هل هناك حقاً ما يبرر منح صكوك غفران اقتصادية لواجهات الأسد؟
بعد عقود من التغول الأمني والنهب الممنهج الذي مارسته السلطة السابقة، يجد السوريون أنفسهم اليوم أمام فصل جديد من فصول الالتفاف على تطلعاتهم في التحرر والعدالة. حيث أن التصريحات الأخيرة لرئيس لجنة مكافحة الكسب غير المشروع، باسل سويدان، حول التسويات المالية مع رجال الأعمال الذين تضخمت ثرواتهم في ظل نظام بشار الأسد، توحي بأن عمل اللجنة صار يتركز بشكلٍ أساسي على عزل الجانب الاقتصادي كمسار منفصل ومنعزل عن السياق الجنائي والحقوقي مما يوحي بمحاولة إعادة تدوير النخب الفاسدة ومنحها صكوك غفران اقتصادية تتيح لها العبور الآمن نحو سورية المستقبل.
تحاول بعض الأصوات الرسمية وغير الرسمية تصوير التسويات مع رجال أعمال من وزن سامر الفوز وطريف الأخرس كإنجاز وطني يسترد حقوق الدولة، لكن التدقيق في فلسفة هذه التسويات يكشف عن تشويه متعمد لمفهوم العدالة الانتقالية وتزييف لوعي الشارع. فالادعاء بأن هذه التسويات «لا تمنح حصانة جزائية» هو ادعاء نظري يفتقر للواقعية السياسية والاجتماعية، إذ كيف يمكن ملاحقة مجرم حرب جنائياً وهو يمتلك مفاتيح الاقتصاد والقدرة على شراء الولاءات بفضل الأموال التي سُمح له بالاحتفاظ بها؟
إن فصل الجرم المالي عن المسار القضائي العام هو فعلياً عملية بتر لذاكرة السوريين، تهدف إلى إخفاء حقيقة أن هذه الثروات لم تكن نتاج تجارة مشروعة، بل كانت وقوداً لاستمرار آلة القمع والتهجير. وعليه، فإننا نقف اليوم أمام سياسة توهم الشعب بأن استعادة جزء يسير من المنهوبات هو انتصار، بينما الحقيقة هي تثبيت لمراكز القوى الفاسدة في قلب البنية الاقتصادية وربما السياسية القادمة.
لماذا تشكل التسويات بشكلها الحالي إجحافاً بحق السوريين؟
تكمن الخطورة الكبرى في منطق عمل لجنة مكافحة الكسب غير المشروع في التعامل مع ثروات رجال الأعمال المرتبطين بمنظومة الأسد كخلاف ضريبي بسيط أو كسب غير مشروع تقليدي يمكن حله عبر الغرامات. أما الحقيقة التي يتجاهلها من يتحدثون باسم اللجنة هي أن ثروات هؤلاء وغيرهم لم تتراكم في سوق تنافسية تخضع لقوانين العرض والطلب، بل نمت عبر هندسة إجرامية للاقتصاد السوري حولت الحرب وجرائمها وويلاتها إلى أرباح تصب في جيوب هؤلاء المنتفعين. وبالتالي، فإن هؤلاء لم يكونوا مجرد تجار انتهزوا الفرص و«سايروا» النظام السابق، بل كانوا وكلاء وواجهات وشغيلة عند سلطة الأسد، تولوا مهام قذرة لم تنته عند حدود تمويل مليشيات التشبيح وإدارة اقتصاد التعفيش.
لهذا، فإن هذه النخبة كانت عملياً هي العمود الفقري المالي الذي أطال أمد الصراع، فكل سلعة تم احتكارها لرفع الأسعار، وكل صفقة مشبوهة للاستيراد، وكل حاجز تم تقاسم أرباحه بين الفاسدين الكبار، كان يقابلها موت سوريين جوعاً أو برداً أو تحت الأنقاض. بناءً عليه، فإن فكرة أن يفصح هؤلاء طوعياً عن حجم الكسب غير المشروع هي نكتة سمجة وتستهين بتضحيات السوريين، لأن أصل الثروة بالكامل في هذه الحالات هو ثمرة الجريمة. وفي منطق العدالة الانتقالية الرصين، لا توجد تسوية على مال مسروق بالكامل، بل يجب أن تخضع هذه الثروات للمصادرة الشاملة كإجراء وقائي وعقابي في آن واحد.
السماح لهؤلاء بالاحتفاظ بكتل مالية ضخمة تحت مسمى التسويات يعني بالملموس منحهم القدرة على السيطرة على مفاصل الاقتصاد الوطني. وهذا يضعنا أمام مفارقة مرعبة حيث من دمر سورية ومن استفاد من دمارها، هو نفسه من سيربح مجدداً من عملية إعادة بنائها بفضل السيولة التي «شرعنتها» له لجنة مكافحة الكسب غير المشروع.
هذا التمييز الطبقي في تطبيق العدالة يؤسس لاحتقان اجتماعي عميق سينفجر لاحقاً في وجه من يرعاه وينظر له وهو يهمل أن مصلحة الشعب السوري تقتضي تطهير البيئة الاستثمارية القادمة من هذه الطفيليات، لا تثبيتهم كشركاء في سورية المستقبل. واسترداد جزء من المال مقابل منحهم الشرعية هو خسارة على المدى الطويل، لأن التكلفة السياسية والاجتماعية لوجودهم في المشهد الاقتصادي تفوق بكثير المبالغ المالية التي سيضخونها في الخزينة (هذا على افتراض أنهم لم يتلاعبوا بذلك أيضاً).
مغالطة فصل المالي عن الجنائي: السلاح الاقتصادي كدرع للمجرم
قال السيد سويدان إنه رغم التسويات المالية لكن المسارات القضائية الأخرى تبقى قائمة، محاولاً طمأنة الشارع بأن المحاسبة الجنائية لن تتأثر بالتسوية المالية. والمشكلة الأساسية في هذا النمط من الطروحات أنه يقوم على فرضية جزر العدالة المنعزلة التي لا وجود لها في الواقع. ففي سياق الدول الخارجة من النزاعات والتحولات الكبرى، تعتبر القوة الاقتصادية هي الأداة الأقوى لإجهاض أي عدالة جنائية مفترضة. لنكن واقعيين: رجل الأعمال الذي يخرج من تسوية مالية مع السلطة وهو يملك أرصدة ضخمة وشبكة علاقات متينة وواسعة، سيكون قادراً على التلاعب بسهولة بأي مسار قضائي ولن يعدم الوسيلة لتحقيق هذا الهدف.
الأهم من ذلك أن هؤلاء لم يرتكبوا مخالفات إدارية أو مالية، بل ما فعلوه هو جرائم حرب اقتصادية بامتياز. فمن مول ميليشيات هو شريك أصيل في القتل، ومن استخدم نفوذه لاحتكار الغذاء بينما كان الأغلبية الساحقة من الشعب السوري تعيش تحت خط الفقر هو شريك في جريمة التجويع. ومن استثمر في عقارات تم الاستيلاء عليها من أصحابها المهجرين هو شريك في جريمة التهجير القسري. وبالتالي، فإن منح براءة ذمة اقتصادية لهؤلاء يمثل عملياً منح حصانة جنائية فعلية، لأنك تركت للمجرم السلاح (المال) الذي ارتكب به الجريمة والذي سيستخدمه لاحقاً لتعطيل العدالة.

وبقاء النفوذ الاقتصادي بيد هؤلاء يعني أن الدولة السورية لا تزال تحت الارتهان، وأن سيادة القانون ستقف دائماً عند عتبات قصورهم. لهذا، فإن المصلحة الوطنية تكمن في كبح قدرتهم على النهب المستقبلي، وهذا لا يتحقق إلا بتجريدهم من أدوات قوتهم غير المشروعة وتحويلها إلى موارد وطنية. وفصل المسارات هو بمثابة منح القاتل سكيناً جديدة بعد أن غسل يديه من دم الضحية السابقة.
وفوق ذلك، فإن هذا التوجه يحبط معنويات السوريين الذين آمنوا بأن زمن «فوق القانون» قد انتهى. فعندما يرى المواطن أن تجار الدم عادوا إلى الصدارة بمجرد دفع إتاوة للدولة تحت مسمى التسوية، فإنه سيفقد الثقة في سورية الجديدة برمتها. لهذا، فإن التغاضي عن أصل الثروات تحت حجة الواقعية الاقتصادية هو خطيئة كبرى، لأن الدولة التي تبدأ حياتها بمقايضة العدالة بالمال هي دولة تحكم على نفسها بالتبعية بمسايرة الفساد.
من التسوية إلى المصادرة والجبر الشامل للضرر
المخرج من هذا المأزق يبدأ بالعودة إلى المبادئ الوطنية الصارمة التي تضع مصلحة الشعب السوري أولاً. حيث لا يجب أن تقبل أي حكومة سورية بأي شكل من أشكال التسويات التي تترك لهؤلاء الفاسدين الكبار أي نفوذ مالي. والبديل الحقيقي يكمن في استراتيجية شاملة للمصادرة والمساءلة العلنية.
الخطوة الأولى تبدأ بإلغاء برنامج الإفصاح الطوعي فوراً، فهذا البرنامج مصمم لخدمة الفاسد الذي يعرف أين يخبئ أمواله وكيف يظهر جزءاً بسيطاً منها ليشتري صمت الدولة. وبدلاً من ذلك، يجب تبني مبدأ المصادرة الشاملة لكل الثروات التي تراكمت عبر القرب من دوائر القرار في عهد الأسد. القاعدة القانونية هنا يجب أن تكون بسيطة، حيث أن كل ثروة لا يمكن إثبات مصدرها عبر نشاط تجاري نزيه وتنافسي هي ثروة مسروقة من الشعب ويجب استردادها. وعلى رجال الأعمال هؤلاء تقع بينة إثبات مشروعية أموالهم، وهو ما لن يستطيعوا فعله لأن سجلاتهم مليئة بالامتيازات الاحتكارية والعقود الممنوحة بالأمر المباشر والشراكات مع الأجهزة الأمنية.
على هذا النحو، يجب تشكيل لجان تحقيق قضائية مستقلة ومتخصصة في تتبع الأصول، لا تكتفي بما يفصح عنه الفاسد، بل تنبش في الحسابات الخارجية وشركات الأوفشور والأسماء المستعارة. وهذا يجب أن ينطلق من مبدأ أن الثروات المنهوبة هي أصول وطنية مختطفة وليست ملكيات خاصة يجب التفاوض عليها مع لجنة هنا أو هيئة هناك. واستعادة هذه الأصول بالكامل هي حق غير قابل للتصرف لكل مواطن سوري حُرم من الرعاية الصحية أو التعليم أو المسكن بسبب جشع هؤلاء وممارساتهم.
أخيراً، فإن رجال الأعمال هؤلاء ليسوا قدراً محتوماً على سورية كما يحاول البعض تصويرهم تحت ذريعة أن لديهم الخبرة والسيولة. فسورية مليئة بالكفاءات الشريفة في الداخل والخارج، وهؤلاء هم من يستحقون الدعم، لا من بنوا ثرواتهم على أنقاض المنازل المهدمة. لهذا، وكما قلنا سابقاً: إن الطريق إلى سورية الجديدة لا يمر عبر صالونات رجال الأعمال الفاسدين، بل عبر منصات القضاء العادل واستعادة كل قرش سرق من لقمة عيش السوريين. ومسؤولية اللجنة اليوم هي الانحياز للشعب، لا التحول إلى وسيط لتجميل القبح. وعلى السوريين جميعاً الوقوف بحزم ضد هذه السياسات، والمطالبة بمحاسبة شاملة لا تستثني أحداً، لأن الوطن الذي يبنى على مساومات فاسدة هو وطن محكوم بالسقوط مرة أخرى في براثن الاستبداد والجوع.

معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267