِط من خلال آليات مثل تكوين «جيوش احتياطية» من العمال (السكان العاطلين عن العمل والعمالة الناقصة)، واستخدام العقود التقييدية، وقمع حقوق العمل والنقابات، واستخدام التمييز العنصري والجنساني لتبرير الأجور غير المتكافئة. غالباً ما تترجم «المرونة» لأصحاب العمل إلى انعدام أمن مالي للعمال الضعفاء.

يتفاقم كل هذا بسبب انتشار سرقة الأجور والخداع: فقد وردت تقارير عديدة عن عمال مهاجرين في المزارع يتقاضون أجوراً تقل بمئات أو آلاف الجنيهات عما يستحقون، حيث يقوم أصحاب العمل أحياناً بإنشاء قسائم رواتب مزورة لإخفاء جرائمهم. في بريطانيا، أفاد عمال صناعة الملابس في ليستر أنهم يكسبون ما لا يقل عن 3 إلى 4 جنيهات إسترلينية في الساعة؛ أي أقل بكثير من الحد الأدنى القانوني.
أصبحت بعض أشكال الاستغلال المُفْرِط سياسة رسمية. فبموافقة وزارة الداخلية، يمكن للمحتجزين في مراكز ترحيل المهاجرين أن يتقاضوا مبلغاً زهيداً قدره جنيه إسترليني واحد في الساعة مقابل القيام بأعمال – كالتنظيف والصيانة وأعمال المطبخ وغيرها – التي تبقي هذه المراكز قيد التشغيل. يمكن القول إن هذه المدفوعات – بالإضافة إلى تكاليف الإقامة – تعود بفائدة على النزلاء: إلا أنها تساهم أيضاً في تحقيق الأرباح الفائقة – التي تتراوح من 25 في المائة إلى أكثر من 40 في المائة – لشركات خاصة مثل G4S وسيركو وسوديكسو.

كما تم توسيع مفهوم الاستغلال المُفْرِط ليشمل العرق والنوع الاجتماعي، وتحليل من هم «المُستغَلُّون إفراطاً» ضمن سياقات وطنية وعالمية محددة. ويشمل ذلك التمثيل غير المتناسب للعمال المنتمين إلى أقليات إثنية والعمال المهاجرين في أعمال التدبير المنزلي منخفضة الأجر (النساء بشكل أساسي) وأعمال «الاقتصاد المرن» (الرجال بشكل أساسي). لقد تطور هذا المفهوم من مجرد ملاحظة وصفية إلى أداة نظرية وتحليلية لفحص آليات بقاء الرأسمالية العالمية.

معلومات إضافية

العدد رقم:
1267