المؤشرات الاقتصادية بعد أربعة أعوام على حرب أوكرانيا
مضت أربعة أعوام على بداية الحرب الروسية الغربية في أوكرانيا. رغم الحرب، شهد الاقتصاد الأوكراني بعض التعافي في العامين الأخيرين، على الأقل من حيث الناتج المحلي الإجمالي. لا تزال موانئ أوكرانيا على البحر الأسود تعمل، ويتدفق جزء من التجارة غرباً عبر نهر الدانوب، وإن بدرجة أقل عبر السكك الحديدية. كما حقق القطاع الزراعي تعافياً متواضعاً. ومع ذلك، لا يزال إنتاج الحديد والصلب عند جزء بسيط من مستواه قبل الحرب، إذ تراجع من 1.5 مليون طن شهرياً قبل الحرب إلى 0.6 مليون طن فقط. وانخفض الإنتاج الصناعي في أوكرانيا بنسبة 3.5% على أساس سنوي في نهاية 2025.
مايكل روبرتس
تفتقر أوكرانيا بشكل متزايد إلى الأيدي العاملة القادرة على الإنتاج أو القتال. تكشف تحليلات مستقلة عن معدل بطالة مرتفع ومتقلب، بلغ ذروته عند 22.8% في أواخر 2025. أكثر من 80% من العاطلين نساء، إذ جرى تجنيد معظم الرجال في القوات المسلحة، ونصف الشباب تحت 35 عاماً ممن لم يُجنّدوا لا يعملون. هناك نقص حاد في الكفاءات، بعدما غادر معظمها البلاد. وقد بلغ الأمر بالحكومة حد اللجوء إلى «فرق تجنيد قسرية» تجوب الشوارع ليلاً ونهاراً لاقتياد الرجال إلى الجبهات.
لا تزال أوكرانيا تعتمد كلياً على الدعم الغربي. فهي تحتاج إلى ما لا يقل عن 40 مليار دولار سنوياً للحفاظ على الخدمات الحكومية ودعم السكان واستمرار الإنتاج، إضافة إلى 40 مليار أخرى سنوياً لدعم القوات المسلحة. منذ بدء الحرب، أُنفِق أكثر من نصف الموازنة العامة على الدفاع، أي ما يعادل 26% من الناتج المحلي الإجمالي. اعتمدت أوكرانيا على الاتحاد الأوروبي لتمويل الإنفاق المدني، وعلى أمريكا لتمويلها العسكري، فيما يشبه «تقسيم عمل» مباشر. لكن منذ تولّي إدارة ترامب السلطة في 2025، خفّضت أمريكا مساعداتها العسكرية المباشرة بشكل كبير، وحثّت الأوروبيين على تحمّل العبء كاملاً.
أما كلفة إعادة الإعمار، فتقدّرها أحدث أرقام البنك الدولي بـ 588 مليار دولار خلال عشر سنوات، بافتراض انتهاء الحرب هذا العام، أي ثلاثة أضعاف الناتج المحلي الحالي. لكن أوكرانيا تقدّر الحاجة إلى ترليون دولار، منها 400 مليار دولار لإعادة تأهيل قطاع الطاقة، و300 مليار للإسكان والبنية التحتية الحضرية، و200 مليار للنقل واللوجستيات، و100 مليار للخدمات الاجتماعية والمؤسسات العامة. هذا يعادل ست سنوات من الناتج المحلي السابق. وحتى مع إعادة كل موارد ما قبل الحرب، سيبقى الناتج أقل بنسبة 15% من مستواه السابق.
التأثير الاقتصادي على روسيا
أما روسيا، فقد منحتها الحرب دفعة اقتصادية أولية رغم العقوبات. خصصت نحو ثلث الموازنة للدفاع، ووجّهت صادرات الطاقة نحو الصين والهند، حيث تستحوذ الصين على 45% من صادرات النفط الروسي. كما ارتفعت الواردات الصينية إلى روسيا بأكثر من 60% منذ بداية الحرب.
لكن روسيا تواجه نقصاً حاداً في اليد العاملة بسبب التراجع الديموغرافي وهجرة نحو 750,000 شخص من الطبقة الوسطى والعمال الرقميين ومن يشبههم منذ 2022، إضافة إلى تجنيد ما بين 10,000 و30,000 شهرياً. انخفضت عائدات النفط والغاز 27% على أساس سنوي، والتضخم عند 8%، بينما أسعار الفائدة 16%. بلغ الإنفاق الحربي أكثر من 7% من الناتج المحلي. رغم ذلك، تملك روسيا احتياطيات نقد أجنبي كبيرة وديناً عاماً منخفضاً نسبياً، ما يسمح لها بالاستمرار في تمويل الحرب.
تم تعديل تقديرات نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للعام بأكمله بالخفض إلى أقل من 1% لعام 2025، وفق تقديرات صندوق النقد، ما يضعه في حالة «ركود تضخمي». يتوقع معهد التنبؤ الاقتصادي التابع للأكاديمية الروسية للعلوم نمواً بنسبة 1.4% في 2026، مع تسارع النمو إلى حوالي 2% في عام 2027. ويتوقع صندوق النقد الدولي نمواً بنسبة 1.0% في 2026.
ورغم الحديث الغربي، ليس من المتوقع حدوث انهيار مالي، فالاقتصاد الروسي تمكن من الصمود، ولديه كل المقومات ليكون قوياً بما يكفي لمواصلة الحرب حتى عام 2026 وما بعده. وعلى عكس أوكرانيا، يُمكن الاقتراض أكثر، لأن روسيا لديها رصيد منخفض نسبياً من الديون، ويمكن رفع الضرائب مجدداً. كما يستطيع البنك المركزي طباعة النقود، وتستطيع الحكومة مواصلة تأميم الشركات لتعزيز اقتصاد الحرب.
سيكون الأمر مختلفاً إذا ما انتهت الحرب. فالإنتاج الحربي في جوهره غير منتج من منظور تراكم رأس المال على المدى الطويل. عند انتهاء الحرب، سيعود الاقتصاد الروسي إلى نمط التراكم المدني، وعندها قد تنكشف هشاشة قطاعاته الإنتاجية. من المرجح جداً حدوث ركود في مرحلة ما بعد الحرب.
يبقى الاقتصاد الروسي مرتبطاً أساساً بالموارد الطبيعية. يعتمد على الاستخراج أكثر مما يعتمد على التصنيع. لا تزال روسيا متأخرة تكنولوجياً، وتعتمد على واردات التكنولوجيا المتقدمة. وهي ليست لاعباً مهماً في أي من التقنيات المتقدمة، من الذكاء الاصطناعي إلى التكنولوجيا الحيوية. ولم تنتج بعد تقنيات قادرة على المنافسة في أسواق التصدير العالمية خارج قطاعي السلاح والطاقة النووية، حيث يخضع الأول لعقوبات، فيما يقترب الثاني من ذلك.
ماذا عن أوروبا؟
لم تدمّر الحرب أوكرانيا فحسب، بل أضعفت الاقتصاد الأوروبي أيضاً، بعدما ارتفعت تكاليف الإنتاج نتيجة فقدان واردات الطاقة الروسية الرخيصة. على سبيل المثال: تسجّل المملكة المتحدة أعلى تكاليف للكهرباء والطاقة بين دول مجموعة السبع، وألمانيا ليست بعيدة عنها. أظهر استطلاع حديث لاتحاد الصناعات البريطاني، أن الأسعار الصناعية في المملكة المتحدة أعلى بنحو الثلثين من متوسط دول وكالة الطاقة الدولية، وهي الأعلى بين دول مجموعة السبع. تبلغ أسعار الكهرباء في المملكة المتحدة نحو ضعف متوسط الاتحاد الأوروبي. وتواجه الشركات البريطانية حالياً تكاليف كهرباء أعلى بنحو 70% مقارنة بما قبل الأزمة، فيما تزيد تكاليف الغاز بأكثر من 60%، وأشارت أربع شركات من كل عشر إلى أنها تخطط لخفض استثماراتها نتيجة لذلك.
في 2025 ارتفعت المساعدات الأوروبية بشكل ملحوظ، إذ زادت المساعدات العسكرية بنسبة 67%، والمساعدات المالية والإنسانية بنسبة 59%، وارتفعت حصة الاتحاد الأوروبي من إجمالي التمويل المدني إلى 90% بعدما كانت نحو 50% في بداية الحرب، لكن بسبب الانسحاب الأمريكي، انخفض إجمالي الدعم العسكري بنسبة 13%، وتراجع التمويل المدني بنسبة 5% بالقيمة الحقيقية.
تعتمد المساعدات العسكرية الأوروبية على عدد محدود من الدول، خصوصاً ألمانيا والمملكة المتحدة، اللتين شكّلتا نحو ثلثي المساعدات العسكرية لأوروبا الغربية بين 2022 و2025. ويواجه الاتحاد الأوروبي صعوبة في إيجاد تمويل للعام الحالي. فخطته لاستخدام الأصول الروسية المجمدة انهارت بسبب مخاوف «يوروكلير» في بلجيكا من خسائر قضائية. أما خطة إصدار سندات سيادية بقيمة 100 مليار دولار فما زالت معلّقة.
أعلنت المفوضية الأوروبية عن «صندوق رائد أوروبي» كأداة استثمار مشتركة لإعادة الإعمار، ما يعني فعلياً انتقالاً واسعاً للملكية نحو المستثمرين الغربيين. بالفعل، يملك مستثمرون محليون وأوروبيون وأمريكيون وصندوق الثروة السيادي السعودي 28% من الأراضي الزراعية في أوكرانيا. استثمرت «نستله» 46 مليون دولار في منشأة جديدة في فولين، وتخطط «باير» الألمانية لاستثمار 60 مليون يورو في إنتاج بذور الذرة. كما حصلت شركة MHP، أكبر شركة دواجن أوكرانية، على أكثر من خُمس قروض البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وتسيطر على 360,000 هكتار من الأراضي.
يرى الأوروبيون، أن روسيا ضعيفة وقريبة من الهزيمة، لكنهم في الوقت ذاته يحذرون من أنها قد تغزو أوروبا بعد انتصارها في أوكرانيا، وهو تحليل ينطوي على تناقض واضح. مع ذلك، يُستخدم هذا الطرح لتبرير مضاعفة الإنفاق الدفاعي وصولاً إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات الأوروبية الكبرى، خلال السنوات العشر المقبلة، بحجة الاستعداد لغزو روسي محتمل. وقد اعتبرت برونوين مادوكس أن الإنفاق على «الدفاع» هو «أعظم منفعة عامة على الإطلاق»، مضيفة أن المملكة المتحدة قد تضطر إلى زيادة الاقتراض لتمويل هذا الإنفاق، وأن السياسيين سيضطرون إلى استعادة الأموال عبر خفض إعانات المرض والمعاشات والرعاية الصحية، وإقناع الناخبين بالتنازل عن بعض المزايا لصالح الدفاع.
سيعني ذلك تحويل استثمارات ضخمة بعيداً عن الخدمات العامة الضرورية والاستثمار التكنولوجي، وتوجيهها نحو إنتاج الأسلحة غير المنتج اقتصادياً والمدمر بطبيعته. وهذا يضع مستقبل أوروبا الاقتصادي أمام حالة من عدم اليقين العميق خلال ما تبقى من هذا العقد وما بعده.
معلومات إضافية
- العدد رقم:
- 1267